45/10/28
/ آيات الحج /فقه القرآن
الموضوع: فقه القرآن / آيات الحج /
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾[1] .
بصيرتان نستهل بهما الحديث..
البصيرة الأولى: فلسفة الحج وحكمته
الحج بأحكامه وشعائره يجمع عموم الواجبات الأخرى، فالحج صلاة صيام وجهاد، والحج حركة وسعي، ولذلك فإن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته الأخيرة قال: (الله الله في بيت ربكم فإن تركتموه لن تناظروا، فالكعبة أمان لأهل الأرض فإذا هدمت فإن البلاء ينزل عليهم).
فالحج أساس الدين، وهو الجهاد الأصغر، وهو من شعائر الله العظيمة، وفيه العديد من الحكم الإلهية التي تهدف صياغة الإنسان وتربيته، ففيه الطواف والسعي والإفاضة، وكلها تؤدى بشكل جماهيري كبير، حيث يتعلم الفرد كيف يتعايش مع الآخرين، ولهذا التجمع أبعاد أخرى عديدة نجد أن بعض الدراسات والبحوث الحديثة تعرضت لها، من اجتماع الأرواح إلى بعضها البعض وانبعاث الطاقة الروحية الكبيرة منها فيما لو كانت الأعداد كبيرة ومتحدة في المكان والزمان، ولهذا البحث أبعاد أخرى لعلنا نوفق لبيانها في بحث قادم.
وبالإضافة إلى ذلك فإن الحج حركة، فمن بيت الإنسان الذي قد يكون في آخر نقطة من الدنيا، فينطلق بنفسه فوق مشقة الطريق متحملاً الخشونة والقسوة في سفره الطويل حتى يصل إلى مكة المكرمة، وقديماً كان الأمر يستغرق أعواماً طويلة، وحتى وقتنا الحاضر فإن المشقة موجودة في الحج وهي جزء لا يتجزأ منه، ومن طلب الحج بلا مشقة فلا يجده أبداً، ولن ينالها الإنسان إلا بشق الأنفس، وهذه هي طبيعة الحج التي أرادها الله سبحانه.
أراد الله عز وجل للإنسان أن يتحسس الصعوبة والمشقة في فريضة الحج، من اشتداد الطواف واصطكاك الناس لبعضهم البعض، وهكذا من جهود يبذلها في السعي بين الصفا والمروة والتي يقول عنها الحديث الشريف: أحب البقاع إلى الله بين الصفا والمروة لأن فيها يذل كل جبار عنيد، فلا درجات هناك ولا أية اعتبارات، فالجميع يسعى بينهما ثم يهرول عند المنتصف في حالة من إذلال النفس لله تعالى امتثالاً لأمره.
ولذلك فإن الإسلام أمرنا بالحج، وأهل البيت عليهم السلام لطالما أكدوا عليه رغم كل الصعوبات التي فيه، وهو ضرب من ضروب الجهاد كما أسلفنا.
ولابد للحاج أن يعرف فلسفة الحج قبل ذهابه إلى مكة المكرمة، ولو تسنى الأمر لكان من الضروري إصدار قرار بفتح معاهد تعتني بهذا الشأن، فيدخل الحجاج قبل ذهابهم إلى الحج في دورة تعليمية وتدريبية متكاملة، ويتم فيها التعرف على الطواف والمحرمات والمستحبات وما أشبه من الأحكام الأخرى، وهي ليست بقليلة وفي حالة من التجدد والاستحداث يوماً بعد يوم، لكي يكونوا على بصيرة من أمرهم ودراية لما هم مقبلين عليه من عظيم أمر الله سبحانه.
البصيرة الثانية: شرائع الحج بين الكليات والأحكام التفصيلية
يتناول القرآن الكريم شرائح الحج في سورتي البقرة والحج، وحسبما يبدو أن سورة البقرة تتناول العناوين الرئيسية من تشريعات الحج كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وبيان بعض الأحكام الأولية، أما في سورة الحج فإنها تتناول تفاصيل الحج ومحتواه بشكل أكبر ومفصل.
