« قائمة الدروس
الأستاذ السید محمدتقی المدرسي
بحث الفقه

46/03/10

بسم الله الرحمن الرحيم

فقه القرآن - آيات الصلاةالدرس السادس

بسم الله الرحمن الرحيم

فقه القرآن: آيات الصلاة

الدرس السادس: بحوث تمهيدية – أداء الميثاق وإقامة الصلاة

[وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ][1] .

للميثاق ارتباط وثيق بالصلاة، فما هو الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل؟ وما دوره؟ وما هو ميثاقنا؟

كان بنو إسرائيل، يمثلون الطليعة الدينية في مجتمعهم، والقرآن الكريم حكى قصصهم لتستفيد الأمة الإسلامية من عبرهم، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: فمن؟"[2] .

إن من سمات المجتمع البشري الناجح هو سمة التعاون والتراص، وذلك لسببين:

الأول: فطرة الله، لأن الله تعالى قد خلق الإنسان وهو محتاجٌ إلى غيره، ومعينٌ للغير أيضاً، إذ كان خلق الإنسان من نفس واحدة، وكما يقول سبحانه في كتابه الكريم: [بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ][3] .

الثاني: الدين؛ الذي يكمل دور الفطرة في تكامل الناس فيما بينهم وتعاضدهم، فالدين يستثير الفطرة أولاً ، ثم يكملها بما فيه من تعليمات وتشريعات.

النظام الاجتماعي في الإسلام

والنظام الإسلامي للمجتمع هو نظام التكامل، ليجعل من المسلمين أمةً شاهدةً على سائر الأمم في تقدمهم ووحدتهم، كما يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾[4] .

ولأجل أن تكون الأمة في طليعة الأمم لابد أن تكون أكثر التحاماً وتكاملاً، يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾[5] ، وفي روايات أهل البيت تعابير مختلفة كتعبير الجبل الراسخ أو البنيان أو الشجرة أو ما أشبه، وهي جميعاً تنتهي إلى بصيرة واحدة، هي المزيد من التلاحم بين أبناء الأمة، والتي تتمثل في ثلاثة أبعاد أساسية:

    1. التواصي، والذي يعنى بتنمية الروح والإرادة.

    2. التشاور، ويهدف إلى تنمية العقل.

    3. التعاون، والذي يهدف تنمية الواقع الخارجي.

ولتحقيق ذلك كله، لابد من ميثاق، ولكن لماذا؟ وما دوره؟

خلق الله سبحانه، الإنسان ومنحه الحريّة، وحمّله الأمانة، كما يقول تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾[6] ، كما وأخذ منه الميثاق في عالم الذر: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾[7] .

ثم لما وطأت قدما ابن الادم الدنيا، ذكّرهم بذلك الميثاق، وأخذ منهم العهد بالإلتزام به، وقد أخذ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، العهد والبيعة من الأمة في أكثر من موطن، آخرها بيعة غدير خم، والبيعة تعني أن الإنسان حر، وهو وبحريته يعطي موثقاً ليعمل به، فكما كان لبني إسرائيل ميثاقاً، فللمسلمين ميثاق أيضاً، وهو الذي يجمعهم كما الخيمة على رأسهم، وعمودها الصلاة، كما في الحديث[8] .

بصائر الآيات

     [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ]

في هذه الآية مفردات مترابطة تهتم بعلاقة الناس مع بعضهم البعض، فعلاقتهم بالله سبحانه عبادةً وطاعة، ومن ثمّ بالوالدين، ولكنها علاقة إحسانٍ لا عبادة، إذ العبادة منحصرةٌ لله سبحانه، ومن ثم يكون الإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين، أي الطبقات المستضعفة والمحرومة.

     [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً]

من ليس له القدرة على إعطاء المال فيكن عطاؤه الكلمة الطيبة والخلق الحسن، مما للخلق الحسن الأثر الكبير في ترابط المجتمع وتكاملهم.

