46/03/07
فقه القرآن - آيات الصلاةالدرس الخامس
بسم الله الرحمن الرحيم
فقه القرآن: آيات الصلاة
الدرس الخامس: بحوث تمهيدية – حقيقة التوجه إلى القبلة وعلاقة السياق بالحكم
في البدء نقدّم بتمهيدين:
الأول
يعتبر التدبر في السياقات القرآنية هامّاً لفهم مداليل الآيات الكريمة، لأن القرآن الكريم وفي الوقت الذي يبين لنا حِكماً معيناً عبر كلمة، فإن الكلمة ذاتها وفي سياق الآية وسائر الآيات تحمل حِكَماً ومعاني مكمّلة للحكمة الأولى، وربما يتبيّن معناها والمقصود منها.
ومن هنا، فإن الجملة الواحدة لو ضمّت إلى سائر مقاطع الآية، والآية ضمّت إلى سياق الآيات المترابطة، سوف يستفيد المتدبر معاني عميقة وكثيرة، ولذلك نجد أن بيان الصلاة وأهميتها وأحكامها ورد في القرآن الكريم ضمن مناسبات شتى، ولعل ذلك يعود لسبب أن الصلاة تمثل عمود الدين، ولكل جانب منه بعدٌ مختلف، فالصلاة تتصل بالعلاقات الاجتماعية، والعلاقات الأسرية، وتؤثر في المنظومة الأخلاقية للإنسان، وهكذا في أبعاد أخرى، ولأن القرآن الكريم منهجٌ متكامل، فإنه يذكر الصلاة في سياق الحديث عن مواضيع مختلفة الدنيوية والأخروية، ومن هذا نفهم موقعية الصلاة ومكانتها من الدين.
الثاني
أهم ما في الصلاة اللقاء بالله سبحانه، وهذا هو الجانب المعنوي والغيبي، ولذا فإن الحديث الشريف عن أبي جعفر عليه السلام يقول: (إن العبد ليرفع له من صلاته نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها، فما يرفع له إلا ما أقبل عليه منها بقلبه)[1] ، وقد لا يحصل الإنسان من صلاته إلا على لحظتين أو ثلاث من لقاء الله، ذلك لأن الأفكار المتخلفة قد استحوذت عليه في صلاته.
وإذا ضممنا إلى النص السابق، قول الإمام عليه السلام: "الإيمان ثابت في القلب، واليقين خطرات"[2] ، نتوصل إلى أن اليقين قد لا يكون حاضراً لدى الإنسان في صلاته كلها، إنما يكون على هيئة نفحات من رب العزة تخطر على قلب المصلّي.
فأداء الصلاة أمر والحفاظ على روحها أمر آخر، والثاني هو الأساس فيها، ولذلك نجد التفسير لقوله تعالى: [قل كل يعمل على شاكلته] (أي على نيته)[3] ، أي أن الأمر متصل بالقلب وليس في ظاهر العمل، ومن هذه النقطة تحديداً ندرك ضرورة إدراك الغاية من الأحكام الشرعية، لنبحث عن روح العمل ولا نكتفي بمظهره.
حقيقة التوجه إلى القبلة
حين جاء الأمر بتغيير القبلة من البيت المقدس إلى المسجد الحرام، كان الأمر حدثاً كبيراً أدى إلى حصول خلافٍ بين الناس في الجزيرة العربية، ولا سيما لدى اليهود والنصارى الذين كانوا في المدينة ويخالهم الناس ممثلين للدين، فتعالت الأصوات المعترضة على تحويل القبلة، باعتبار أن البيت المقدس كان قبلة الأنبياء السابقين.
ويبين ربنا سبحانه، عبر الآيات الكريمة أن طاعة الله سبحانه، لا يرتبط بمكان القبلة، بقدر ما يرتبط بالنية الصادقة في التوجه إلى الله سبحانه، فإذا لم يكن التوجه إلى الله تعالى خالصاً، فلا قبول أينما كان التوجّه المادي، وكما قال سبحانه: [لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ]، فلا يتحقق البر بمجرد التوجه الظاهري الذي قد يكون إلى المشرق أو المغرب.
[وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ]
وفي هذا المقطع من الآية، تبيانٌ لسمات البرّ _اي العمل الصالح_ وأولى تلك السمات الإيمان بالله واليوم الآخر، وكذا الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين، دونما فصلٍ بينهم، إذ من يفعل ذلك فلم يؤمن بالله سبحانه: [وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ]، وهكذا فالإيمان لابد أن يكون بهذه الخمسة.
ثم ربنا يقول تبياناً للسمة الثانية للبر: [وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ]، لماذا عدّ الانفاق من البر، حتى أنه تقدّم على إقامة الصلاة؟
لأن الذين كانوا يعترضون على توجه النبي صلى الله عليه إلى الكعبة في الصلاة، إنما كانوا ينطلقون من حبهم لذواتهم وجماعتهم، ولذا جاء الحديث عن الإنفاق كطريقٍ للخروج من زنزانة الذات وضيقها.
