46/03/03
فقه القرآن - آيات الصلاةاالدرس الأول: بحوث تمهيدية – حقيقة العلم ومحورية العقل في الفقه
موضوع: فقه القرآن: آيات الصلاة
الدرس الأول: بحوث تمهيدية – حقيقة العلم ومحورية العقل في الفقه
[أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ][1] .
هناك من تحدث عن بداية هذا العالم، لكنهم ما استندوا إلى أرقام علمية دقيقة، إنما اعتمدوا على التنبؤات والاستنتاجات وما أشبه، وتوصلوا إلى نتيجة أن هذا العالم كان بحجم الكرة الصغيرة، ثم توسع ليكون بهذا الحجم، وهذا يصعب فهمه كما وتصديقه أيضاً، ولكنه يعطينا لمحة حول معرفة العالم.
ومثل ذلك نجد خلق الإنسان، إذ يقول الله تعالى: [هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً][2] ، ففي بداية اللقاح لا يتجاوز حجم الإنسان النسبة الضئيلة من الملي متر الواحد، ثم ينمو ليصبح إنساناً كاملاً كما نراه أمام أعيننا حيث يبلغ متوسط وزنه الثمانين كيلو غرام، فهو كان رتقاً أي مجتمعاً ففتقه الله سبحانه.
وكذلك ليلة القدر، فهي خير من ألف شهر، لماذا؟ لأن محتواها كألف شهر، فالليلة تمثل التركيز وامتدادها بألف شهر، ويتنزل الملائكة فيها بكل شيء.
حقيقة العلم
ولعل الأمر فيما يرتبط بالعلم كذلك أيضاً، كما تعبر الرواية الشريفة: (اَلْعِلْمُ نُقْطَةٌ كَثَّرَهَا اَلْجَاهِلُونَ)[3] .
فنحن نريد الوصول إلى الطريقة التي تؤدي بنا إلى تلك النقطة، وحديثنا في هذه البحوث ليس من أجل أن نعرف، إنما من أجل أن نستوعب هذه الحقيقة ونعمل بها، فكيف للذرة الواحدة أن تتحول إلى عالم كبير؟ والليلة الواحدة أن تكون خيراً من ألف شهر؟ وهكذا كيف يمكن معرفة الحقائق كلها عبر كلمات بسيطة؟ فهل الأمر ممكناً؟ فيكون الذي درس خمسين عاماً متساوياً مع الذي أدرك حقيقة العلم بساعة واحدة، لأنه تعرف على نقطة العلم!
نعم، ليس هناك أدنى شك بضرورة الدراسة، ولكن الحديث عن الوصول إلى حقيقة العلم وإلى ذلك النور الذي يقذفه الله في قلب من يشاء، وهو بالطبع أشد ضرورة.
مثل العلم كألف خيط، والخيط الذي لا أصل له ولا ارتباط يكون نفعه قليل، كذلك علم العلماء، فلو بسطته قد يصل إلى ستين مجلداً، ولو قبضته وجمعته يكون صفحة واحدة، إنما هو مرتبط لبعضه البعض ويشترك بمحور واحد.
وهناك العديد من الروايات تشير إلى هذه الحقيقة، كالتي ترجع العلم إلى ثلاث كلمات، وما أشبه، والرواية المعروفة والمشهورة عن أمير المؤمنين عليه السلام تبين هذه الحقيقة بشكل واضح: (لَقَدْ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ ألْفَ بَابٍ يَفَتَحُ كُلُّ بِابٍ ألْفَ بَاب)[4] .
فلو قمنا بجمع هذه الروايات ودراستها، لا لغرض معرفتها وإنما لتمثلها في أنفسنا، ولكي نعرف عبرها كيف نصل إلى هذه الحقيقة الكبرى، لكان ذلك ممكناً.
العقل ودوره المحوري في الفقه
كيف يتم إثارة العقل؟
العقل موجود عند أغلب الناس، ولكن العاقل منهم قليل، فتصور العقل على وجود العاقل تصور خاطئ، إنما العاقل هو الذي يعقل، فهناك فرق بين من له عقل وبين من يعقل بعقله، أي يستفد منه، وعشرات الآيات القرآنية تشير إلى هذه الحقيقة وبتعابير مختلفة، منها: [أَفَلا يَعْقِلُونَ]، [لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]، وما أشبه، وهي بصيغة الفعل وليست بصيغة الاسم، وإذا جاءت بصيغة الاسم فإنها تشير إلى ذات المعنى أيضاً كقوله: [أُوْلُوا الأَلْبَابِ]، أي الذين وصلوا إلى اللب من العقل.
فما هي الوسائل التي تؤدي إلى تفعيل العقل؟
لابد أن نعلم أن هذه العملية ليست سهلة، فمع أن العقل موجود والإرادة موجودة وكذلك الحاجة لذلك، ولكن أكثر الناس لا يعقلون! لماذا؟ هل بسبب كيد إبليس؟ أم هوى النفس؟ أم أسباب أخرى؟ لا نعلم، ولكن هناك تحدي كبير أمام الإنسان وهو أن يعقل.