     [وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]

هذا الشطر من الآية يمثل القسم الآخر من علاقة المجتمع، وهي الارتباط العبادي بالله سبحانه وبالنظام السياسي الحاكم، [وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]، فالصلاة هنا محور الأمة وميثاقها.

وعند مراجعتنا للتاريخ نجد كيف كان المسلمون في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، يلتقون ببعضهم البعض في أوقات الصلاة، تحت راية القائد المعصوم، الذي كان يزوّدهم علماً ومعرفةً وتوجيهاً، بل ربما كان هذا الحضور يسهم في تفقّد النبي صلى الله عليه وآله لشؤونهم من خلاله، كما يستفاد ذلك من إشاراتٍ في بعض النصوص.

ولأجل ذلك، كان المجتمع الإسلامي متماسكاً رصيناً يتجاوز المشاكل والفتن.

ولم تكن العلاقة فيما بينهم، علاقة المقاهي والنوادي والأسواق أو ما أشبه، بل كانت علاقةً مع الله تعالى، وتشرف عليها هيمنة الرب سبحانه تحت ظل الصلاة، فالصلاة كما في الحديث عمود لهذه للأمة، والزكاة مكملة لها بالطبع.

علاقة المسلمين بأهل الكتاب

في سياق آخر من سورة البقرة ربنا سبحانه يحدثنا أيضاً عن الصلاة:

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[9] .

في هذه الآية بصيرتان:

الأولى: وهي عن علاقة اهل الكتاب بالمسلمين، حيث يقول الله سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾.

تُرى، لماذا الحسد دون سائر الأمراض النفسية؟

السبب في ذلك، أن الإنسان حين يصبح من أهل الدين وأهل العلم، فإنه يود أن يكون في القمة دون أن يتجاوزه أحد، فإذا رأى من غيره تسامياً عليه، يدب الحسد في قلبه تجاهه، فيبدأ بالطعن به والمحاولة لتسقيطه.

والعجب أنّ أهل الكتاب لا يتمنون إنضمام المسلمين إلى دينهم، بل يبغون أن يعود المسلم كافراً كما كان من قبل، فهم لا يريدون حتى منافسة العرب لهم في ديانتهم، فضلاً عن التفوق عليهم بدينٍ جديد، يدركون من اعماق وجودهم أنه الحق: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ﴾، فالمشكلة التي يعانون منها نفسية وليست مع الله تعالى.

الثانية: فيما يرتبط بتكليف المسلمين تجاه الآخر، فما هو تكليفهم؟

ربنا سبحانه يقول: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾، وهذا تكليفٌ عظيمٌ، حيث يساعد الإنسان على إطلاق قدراته، ذلك لأن قدرات الإنسان قد تقيد بسبب الآخرين، حيث ينظر فيما يقوله الآخرون بحقه! فيصبح أسيراً لأقوالهم، في حين يدعونا القرآن الكريم إلى الإنطلاق في المسير، وعدم التأثر بمحاولات الآخرين لثنينا عن حركتنا، وذلك بالعفو والصفح.

ولكن هذا لا يعني أن فعلهم معفوٌ عنه مطلقاً، بل يوكل المؤمن حساب الآخرَ إلى الله سبحانه فهو من يتكفل حسابهم وعقابهم، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

علاقة المسلمين فيما بينهم

أما علاقتنا مع بعضنا البعض فهي قائمة على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولعل زعزعة تحصل فينا بسبب الصراعات والكلمات المضادة التي أمرنا الله فيها بالعفو والصفح، فلكي نزداد إيماناً وصلابة ووحدة يأمرنا بالصلاة والزكاة، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.

 


[1] - سورة البقرة، 83.
[2] - بحار الأنوار، ج28، ص30.
[3] - سورة آل عمران، 195.
[4] - سورة البقرة، 143.
[5] - سورة الصف، 4.
[6] - سورة الأحزاب، 72.
[7] - سورة الأعراف، 172.
[8] - ميزان الحكمة، ج2، 1627، (الصلاة عمود الدين).
[9] - سورة البقرة، 109 – 110.
logo