46/03/05
الدرس الثالث: بحوث تمهيدية – معنى الصلاة وحقيقتها/ آيات الصلاة/فقه القرآن
الموضوع: فقه القرآن/ آيات الصلاة/الدرس الثالث: بحوث تمهيدية – معنى الصلاة وحقيقتها
خاض الفقهاء في معنى الصلاة لغوياً، فهل الصلاة من الصلو؟ أم من الصلي؟ أم من أصلٍ آخر؟
لمعرفة معاني الكلمات قد نحتاج إلى الرجوع إلى أصل اللغة وأن لا نكتفي بتطوراتها، وبالذات حينما نتحدث عن كلماتٍ وردت في القرآن الكريم والسنة، أو في نصوصٍ تاريخية قديمة، وذلك لاحتمال طرو تغيراتٍ حدثت في الكلمات على مرّ الزمن، مما أثرت هذه التغيرات على أبعاد المعنى وليس المعنى ذاته، ذلك لأن اللغة تنبض بالحيوية والتجدد في حياة من يستخدمها.
ومن هنا ينبغي أن يأخذ الحديث عن الإشتقاق الكبير للكلمة حيزه الكافي في هذا المجال، لمحاولة فهم أبعاد الحروف والكلمات[1] ، فكلمة (الصلاة) وفق الإشتقاق الكبير ترتبط بها كلماتٌ أخرى عديدة، وهي على سبيل المثال لا الحصر: (الصلة - الاتصال - الصلية – الصلوة) وما أشبه، ونلاحظ أن هذه الكلمات تشير إلى معنى التواصل والاتصال.
التفاتة لغوية
وهنا لابد من الإلفات إلى أن اللغة العربية ليست كسائر اللغات، حيث أنها تضع لكل معنى كلمة تدل عليه بالذات، وكلمات أخرى تدل على معانٍ مغايرة بلحاظات مغايرة، فالعرب سابقاً وضعوا مئات الأسماء للإبل وصفاً لحالاته المختلفة من الذكورة والأنوثة والصغر والكبر والعمر، وحالاتها البدنية المختلفة من جلوسٍ وقيامٍ وحركةٍ وأكل و..و..
وكذلك فيما يرتبط بكلمة الصلاة، فهناك لحاظات عديدة للإتصال، فقد يكون سلبياً وقد يكون إيجابياً، وقد يكون من أجل العطاء فقط أو الأخذ فحسب، وقد يكون قد لوحظ فيه الأمران.
ويبدو أن الصلاة هي من الصلة بين طرفٍ وآخر تواصلاً ايجابياً فيه شيء من الأخذ والعطاء، فصلاة الله سبحانه على العبد لا تخرج عن هذا المعنى أيضاً، وهي صلة العطاء من قبل الخالق للمخلوق، فالله حينما يصلي على عبده فإنما يتصل به– إن صح التعبير – إتصال عطاء ومنح، هذا ما نستفيده من آخر سورة الذاريات، حيث يقول سبحانه: و﴿ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾[2] ، وفي المقابل صلاة العبد لبارئه وعبادته له تعني الاتصال به، وهذا الاتصال قائم على الأخذ وليس العطاء.
أما الإتصال بين الإنسان والآخر، فهي تتسم بالعطاء والأخذ معاً، فصلة الرحم تعني التواصل معهم والعطاء إليهم.
ولكن كيف الأمر مع صلاة الملائكة؟ هل يأخذون أم يعطون؟
ربنا سبحانه يقول: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾[3] ، فصلاة الملائكة للعبد – حسب أحاديثنا - تزكية له، فمن عمل الملائكة الدعاء للعبد والاستغفار له، كما والشهادة له أيضاً، وهذا كله نوع من العطاء.
أما صلاتنا التي نصليها لله تعالى فإنها تعني فتح الطريق بيننا وبينه سبحانه، وحسب التعبير غير الدقيق _لقصور التعبيرات بشأن الباري سبحانه_ أن الاتصال به سبحانه تكون على أساس الدعاء منا والرحمة منه، فما قيل بأن الصلاة بمعنى الرحمة صحيحٌ، وكذا ما قيل بأنها تعني الدعاء، فمن الله العطاء ومنا الأخذ، وهذا هو المعنى الدقيق حسب رأينا والله العالم.