ولقوله سبحانه [وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ]، تفسيران:
الأول: على حب المال، فيكون من باب الإيثار. والثاني: على حب الله سبحانه، أي من أجل الله.
أما سبب تعدد المصارف في الإنفاق قد يكون في إطار عدم وقوع المنفق في داء الذاتية مرةً أخرى، بإختياره مورداً دون غيره من الموارد تبعاً للهوى.
لماذا تأخر شرط إقامة الصلاة؟
ثم يقول تعالى في ثالث سمات البر: [وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ]،
فإقامة الصلاة جاءت بعد الحديث عن الإيمان والإنفاق، وذلك لأن البعض من الناس يتخذون من الصلاة تبريراً لعدم أداء أدوارهم ومسؤولياتهم الأخرى! فترى الواحد منهم يصلي ولكنه لا ينهى عن الفحشاء والمنكر، أو يصلي ولا يحض على طعام المسكين! وهكذا فيما يرتبط بسائر التكاليف الشرعية، ولأن الحديث هنا عن محتوى الصلاة، فإن ذكرها جاء متأخراً.
وبعد ذكر الصلاة يقول ربنا سبحانه: [وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ]، فإن هذه صفات الصادقين كما تشير إلى ذلك أواخر الآية الكريمة: [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ][4] .
فمن أبعاد الصدق الحقيقي للمؤمن أن يواجه النفاق الذي قد يدخل إلى قلبه وهو في الصلاة، فتراه يصلي ولكن قلبه في عالم آخر.
خطورة التعامل القشري مع الدين
من الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها المؤمن أنه يتعامل مع مظاهر الدين وقشوره ويترك الجوهر واللب، فيحدث خللاً ويخدع نفسه بهذه الطريقة، فمن يصلي يرى أنه حقّق معنى البر، بينما سائر ابعاد الدين الأخرى لا يوليها أي اهتمام، حتى وإن كانت مكارم الأخلاق! هذه وغيرها من أخطار التعامل القشري مع أحكام الشرع.
ولنا عبرة في علماء بني اسرائيل
في الآية الثالثة والأربعين من سورة البقرة يحدثنا الرب سبحانه عن الصلاة، ولكن قبل ذلك نجد السياق يتحدث عن بني إسرائيل، والحديث عن علماء بني إسرائيل تحديداً، وهذا الحديث ينفعنا كطلبة علم، إذ لا يقتصر الأمر عليهم، بل بكل قارئٍ للقرآن المجيد، وفي هذا السياق ربنا سبحانه يقول: [يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ][5] ، فأول واجباتهم الوفاء بالعهد بعد ذكر نعمة الله عليهم.
أما ثانياً [وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ]، الإيمان بالتوراة لا يكفي وهكذا بالإنجيل، إنما لابد أن يكون إيمانكم بما أنزل الله، والذي أنزله الله تعالى في قرآن محمد صلى الله عليه وآله هو مصدق لما أنزله في توراة موسى وإنجيل عيسى عليهما السلام.
ثم يقول [وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ]، لماذا؟!
ذلك لأن العلماء معرضون وبشكل كبير إلى الحسد، والحسد يظهر –عادة - بتتبع الأخطاء والعثرات، فكذلك بنو إسرائيل كانوا معرضين لذلك الحسد، بينما كانت الآيات النازلة مبينة لما كانوا يؤمنون به من الإنجيل والتوراة.
ثم يقول: [وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ]
وهذه أيضاً من الآفات التي قد تفتك بعالم الدين، فيكون معرضاً للانجرار خلف مصالح الدنيا، فيشتري بدين الله الثمن الدنيوي القليل، ولنا عبرة في علمائنا الكبار كيف كان الواحد منهم حريصاً على أن لا يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، وبالذات أنهم معرضون لذلك من حيث العروض التي تقدم لهم أو المحاولات الكبيرة لتمرير بعض القضايا قبال المال أو ما أشبه.
ثم في هذا السياق ربنا سبحانه يقول: [وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ][6] ، وهذه الآية فيها أمر بالركوع مع الراكعين ونهي في الشذوذ عنهم، أو محاولة ابتداع البدعة من أجل التميز عن الناس.
ثم بعد ذلك يقول: [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ]، لا يمكن للإنسان أن يتكلم مع الناس شيء ومع الله شيء آخر، فلابد من التوافق بين ما يأمر به الآخرين وبين ما يعمل به مع نفسه.
ثم بعد ذلك يأتي التوجيه بالاستعانة بالصبر والصلاة: [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ][7] ، وهذا ارتباط آخر بالصلاة، ذلك لأن العلماء هم أكثر الناس حاجة إلى التقوى وإلى الدين، لأن مهمتهم أكبر ومسؤوليتهم أخطر، وزلتهم أعظم، فلابد لهم من الاستعانة بالصبر والصلاة.
فالصلاة واجبة على جميع الناس، وعلى العلماء أوجب، وهكذا النوافل فهي مستحبة عند عوام الناس، أما على العلماء وطلبة العلوم الدينية آكد استحباباً، فلابد لهم من المداومة عليها والاستعانة بها، لأنهم أصحاب الرسالة وحملة الراية وبذلك هم يمثلون محور الدين.