46/03/04
فقه القرآن - آيات الصلاةالدرس الثاني: بحوث تمهيدية – الصلاة محور الأحكام الشرعية
موضوع: فقه القرآن: آيات الصلاة
الدرس الثاني: بحوث تمهيدية – الصلاة محور الأحكام الشرعية
الصلاة – كما في الأحاديث – معراج كل مؤمن، وقربان كل تقي، وعمود الدين، فإن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها، والآيات القرآنية تناولتها من زوايا وأبعاد مختلفة، حيث نجدها مبثوثة في الكثير من السور القرآنية، ذلك لأنها تتصل بالكثير من الموضوعات المرتبطة بالأحكام الشرعية.
ويأتي الحديث عن الصلاة أولاً عند بيان شروط التقوى وشروط الهداية، وأبرزها الإيمان بالغيب، وهذا في مطلع سورة البقرة، كما يأتي الحديث عن الصلاة عند الحديث عن محورية الأمة الإسلامية للمجتمع البشري، [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً][1] ، ويأمرنا ربنا سبحانه بالتوجه نحو القبلة بعد تغييرها من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، فيقول: [قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ][2] ، وعند شروط الميثاق مع بني إسرائيل يأتي الحديث عن الصلاة أيضاً، وكذلك في الحديث عن العلاقة بين المؤمنين فإنه يبين إقامة الصلاة أيضاً، وهكذا في مواضع أخرى عديدة.
إذاً من الممكن أن تبيّن حكمة هذه الفريضة الإلهية في آيات مختلفة وسور متعددة، لارتباطها بسائر الفرائض وسائر الأحكام الشرعية، فكلما كان الحديث عن موضوع من المواضيع وحكم من الأحكام يأتي الحديث عن الصلاة، لأنها مرتبطة بجل المواضيع.
ولعل هذه الحقيقة تصدق أيضاً على باقي الفرائض، كفريضة الحج مثلاً، حيث نرى الحديث مفصلاً عنه في سورة البقرة، وكذلك في سورة الحج، وفي السور الأخرى إشارات له، ولكن لماذا الحديث مفصلاً في سورة البقرة وسورة الحج؟ لأنه وحسب الظاهر أن سورة البقرة تبين ملامح الأمة الإسلامية، وفي الحديث عن هذه الملامح يأتي دور الحج محورياً في تكوين كيان الأمة. أما في سورة الحج فإنها تناولت موضوع الحج منفرداً.
فطريقتنا في جمع الأحكام الشرعية لعلها تختلف عن حكمتها، فالتحدث قد يكون عن الصلاة بمفردها، والطهارة، والصيام، بينما هذه الفرائض مرتبطة بسائر الأحكام، ومرتبطة بسائر الأبعاد الحياتية الأخرى، ولذلك فإننا في الوقت الذي ندرس فيه فريضة الصلاة منفردة عن سائر الفرائض، ينبغي أن ندرسها أيضاً بملاحظة سائر الفرائض وضمن سائر الأحكام الشرعية الأخرى.
هدف إقامة الصلاة
ربنا سبحانه وتعالى يحدثنا عن إقامة الصلاة، فيقول في آية كريمة: [وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي][3] ، فهدف الصلاة ذكر الله تعالى، فهي رمز العلاقة معه سبحانه، وحياة الإنسان بوجه عام متصلة بأوامر الله تعالى وتحت هيمنته التامة على هذا الخلق، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقيامنا وقعودنا وفكرنا وسلوكنا وحركتنا وكل شيء هو آية من آيات الله، ومتصل بأمره سبحانه، والصلاة تمثل مركز العلاقة بين العبد وربه، وما عداها متصل بها.
الصلاة محور التقوى
في مطلع سورة البقرة ربنا سبحانه يحدثنا عن الهداية ويتناول الصلاة في سياقها فيقول: [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ][4] ، فالإيمان بالغيب محور الهداية، [هُدًى لِلْمُتَّقِينَ]، فمن هم المتقون؟ وكيف يكون الكتاب هدى لهم؟
انما عبر الإيمان بالغيب، ويتجلى هذا الإيمان بإقامة الصلاة، فمحورية الهدى التقوى، ومحورية التقوى الصلاة [وَيُقِيمُونَ الصَّلاة].
وأما الغيب فله معان متعددة، ومن معانيه هنا الايمان بالآخرة ، فبعد الإيمان بالله يأتي الإيمان بالآخرة، وهو ركيزة الهداية، فمن لا يؤمن بالآخرة ليس له توازن في هذه الحياة، لأن الدنيا والآخرة مترابطتان ولا يمكن فصلهما عن بعض، وتجلي مظهر الإيمان بالآخرة يكون عبر الصلاة.
إقامة الصلاة ماذا تعني؟
قليلاً ما نجد آية تتحدث عن الصلاة ولا تقرن معها كلمة (الإقامة)، إنما غالباً تأتي مترابطة معها، كقوله سبحانه: [وَيُقِيمُونَ الصَّلاة]، وقوله: [أقِمْنَ الَصَّلَاةِ]، وقوله: [أقِيمُوا الَصَّلَاةَ]، فماذا تعني الإقامة؟
عند دراسة اللغة العربية نجد فيها كلمات مساعدة، وهي التي تتكرر مع سائر الجمل، ككلمة كان ويكون وما أشبه، فعند إضافتها للجملة تصبح في زمن الماضي أو الحاضر أو الأمر فتشير إلى معنى آخر، وكلمة الإقامة من الكلمات المساعدة أيضاً، فالإقامة من القيام، وهو ليس له معنى خاص به، إنما يعطي معنى لما قبله أو بعده، أو يساعد في فهم ما أضيف له، فإقامة الصلاة أي الصلاة التامة التي لا نقص فيها.
