« قائمة الدروس
الأستاذ السید محمدتقی المدرسي
بحث الفقه

45/11/03

بسم الله الرحمن الرحيم

/آيات الحج/فقه القرآن

الموضوع: فقه القرآن/آيات الحج/

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

هناك بصائر شتى نستلهمها من هذه الآيات المباركة، منها ما يلي:

أولاً: حين يوفق الله الإنسان لإعادة النظر في نفسه ومسبقاته وعاداته، كما هو الحال فيمن يقف بعرفات ويحضر المزدلفة، يبدأ هذا الشخص بالنظر إلى المستقبل بنظرةٍ مختلفة، ويتسائل عن كيفية اعادة بناء حياته، بعيداً عن اخطاء الماضي وانحرافاته.

وهذا التساؤل الذي يطرحه الإنسان على نفسه، يجيب عنه في يومين بمنى، وكما هو معلوم أن اليومين بمنى ليسا للعبادات المعروفة، وإنما للأكل والشرب والبعاث ( اي اللبث مع النساء) بحسب تعبير النبي صلى الله عليه وآله، لأنه تحرر عن الإحرام.

والحجاج في أيام التشريق يعيشون في حالة جذل وفرح، كمن يؤدي عملاً كبيراً فيفرح بذلك العمل، وهذه المرحلة مرحلةٌ مناسبة للتخطيط للمستقبل، ولكن التخطيط للمستقبل في جملة من المسائل الهامة، أبرزها:

الأولى: يؤكد القرآن الكريم على الوحدة التي صيغت في الحج في عرفات والمشعر ومنى، وعدم تهديم هذا البناء المبني بالعصبيات القبلية، ولذلك لابد أن يكون ذكر الله أشد من ذكر الآباء، ولكن هل يعني ذلك حرمة ذكر الآباء؟

كلا، لا يعني ذلك، لأن دين الإسلام هو دين الفطرة التي لا تنفي شيئاً، فلا إشكال في ذكر الآباء واعمالهم الخيّرة، والله سبحانه يقول عن المؤمنين حين يذكرون السابقين: ﴿وَ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَ لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[1] .

لكن لابد أن لا يكون ذكر الآباء أعلى من ذكر الله سبحانه، وذكر الله يعني ذكره بالتسبيح والتهليل والحمد وذكر نعمه ومننه وأفضاله، كما أنه يشمل ذكر حدوده والبصائر المستفادة من كتابه، والمناهج والشرائع الإلهية، قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [2]

الثانية: يبيّن ربنا سبحانه أهمية الإعتدال، فلا يصح التشبث بالدنيا وزينتها ولا نسيانها، بل لابد من الإهتمام بهما معاً، والمسألة من الله فيهما، حيث قال سبحانه: ﴿ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، وما نستفيده هنا: أن تكون هناك موازنة عادلة بين الدنيا والآخرة، وبحسب الظن، فإن هذه الآية هي الآية الأظهر في القرآن الكريم لبيان أهمية التوازن بين الدنيا والآخرة.

وليس كل ما في الدنيا مطلوبٌ ومرغوبٌ فيه، بل الحسنات فيه فقط هي المطلوبة، وممكن أن تكون الحسنة الأخلاق الحسنة أو العيشة الحسنة أو الزوجة الحسنة _ كما تشير الروايات إلى بعض هذه المعاني_، وبالتالي فإن الحياة الحسنة هي الحياة التي تكون كلها خيرٌ ورحمة، ومن ذلك أن تكون الحياة مؤطّرة بإطار توحيد الله ودينه.

وأما الحسنة في الآخرة فهي الأخرى مطلقة، ويبدو أنها رضوان الله سبحانه وجنته وما فيها من نعيمٍ مقيم.

ومضافاً إلى ذلك، فإن المؤمن يسأل ربّه أن يقيه من النار، لماذا؟ لأن بعض الناس يدخل الجنة ولكن بعد أن يطهّر في النار لفتراتٍ قصيرةٍ أو طويلة، ومن هنا يطلب المؤمن الجنة من الله سبحانه بلا مرورٍ على النار أو لبثٍ فيها.

ومن هنا فإن الحاج الذي يوفقه ربنا للحج، ويقضي عرفة ومزدلفة، ويطهره الله بغفران ذنوبه، فإنّ عليه أن يخطط تخطيطاً جيداً للمستقبل، ومن ذلك التخطيط، أن يتطلع لحياةٍ حسنةٍ في الدنيا وحسنةٍ في الآخرة، وأيضاً أن لا تكون في اعماله خطيئةً تستوجب عليه النار.

ثانياً: يقول ربنا سبحانه: ﴿أُولٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فالعبد بحجه وعبادته ودعائه، لا يستحق الجنة كلها، وإنما يستأهل نصيبه بما كسب، فالإنسان الذي تطهّر من الذنوب عليه أن يكتسب الحسنات ليدخل بها الجنة بفضل الله سبحانه، فالسعي إلى العمل الصالح ثمن الجنة بعد الإيمان والطهر من الشرك وشوائبه، يقول الله سبحانه: ﴿وَ مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَ سَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾[3] .

