45/10/29
/ آيات الحج/فقه القرآن
الموضوع: فقه القرآن / آيات الحج/
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[1] .
قبل البدء نشير إلى بعض البصائر القرآنية من الآيات الكريمة..
البصيرة الأولى: لماذا تتعدد المواضيع في السياق الواحد؟
القرآن الكريم حسبما نتصور يؤسس القواعد الأساسية لمعرفة الحقائق، ابتداءً من معرفة الله إلى معرفة النفس ومعرفة الآخرة، ومعرفة الحياة الدنيا وكذلك الأخرى، وذلك من خلال الحديث عن الأحكام الشرعية والآداب والقصص، فنجد السياق الواحد قد يتناول أكثر من موضوع، فيبدأ بالحديث عن الله تعالى، ثم عن الحكم الشرعي، ثم عن أشياء أخرى مشابهة، وهذا لتكاملية المواضيع وترابطها مع بعضها البعض عند التدبر والتأمل نجد ذلك الرابط.
أما هذه المنظومة من الآيات الكريمة فهي تدور حول موضوع الحج، إلا أننا نجد الحديث فيها متشعباً، والآية التي قبلها تتحدث عن الحج أيضاً إذ يقول تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ..﴾، ثم في مطلع هذه المنظومة الحديث عن ابتغاء فضل الله من التجارة والمنافع المادية، وفي آية أخرى من سورة الحج ربنا يقول: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾[2] ، ثم يستمر الحديث عن شعيرة من شعائر الحج وهي عرفات والإفاضة منها وذكر الله عند المشعر الحرام، ثم بعدها يأتي الحديث عن الدنيا والآخرة.
والسؤال: لماذا الحديث عن المنافع المادية وسياق الآيات عن الحج والآخرة وذكر الله؟
الجواب: الإنسان كلٌ لا يتجزأ، فإذا ذهب إلى الحج تلبية لأمر الله فإنه بالطبع يريد أن يأكل الطعام ويشرب الشراب، كما ويرغب بالحصول على بعض المنافع، ولذلك فإننا نجد الأحاديث تصرح بما يحاكي هذا الجانب عند الإنسان، إذ يقول الحديث الشريف: (من حج إلى البيت الحرام ثلاث مرات لا يفتقر)، ويقال في فلسفة ذلك أن الذي يذهب إلى الحج ثلاث مرات بالطبع سيحصل على كم هائل من التجارب والتطلعات، مما تتغير نفسيته وتصبح شخصيته شخصية قوية، فلماذا الافتقار بعد ذلك؟ إنما الفقر لنقص في شخصية الإنسان وضعف في همته.
وهكذا في صلاة الجمعة ربنا سبحانه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ثم يقول: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[3] ، وحسبما ورد في الأحاديث: يوم الجمعة صلاة ويوم السبت عمل وتجارة.
فالحديث متشعب لأن في شخصية الإنسان أكثر من بعد، ولا يمكن أن تنفصل عنه وهي بمجموعها تمثل شخصيته وحياته، والقرآن الحكيم كتاب للحياة ويحاكي حاجات الإنسان من جل جانب.
كما أن منهج القرآن يتحدث عن الأصول والفروع، عن المعارف والأحكام، عن السنن والآداب، فيكون الحديث متداخلاً ومتفاعلاً.
البصيرة الثانية: الحج وتطهير النفس من الذنوب
فلسفة الحج أساساً كما يقول بعض الفقهاء، أن الناس يذهبون إلى مكة المكرمة ليغفر الله لهم ذنوبهم فيعودون إلى فطرتهم وإلى النقاء الذي وهبه الله إليهم أول مجيئهم للدنيا، وكما ورد في الحديث: إذا غربت الشمس في عرفة ينادي المنادي يا فلان استأنف العمل فقد غفر لك، فيعود كما ولدته أمه طاهر مطهر ليبدأ حياته من جديد.
وبعد الانتهاء من أعمال عرفات يفيض الناس بمسير أشبه ما يكون بتظاهرة إلهية كبيرة - إن صح التعبير- فيذهبون إلى بيت الله الحرام بعد مرورهم بمنى فيطوفون حول الكعبة، وهو العمل المحوري في الحج وما كان قبله من أعمال إنما هي مقدمات له.