الحقيقة الشرعية للصلاة
هل لكلمة (الصلاة) حقيقة شرعية أم لا؟
لا شك أن الحقيقة الشرعية موجودة، ولتوضيح الفكرة نقول - على سبيل المثال - : فلان أجرى عملية، ومعلوم لدى المتلقي أن المقصود ضابط عسكري، فيتبادر إلى ذهنه العملية العسكرية، بينما لو كان الشخص المقصود من عامة الناس فإن الذهن ينصرف إلى العملية الجراحية، وهكذا في مواضيعها المختلفة، فيكون لكل واحد معنى خاص، فالكلمة واحدة واصطلاحاتها متعددة، وكذلك نجد العشرات من الكلمات الأخرى لها معان متعددة وواضحة عند مختلف استخداماتها.
أما الصلاة فهي بمعنى إعطاء الصلة، أي تبادل شيء من طرف لآخر – إن صح التعبير -، أما حينما تكون بمعنى العبادة فإن لها معنى مختلف، فتحريمها التكبير وتحليلها التسليم، وفيها الأركان والواجبات والمستحبات وما أشبه، فإنها تحولت إلى حقيقة شرعية.
وهنا يرد سؤال: ما حقيقة الصلاة على الميت إذن؟ والتي ليس فيها ركوع ولا سجود ولا طهارة.
فيجاب: بعدم الضير في تقسيم الصلاة، بأن تكون الصلاة على الميت نوع صلاةٍ ولها حقيقتها الشرعية الخاصة بها، فهذا لا يخرم القاعدة، وما الصلاة على الميت إلا دعاء له.
وإذا كانت الصلاة على الميت دعاء، فمعنى ذلك أن جوهر كلمة الصلاة دعاء، وهذا الجوهر نفسه المنطبق في صلاة الميت مطّردٌ في سائر الصلوات.
الصلاة في كلمات الفقهاء
لخّص المحقق النجفي، في بداية حديثه عن الصلاة مجموعة من الروايات المرتبطة بالصلاة، ونحن نرتئي قراءتها في بداية الحديث، وهي مختصرة وجامعة ومانعة، وهذا نص تعليقته على كتاب الشرائع: " الصلاة هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وبها تطفأ النيران، وهي قربان كل تقي، ومعراج كل مؤمن تقي، وهي التي تغسل الذنوب كما يغسل النهر الجاري درن الجسد، وتكرارها كل يوم خمساً كتكراره.
وأوصى الله بها المسيح ما دام حياً، وغيره من الرسل، بل هي أصل الإسلام، وخير العمل وخير الموضوع، والميزان، والمعيار لسائر أعمال الأنام، فمن وفى بها استوفى أجر الجميع، وقبلت منه كلها، فهي حينئذ للأعمال، بل هي للدين كالعمود للفسطاط، وهي أول ما يحاسب به العبد وينظر به من عمله، فإذا قبلت منه نظر في سائر عمله وقبل منه، وإذا ردت لم ينظر في باقي عمله ورد عليه، فلا غرو لو سمي تاركها من الكافرين، بل هو كذلك لو كان الداعي له الاستخفاف بالدين، وهي التي لم يعرف الصادق عليه السلام شيئاً مما يتقرب به ويحبه الله تعالى بعد المعرفة أفضل منها، بل قال عليه السلام: هذه الصلوات الخمس المفروضات، من أقامهن وحافظ على مواقيتهن، لقي الله يوم القيامة عنده عهد يدخل منه الجنة، ومن لم يصلهن بمواقيتهن ولم يحافظ عليهن فذلك لله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه. وصلاة فريضة خير من عشرين حجة، كل حجة خير من بيت مملوء ذهباً يتصدق به حتى يفنى، بل صلاة فريضة أفضل من ألف حجة كل حجة أفضل من الدنيا وما فيها. وإن طاعة الله خدمته في الأرض وليس شيء من خدمته يعدل الصلاة، فمن ثم نادت الملائكة زكريا وهو قائم يصلي في المحراب، وإذا قام المصلي في المحراب نزلت عليه الملائكة من أعنان السماء إلى أعماق الأرض، وحفت به الملائكة وناداه ملك لو يعلم هذا المصلي ما في الصلاة ما انفتل إلى غير ذلك مما ورد فيها مما لا يحصى عدده، كخبر الشامة وغيره"[4] .