ثالثاً: يقول الله سبحانه: ﴿وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وأقل الجمع ثلاثة أيام، فمتى ننهي شريعة الحج؟

بعد النفر من منى، والنفر هو آخر أعمال الحج، وكان من عادة الحجاج، أنّهم بعد الرمي والهدي والحلق، يذهبون إلى الحج لاداء اعمال الحج من طواف الحج وصلاته، والسعي ، ومن ثم طواف النساء وركعتيه، وبعد ذلك يعودون إلى منى لللمبيت ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر مع الرمي في الصباح، ثم ينفرون إما النفر الأول يوم الثاني عشر بعد الزوال، أو النفر الثاني في اليوم الثالث عشر حتى قبل الزوال.

وفي هذا المقام يقول ربنا سبحانه: ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

فما المقصود من التعجّل في يومين أو التأخر؟

قيل: أن التعجّل هو النفر في اليوم الثاني عشر بعد الزوال وانهاء اعمال الحج بذلك، والتأخر هو تأخير النفر إلى اليوم الثالث عشر، وبالتالي فإن الآية في موضع بيان التخيير بين النفرتين، ولكن التعبير بـ( لا اثم عليه) غريبٌ لبيان هذا الحكم، لأن التعبير بـ(لا جناح عليه) أوفق لبيان التخيير، إذ لا يحتمل أن يكون في التأخر إثمٌ.

والغريب أن بعضهم يصرّ على هذا المعنى وهو معنىً بعيد عن السياق أساساً، وبعيد عما ورد عن أهل البيت عليهم السلام، إذ قد ورد في النصوص، أن المقصود هو سقوط جميع آثام من تعجل في يومين أو تأخّر، فيكون مطهّراً من الذنوب كيوم ولدته أمّه، بسبب الحج لا بسبب النفر، وهذه الآية من الآيات الدالة على أن الله سبحانه يغفر لكل من وقف بعرفات من الحجاج، فعن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاٰ إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلاٰ إِثْمَ عَلَيْهِ‌﴾ قَالَ‌: يَرْجِعُ مَغْفُوراً لَهُ لاَ ذَنْبَ لَهُ‌[4] .

و عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إِنَّ اَلْعَبْدَ اَلْمُؤْمِنَ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَاجّاً لاَ يَخْطُو خُطْوَةً وَ لاَ يَخْطُو بِهِ رَاحِلَتُهُ إِلاَّ كَتَبَ اَللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً‌، وَ مَحَا عَنْهُ سَيِّئَةً‌، وَ رَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً‌، فَإِذَا وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ‌ فَلَوْ كَانَتْ لَهُ ذُنُوبٌ عَدَدَ اَلثَّرَى رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ‌، فَقَالَ لَهُ‌: اِسْتَأْنِفِ اَلْعَمَلَ يَقُولُ اَللَّهُ‌: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاٰ إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلاٰ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اِتَّقىٰ﴾‌ "[5] .

فهذا المعنى هو المنسجم مع سياق الآية، فما ذكر من معنى التخيير غريبٌ عن السياق وكلماته كما ذكرنا، فالآية تدل على غفران ذنوب الحجاج، ولهذا الأمر بعدٌ غيبي بأن صحيفة أعمال الإنسان مسودةٌ بالكثير من الآثام، ولا يطهّرها سوى الله عزوجل، وبعدٌ يرتبط بالحياة، وبصيرة للحاج، بأنك بعد أن تطهّرت في الحج، لا تعُد إلى عاداتك وثقافتك الخاطئة وعصبياتك التي تكسبك الآثام، والمحافظة على العمل أشد من العمل نفسه كما لا يخفى، ولذلك فإن من المهم جداً أن يسأل الحاج ربّه أن يعصمه من الذنوب مستقبلاً، ليعود من الحج طاهراً نقيّاً من الذنوب، وعازماً على تصحيح مسار حياته.

وفي الختام توصية هامّة: على المرشدين في الحج أن ينبهّوا الحجاج بهذه الحقائق، قبل واثناء وبعد الحج، فيذكّروهم بهذه البصائر القرآنية التي تبيّن حقائق الحج، ليكون حج الحاج حجّاً إبراهيمياً.


[2] رَوَى عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ‌ : أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا فَرَغُوا مِنْ اَلْحَجِّ يَجْتَمِعُونَ هُنَاكَ وَ يَعُدُّونَ مَفَاخِرَ آبَائِهِمْ وَ مَآثِرَهُمْ وَ يَذْكُرُونَ أَيَّامَهُمْ اَلْقَدِيمَةَ‌، وَ أَيَادِيَهُمْ اَلْجَسِيمَةَ فَأَمَرَهُمْ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَذْكُرُوهُ مَكَانَ ذِكْرِهِمْ آبَاءَهُمْ فِي هَذَا اَلْمَوْضِعِ «أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» أَوْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَذْكُرُوا نِعَمَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ يَعُدُّوا آلاَءَهُ وَ يَشْكُرُوا نَعْمَاءَهُ لِأَنَّ آبَاءَهُمْ وَ إِنْ كَانَتْ لَهُمْ عَلَيْهِمْ أَيَادٍ وَ نِعَمٌ‌، فَنِعَمُ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ أَعْظَمُ‌، وَ أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ أَفْخَمُ وَ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ اَلْمُنْعِمُ بِتِلْكَ اَلْمَآثِرِ وَ اَلْمَفَاخِرِ عَلَى آبَائِهِمْ وَ عَلَيْهِمْ‌. ( تفسير نور الثقلين: ج1، ص198).
[4] تفسير العياشي: ج1، ص99.
[5] المصدر نفسه.
logo