البصيرة الثالثة: الحكمة من ذكر الله تعالى في الحج
تؤكد الآيات القرآنية على ذكر الله تعالى في الحج أكثر من مرة، ذلك لأن الذكر قضية أساسية في الحج، وهو على درجات، ولابد من الاهتمام بالدرجة الأعلى منه والتي هي أشد من ذكر الآباء، إذ يقول تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾.
ولعل السبب في التأكيد على ذكر الله، أن الجموع التي تتقاطر إلى مكة المكرمة من أنحاء مختلفة من الأرض، من أقصى آسيا إلى أقصى أفريقيا، ومن وسط آسيا إلى وسط أوربا، فهؤلاء كل واحد منهم ضمن حدود بيئته، من حزب أو عشيرة أو أفكار أو ما أشبه، فإن من حكم الله تعالى في الحج أن يأتي المسلمون من كل مكان إلى الحج لأجل أن يذوبوا وينصهروا في بوتقة واحدة، وهي بوتقة التوحيد، فهنا ذكر الآباء وذكر الأحزاب وذكر التنظيمات وغيرها كلها ليس ذات قيمة ومعنى، إنما ذكر الله تعالى هو المحور وهو الذي يجب أن يعلو على كل تلك الأذكار التي قد يكون الإنسان متعلقاً بها لارتباطه الوثيق معها.
ولكن هناك في الحج محاولات لتقسيم الناس وفق العرق والجنسية والأرض وما أشبه، وبالذات في عرفات، وهذه محاولات خاطئة، ذلك لأن غاية الحج أن ينصهر الناس كلهم في بوتقة واحدة ونبذ الروابط المزيفة، ليكون جميع الحجاج وهم في احرامهم وبلا ثياب مميزة متوجهين إلى الله داعين له، ليكونوا عباد حقيقيون كما يريد الله تعالى.
تفصيل الأحكام
أحكام طلب الرزق في الحج
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾
الجناح من الأذى، أي الذنب، أي ليس عليكم ذنب، لماذا؟
لسببين:
الأول: لأن الجاهليون كانوا يعتقدون بعدم جاوز المساومة أو الحديث عن الدنيا بأي شكل، بينما القرآن يجوّز الحديث عن الدنيا ولكن بإطار الدين، بل ويكون فيه ثواب الطاعة والامتثال لأمر الله تعالى.
الثاني: حتى وقتنا الحاضر نجد البعض من الناس يتصفون بالنظرة الأحادية ذات البعد الواحد، فإذا فكر في الدينا فإنه يستبعد الآخرة، وإذا فكر بالآخرة استبعد الدنيا، فلا يستطيع الجمع بينهما، ومن هذا نجد البعض حينما يسمع كلمة الحرام والحلال وهو في السوق مثلاً فإنه يرد قائلاً: هذا سوق وليس مسجد..! وهكذا في السياسة يقول: هنا سياسية وليس دين..!
بينما الحياة كلها من سياسة وتجارة وما أشبه كلها يجب أن تخضع لحكم الله سبحانه، والإنسان هو الإنسان سواء كان هنا أو هناك بلا فرق، وعليه الأخذ بأحكام الشريعة أينما كان وكيفما كانت.
وربنا سبحانه رداً على النظرة الجاهلية أو النظرة المتشددة يقول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فلا بأس بالمساومة والاتفاق على عمل تجاري من بيع أو شراء أو ما أشبه، بل وقد يكون العمل التجاري مباركاً في عرفات وفي ظل توحيد الرب سبحانه.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾، يسمي طلب الرزق وغيره من المكاسب بالفضل، وهذه إشارة تربوية دقيقة، فحتى الأعمال الدنيوية لابد أن تصطبغ بصبغة التوحيد، وهي بالأصل من فضل الله سبحانه على عباده.
أحكام الإفاضة من عرفات
• ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾
الإفاضة تعني خروج جماعة من الناس مع بعضهم البعض، أي الحركة الجماعية، والحركة المفردة لا تسمى إفاضة.
ما قبل الإفاضة يكون الجلوس في وادي عرفات، حيث يقرأ فيه دعاء الإمام الحسين عليه السلام، وكذلك دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام، وفي حالة من الضراعة والخشوع، والتوسل إلى الله، ثم بعدها الإفاضة من حيث يفيض الناس إلى مزدلفة ثم منى، يسيرون بمسيرة إلهية عظيمة، والقرآن الكريم انتقل إلى الإفاضة بشكل مباشر لأن الأعمال معروفة في عرفة.
