الأستاذ الشيخ حسن الرميتي
بحث الفقه
45/09/23
بسم الله الرحمن الرحيم
الصَّوم
الموضوع: الصَّوم
قوله: (عدم جواز الإفطار في قضاء شهر رمضان بعد الزَّوال، والله العالم بحقائق أحكامه)
ألحق عليّ بن بابوَيْه والحلبيّ قضاء النَّذر بقضاء رمضان في تحريم الإفطار بعد الزَّوال، ووجوب الكفَّارة على المفطر.
أقول: المعروف بين الأعلام أنَّه لا يُلحق بقضاء رمضان عن نفسه قضاءُ رمضان عن غيره بإجارة أو تبرُّع، فيجوز لمَنْ يقضي رمضان عن غيره بإجارة أو تبرُّع أن يفطر قبل الزَّوال وبعده.
وكذا لا يُلحق بقضاء رمضان غيره من الواجبات الموسّعة، كالنَّذر المطلق وصوم الكفَّارة، فيجوز الإفطار فيه قبل الزَّوال وبعده.
خلافاً لعليّ بن بابوَيْه، حيث ألحق قضاء النَّذر بقضاء رمضان، ونقل عنه العلَّامة (رحمه الله) في المختلف أنَّه قال: (إذا قضيت شهر رمضان أو النَّذر كنت بالخيار في الإفطار إلى زوال الشَّمس، فإذا أفطرت بعد الزَّوال فعليك الكفَّارة مثل ما على مَنْ أفطر يوماً من شهر رمضان...).[1]
وكذا حُكي عن الحلبيّ.
ثمَّ إنَّه قدِ استُدلّ للمشهور القائل بعدم الإلحاق: بأنَّ الرِّوايات المُتقدِّمة منصرفةٌ عن مثل هذه الأُمور، فإنَّ المتبادر منها ما كان القضاء عن نفسه، لا عن الغير.
وعليه، فلا إطلاق فيها يشمل القضاء عن الغير بإجارة أو تبرُّع، كما أنَّه لا إطلاق فيها يشمل سائر أقسام الواجب المُوسّع من نذر أو كفّارة، ونحوهما؛ وذلك لأنَّ الرِّوايات المُتقدِّمة موردها قضاء شهر رمضان.
وعليه، فمقتضى أصل البراءة هو جواز الإفطار بعد الزَّوال.
ثمَّ إنَّه قد يُستدلّ لحرمة الإفطار بعد الزَّوال في كلّ صومٍ واجبٍ، سواء كان قضاء شهر رمضان أم غيره، وسواء كان القضاء عن نفسه أم عن غيره: بموثَّقة سُماعة المُتقدِّمة عن أبي عبد الله (عليهالسَّلام) في قوله: (الصَّائم بالخيار إلى زوال الشَّمس، قال: إنَّ ذلك في الفريضة، وأمَّا في النافلة فله أن يفطر، أيّ وقت شاء إلى غروب الشَّمس).[2]
فإنَّ الفريضة مطلقةٌ تشمل كلَّ صومٍ واجبٍ، سواء كان قضاء شهر رمضان أم غيره، وسواء كان القضاء عن نفسه أم عن غيره.
وهي، وإن كانت ضعيفةً بمُحمّد بن سنان بطريق الشَّيخ والكلينيّ، إلَّا أنَّها موثَّقة بطريق الصَّدوق (رحمه الله) في الفقيه.
واستُدل أيضاً: برواية عبد الله بن سنان المُتقدِّمة أيضاً عن أبي عبد الله (عليهالسَّلام) (قَاْل: صوم النَّافلة لك أنْ تفطر ما بينك وبين اللَّيل متى ما شئت، وصوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشَّمس، فإذا زالتِ الشَّمس فليس لك أن تفطر)[3]
وهي ضعيفة بعدم وثاقة عبد الله بن الحسين.