هناك بعض الإشارات نستفيدها من بعض الأحاديث في عملية التعقل، منها ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في بيان دور الأنبياء حيث قال: (فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول)[5] ، فإثارة العقل تتحقق عبر الرسالة التي يأتي بها الرسول، فالقرآن ذكر، والنبي مذكّر، وأهل البيت عليهم السلام أهل الذكر، والتذكر هو إثارة للعقل، فالحقائق موجودة عند الإنسان ولكنه بحاجة إلى من يثيرها فينتبه لها.
وكلمة الذكر تكررت بصياغات مختلفة ولمئات المرات في القرآن الكريم، (ذكر – مذكر – تذكرة – ذكرى – إلخ..)، وكلها تدل على حقيقة واحدة، وهي أن فطرة الإنسان تحتوي على الحقائق، كذلك العقل والانتفاع منها بحاجة إلى تذكرة.
والفلاسفة المتأخرين يعبرون عن هذا المفهوم بمصطلح (فض العقل)، ولعل بعض الروايات تناولت هذا التعبير أو شبيهه، فالعقل موجود كما الكتاب المغلق فيفتح.
دور الوحي في فض العقل
الوحي هو أحد أبرز الأسباب لفض العقل أو استثارته، والعقل صنو الوحي، وهو الوحي الموجود في الكتاب، والوحي هو الكتاب الموجود في المخ أو في الفطرة، وهما نوران من مشكاة واحدة، وهي مشكاة الوحي، حيث أوحى الله تعالى لكل واحد من بني آدم بالعقل الذي أودعه في فطرته، وأوحى إلى النبي صلى الله عليه وآله بالعقل الذي بينه عبر الكتاب المنزل.
ومن هنا كلما قرأ الإنسان كتاب الله وتمعن في آياته وتدبرها، كلما استيقظ عقله وتفعل.
والروايات الواردة عن النبي وأهل بيته عليه وعليهم السلام ما هي إلا قرآن، فهي تفسير للقرآن وبيان لآياته.
أما دور العلماء فإن الله تعالى أعطاهم نعمة العقل الذي تفعل عبر الوحي والروايات، فطبقوا ذلك على الحقائق الخارجية وفصلوها تفصيلاً.
امتداد الوحي والتعقل
فالعقل بمفرده لا يكفي، لأن الناس جميعهم يملكون العقل ولكن ما كفاهم، وهكذا العقل مع الوحي أيضاً لا يكفي، إنما هو بحاجة إلى من يبين الوحي، وهذا تمثل بالنبي وأهل بيته عليهم صلوات الله وسلامه، والاكتفاء بذلك ليس صحيحاً أيضاً، فلابد من الامتداد إلى السلف الصالح من العلماء، وهم أمثلة حية لتطبيق الوحي والروايات على الواقع الخارجي، هذا خلاصة المنهج الذي نرتئيه.
فالكلام الذي نراه من الفقيه نبحث فيه عن الآية، وإذا وجدنا الآية نبحث عن الرواية، وإذا وجدنا ذلك فنبحث عن الفطرة التي تدل عليها.
وها هنا توجد مشكلة، حيث يتوقف الناس عند الآية والرواية، ولا ينطلقون إلى الحلقة الثالثة، ويغفلون عن حقيقة هامة، فالله تعالى ما أنزل حكماً يخالف العقل، فليس هناك حكم يخالف الفطرة، ولكن الأمر بحاجة إلى بحث وتأمل.
فنحن بحاجة إلى تفكير عميق عند كل آية، [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا][6] ، وأن نتعقلها: [لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]، لنثير العقل الباطني بالوحي، مستفيدين في ذلك من الأحاديث وكلمات الفقهاء، ومن يستغني عن واحدة من هذه المفردات يكون مشتبهاً، وهذه المفردات ليست في عرض بعضها البعض إنما في طولها، فكلمات الفقهاء تدلنا على الروايات، والروايات تدلنا على القرآن، والقرآن يدلنا على العقل.
نعم هناك فجوات في بعض الأحيان، وليس من اللازم أن نترك هذه الفجوات إلى الزمن، إنما نحاول أن نغلقها، وهذا بحاجة إلى جهد، ولعل البعض لا يملك همة وعزم كافيين ليدفعانه إلى التفكير، فلا يصرف من جهده ووقته، فتجده من الوهلة الأولى يحكم بالتناقض..!
وفي قصة معروفة بين الإمام الحسن العسكري عليه السلام وذلك الفيلسوف الكندي حيث كان يرى التناقض في الآيات، فأثار الإمام عقله عبر كلمات قصيرة من خلال تلميذ له، فتراجع عن موقفه[7] . فالتناقض قد يكون موجوداً ولكنه في فهم الشخص وليس في الحقيقة، فهو بحاجة إلى إعادة تفكير وتعقل.
وسيدور الحديث في بحوثنا القادمة حول آيات الصلاة، وربما لا نستوعب الكتاب كله، وإنما تكون هذه البحوث محاولة لاستثارة عقولنا ولفهم بعض النقاط الحساسة المرتبطة بالأحكام الشرعية، فيكون تركيزنا على تفعيل العقل بالآيات القرآنية أولاً وبالدرجة الأساس، ثم بالروايات وهكذا كلمات الأساطين ممن سبقنا من الفقهاء.