ولكن لماذا الحديث عن الصلاة التامة؟ هل لأن طبيعة الناس لا يفعلون ذلك، فتكون صلاتهم ناقصة أو كنقر الغراب، أو أنهم يؤدونها صورة من دون جوهر و حقيقة؟
أم أنَّ معنى إقامة الصلاة أن العلاقة ما بين الإنسان وبين الله بشكل عام دائمة، وما الصلاة إلا علاقة استثنائية مخصوصة، ولذا فهي بحاجة إلى إقامة، وكيف لا تحتاج إلى إقامة وفيها ألف واجب وثلاثة الاف مستحب، وبهذا تكون جامعة لكل الأحكام الشرعية، من خلوص النية وسلامة العقيدة وطهارة البدن والمكان وغيرها العشرات بل المئات من الأحكام الأخرى.
فإقامة الصلاة يعني التزام الإنسان بجميع الأحكام الشرعية الإلهية، وإلا فإنه يكون مشمولاً بخطاب الآية الكريمة: [فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ]![5] لأنه يصلي بينما هو يستحق الويل والعذاب! لأنه يسهو عن صلاته، ولأنه لا يحض على طعام المسكين، وهكذا لأنه يأكل الحرام وما أشبه من مخالفة الأحكام، فالذي يصلي ويأكل الحرام فإن هذا لا يصلي في واقع الأمر، فإقامة الصلاة يعني ختام الخير، فمع قيام المؤمن بكل أعماله وتكاليفه الشرعية ويصلي فيكون قد أكمل صلاته وأقامها، وكأن الصلاة إشارة لختام العمل الصالح.
مواقيت الصلاة
الصلاة كتاب موقوت، كما ورد في الآية الكريمة: [أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً][6] ، فدلوك الشمس – ظاهراً - مرتبط بالصلاة الوسطى، أي التي وسط النهار، فلماذا أول الصلاة وسط النهار وليس أوله؟ ذلك لأن هذا الوقت يمثل أعلى حالات نشاط الإنسان وحركته، وما قبله والذي بعده قد يكون بداية الجهد أو نهايته، ففي زحمة الحياة والرغبات والضغوطات والمشاكل يجب على الإنسان المؤمن أن يعتزلها كلها ويذهب ليقف بين يدي ربه سبحانه ليقيم الصلاة، وهذه حكمة بالغة، ولذا نجد الكثير من الروايات تولي لها أهمية خاصة، كما وتحذر من بعض العقوبات الإلهية للمتهاون بها.
ومن ظاهر الآية نفهم أن وقت صلاة الظهرين يبدأ من دلوك الشمس ويستمر إلى غسق الليل، بمعنى أن هذه الفترة الرئيسية في حياة الإنسان، وينبغي فيها للمؤمن أن يكون مع الله تعالى، فإقامة الصلاة يكون أول الوقت، ولكن آثارها تمتد إلى الوقت الذي بعدها، فالصلاة حاضرة معه بشكل معنوي وإن لم يكن فيها عملياً، وذلك عبر علاقة العبودية المستمرة بينه وبين ربه سبحانه، وهكذا الأمر أيضاً في المواقيت الأخرى للصلاة.
البحث عن الحكمة
بحثنا عن الصلاة في الآيات القرآنية الكريمة ليس منفصلاً عن الأحاديث الشريفة وكلمات الفقهاء، وإنما الذي نقوم به عبر هذه الطريقة – أي التركيز على الآيات القرآنية - هو محاولة للاستفادة من الحكمة الأساسية، وربما من الناحية العملية لا نختلف في أحكام الصلاة، وقد نستفيد من الآيات للوصول إلى بعض الأحكام أيضاً، كالصلاة لفاقد الطهورين، وهكذا المسجون، أو مقيد اليدين، فهل قلبه لا يستطيع الاتصال مع ربه؟! وهكذا صلاة الغريق والحريق والمحارب المجاهد، وما أشبه، والله سبحانه يأمرنا أن نذكره قياماً وقعوداً وعلى جنوبنا وفي كل الحالات، هذا كما مر بيانه أن الصلاة ذكر، فهل تستثنى الصلاة في هذه الحالات؟ الجواب: لا.
من هنا قد نستوحي ونستضيء بآيات قرآنية حتى في تحديد بعض الأحكام، إلا أن الأهم ليس هذا إنما أن نعرف الحكمة من الصلاة، كما نعرف الحكمة من كل واجب من واجباتنا الشرعية فتكون ممارستنا لذلك الواجب مختلفة عما إذا كنا لا نعرف الحكمة منه، فعدم معرفتنا للحكمة قد يؤدي بنا أن نصلي ولكنها - لا قدر الله - في دائرة الويل، لأنها لم تؤدي الغاية المطلوبة منها. ةالجملةقمون الصلاةعياتليه و