ويُجاب عنهما -مع قطع النَّظر عن ضعف الثَّانية-: بأنَّ المراد من الفريضة حسب المتبادر منها هو الواجب عليه بالأصالة فلا يشمل القضاء عن الغير، ولا المنذور.
ثمَّ إنَّه حُكي عن بعضهم أنَّه حرّم قطع كلّ واجبٍ معيّنٍ أو غيره، سواء كان قبل الزَّوال أم بعده؛ عملاً بعموم النَّهي عن إبطال العمل ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، خرج منه قضاء رمضان بالنَّصّ، وبقي الباقي.
وفيه: ما لا يخفى من عدم صلاحيّة الآية الشَّريفة، على ما ذكرناه سابقاً في حرمة إبطال الصَّلاة، فراجع ما ذكرناه.
وأمَّا وجوب الكفَّارة على المُفطِر في قضاء النَّذر بعد الزَّوال، فقد استدلّ له بمساواته لقضاء رمضان؛ لاشتراكهما في كونهما قضاءً للواجب، ولأنَّ المقتضي لوجوب الكفَّارة هناك كونه قد أبطل عبادةً فعل أكثرها، وهو مُتحقِّق هنا.
وفيه أوَّلا: المنع من المساواة والاقتضاء.
وثانياً: أنَّه قياسٌ لا نقول به، ولا ينطبق على أُصول مذهبنا، والله العالم.
***
قوله: (ولا يجب في القضاء الفوريّة، خلافاً للحلبيّ)
المعروف بين الأعلام أنَّه لا يجب في القضاء الفوريّة، بل يجوز التَّراخي.
وفي المدارك: (المعروف من مذهب الأصحاب أنَّ وجوب قضاء الصَّوم على التَّراخي لا على الفور، وربَّما ظهر من عبارة أبي الصَّلاح وجوبه على الفور، فإنَّه قال: يلزم مَنْ يتعيَّن عليه فرض القضاء لشيءٍ من شهر رمضان أن يبادر به في أوَّل أحوال الإمكان...)[4]
وفي الجواهر -تعليقاً على كلام أبي الصَّلاح الحلبيّ (رحمه الله)-: (أنَّه في غاية الضَّعف، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، بل في محكيّ النَّاصريّات أنَّه لو كان الأمر بالقضاء هنا على الفور لكان يجب متى أمكنه القضاء أن يتعيَّن الصَّوم فيه حتَّى لا يجزي سواه، ولا خلاف في أنَّه يُؤخِّر القضاء...)[5]
أقول: يدلُّ على عدم وجوب الفوريّة -مضافاً لإطلاقات الأدلَّة من الكتاب المجيد، والسُّنّة النَّبويّة الشَّريفة، فإنَّها بإطلاقها تشمل صُورة التَّراخي في القضاء- جملةٌ من الرِّوايات:
منها: صحيحة الحلبيّ عن أبي عبد الله (عليهالسَّلام) (قَاْل: إذا كان على الرَّجل شيءٌ من صوم شهر رمضان فَلْيقضه في أيّ الشُّهور شاء، قَاْل: قلتُ: أرأيت إن بقي عليَّ شيءٌ من صوم شهر رمضان أقضيه في ذي الحجّة؟ قَاْل: نعم) .[6]
ومنها: حسنة حفص بن البُختريّ عن أبي عبد الله (عليهالسَّلام) (قَاْل: كنّ نساء النَّبيّ (صلى الله عليه وآله) إذا كان عليهنَّ صيام أخَّرن ذلك إلى شعبان؛ كراهة أن يمنعنَّ رسول الله صلى اللهعليه وآله وسلم، فإذا كان شعبان صمن وصام، وكان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: شعبان شهري)، وكذا غيرها.
وأمَّا دليل أبي الصَّلاح الحلبيّ (رحمه الله) على وجوب الفوريّة... فيأتي إن شاء الله تعالى.[7]