وعرفات وادي في شمال مكة المكرمة تحت جبل الطائف، وهو مكان محدود ليس بكبير جداً، حيث يمتلئ تماماً بالحجيج.
ما الهدف من الإفاضة؟
أساس الحج إنما هو جمع واجتماع، وربنا سبحانه يقول: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، أي وقت محدد، كما أن المكان محدد أيضاً، وكذلك في الروايات ورد استحباباً الوقوف مع الناس وعدم الانعزال عنهم إلى مكان فارغ، ليندمج مع الناس ويتلاحم معهم.
في الإفاضة يردد الحجاج شعاراً يهتفون بصوت واحد: الله اكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر. كما ونجد شعاراً آخر يرددوه في بداية الحج قائلين: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. وتستمر هذه التلبية في الطريق إلى عرفات، ثم تنقطع في عرفات، وما بعد عرفات تأتي التكبيرات، وهي مستحبة، والبعض قال بوجوبها. ومن ثم سائر الشعارات التي يلتزم الحجاج بها.
ومن أبعاد هذه الشعارات أنها توحد الناس، فالحناجر المختلفة تردد كلمة واحدة، وهم مجتمعين إلى بعضهم البعض ويسيرون باتجاه واحد، مما تترك في نفوسهم أثراً ايجابياً كبيراً.
أحكام المشعر الحرام
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾
حسب رأي أهل العامة أن الحج عرفة، فمن لم يدرك عرفة فحجه باطل. أما عندنا فإن الحج مزدلفة، فإذا لم يدرك الحاج عرفة وأدرك مزدلفة ووجد فيها جمع من الناس فحجه صحيح.
المشعر من الشعائر أو الشعيرة، والحرام لأن الأرض هي أرض الحرم، وهو مكان لذكر الله تعالى، حيث تغفر فيه الذنوب وترفع فيه الدرجات.
ذكر الله على نعمة الهداية
﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾
فما معنى ﴿كَمَا﴾؟
قد يتصور من يقرأها أنها تعني واذكروه لما هداكم، أي لأن الله تعالى هداكم بعد إذ كنتم في ضلالة، فلذلك اذكروه.
وقول آخر: لأن الله تعالى أعطاكم نعمة الهداية وهي من النعم الكبرى فلابد أن تذكروه ذكراً كثيراً، ليتوافق الذكر مع النعمة، وبالذات إذا كانت النعمة جامعة للنعم كمثل الهداية، فأية نعمة تضاهيها.
ويبدو أن الكلمة تتحمل الوجهين، أي أن كلمة ﴿كَمَا﴾ تكون بمعنى لِما، وأيضاً تكون إشارة للنسبة، أي بمقدار هداية الله لكم.
• ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ﴾
من دون هداية الله تعالى للإنسان فلا يمكنه الخروج من الضلالة التي هو فيها، فلا يعرف أين يذهب إنما يرمي نفسه بالمزيد من التيه والظلام، فالله برحمته يهديه إلى نور الحق ليخرجه من الضلال، فيعطيه كل ما يحتاج من مقومات العيش السعيد في الدنيا والآخرة.
وهنا نستوحي بصيرة مهمة، علينا ونحن نؤدي الواجبات الشرعية من الصلاة والصيام والحج والجهاد أن نتفاعل نفسياً معها، فيتوجه قلبنا إليها، لتصاغ أرواحنا من جديد، ولذلك فإن الذي يأتي من عرفات إلى المشعر الحرام، يجب أن يتوجه بكل وجوده إلى الله تعالى، ويتذكر أن الهداية التي أنعم الله بها عليه هي منه سبحانه، ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ﴾.
ولا ينشغل بتوافه الأمور من احتياجاته اليومية والنقاشات التفصيلية التي ليس فيها ثمرة، أو يتبادل الجدال مع إخوانه على الطعام والشراب والنوم وما أشبه، فإن فعل ذلك فإنه غفل عن أمر عظيم، غفل أنه في ضيافة الله، جاهلاً بالنعمة التي هو فيها، وإذا به ينشغل بما سواها من بسائط الأمور.
أما عند التوجه إلى ذكر الله والانقطاع إليه فإن الله تعالى يفيض على الإنسان من رحمته وعنايته ليحصل على المزيد من التوجه والخشوع وتكامل الروح، لينتقل إلى مستوى جديد من مستويات الإيمان والقرب من الله عز وجل.