تفصيل الأحكام
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
ظاهر الإتمام أن المراد منه الانتهاء من الحج بعد البدء به وهكذا العمرة، أما باطنه قد يكون شيئاً آخر، وهو التفكير بشكل دائم والحرص على أن يكون الحج حقيقياً وليس ظاهرياً.
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾
الذي يأتي إلى الحج من أماكن بعيدة فإنه قد يواجه عقبات في الطريق، أما المرض وأما العدو أو أي سبب آخر من الأخطار الطبيعية وغيرها، فتحصره عن الاستمرار في الذهاب، وهذا معنى الحصر، وقد حدث هذا الحكم في صلح الحديبية عندما أحصر النبي صلى الله عليه وآله وأتباعه بسبب العدو، حيث منعوه من الحج.
فما هو الحكم إذا حصل الحصر؟
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾
بعد الدخول بالإحرام وحصول الحصر لابد من تقديم الهدي للخروج من الإحرام، ومعنى الهدي حسب قول البعض أنه ًجمع لــ(هدية)، وبعض آخر قال: الهدي من السَوْق، ويقال هُديت إلى ذلك المكان، أي سُقت إليه، وقديماً كان الناس يسوقون الذبائح معهم إلى الحج.
سواء المعنى الأولى أو الثاني فالمطلوب منهما ما هو مستيسر، وأقل المستيسر شاة وأكثره إبل، وبينهما بقرة.
ولكن يبقى الحلق فإن له حكم خاص والذي تبينه الآية التالية:
﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾
محل الهدي في العمرة مكة المكرمة، وفي الحج منى، ولعل منى هو مكان الذبح في مكة المكرمة منذ القديم – هذه المعلومة بحاجة إلى مراجعة وتأكيد -، ومن الصعب جداً أن يتمكن الحاج من الذبح في منى، لأن القائمين عليه يمنعون الناس ويوجهونهم إلى منطقة أخرى تسمى (مُعيصم) وهي منطقة بعيدة عن منى.
أما رأي الفقهاء فإنهم يجيزون الذبح بمكة المكرمة بدلاً من منى أو مُعيصم، لأن مكة أقرب إلى منى من مُعيصم، وفي مكة مراكز لذبح الهدي وهي معروفة.
فإذا وصل الهدي إلى محله حينها يستطيع الإنسان أن يخرج من إحرامه بالحلق.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾
المرض معلوم الحال، أما الأذى في الرأس كالقمل مثلاً فإن صاحبه قد لا يستطيع الصبر يوماً أو يومين، أسبوعاً أو أسبوعين حتى يصل الهدي محله، فيكون حكمه جواز الحلق مع تقديم الفدية.
والفدية أما صيام ثلاثة أيام، أو اطعام ستة مساكين وقيل عشرة، أو نسك، والنسك بالأصل عبادة لكنه استخدم في ذبح الهدي.
ألحج ثلاثة أنواع
﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾
الحج ثلاثة: أما حج إفراد، أو حج قران، أو حج تمتع.
فحج الإفراد ليس فيه هدي من أوله عند الميقات وحتى آخره، وهو وظيفة من كان بيته قريباً من مكة، والقريب يبلغ ثمان وأربعون ميلاً، أي يقدر بمائة كيلو متر بينه وبين مكة المكرمة.
أما حج التمتع فيقال أنه شُرِّع في حجة الوداع، والقصة معروفة أن النبي صلى الله عليه وآله كان قد قرن معه الهدي فما كان يجوز له أن يتمتع، وهو صلى الله عليه وآله كان يقول: (لو استقبلتم من أمري ما استدبرتم منه لتمتعت)، ذلك لأن البعض من الناس قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله كيف نحلق رؤوسنا وأنت لا تحلق رأسك؟ والقصة معروفة.
وربما نزلت آيات تشريع هذا الحج عدة مرات، ولكن لا نعلم كيف كان نزولها، لأن أسباب النزول غير واضحة.
أما معنى التمتع قال البعض: أنه البقاء في الإحرام بمكة بعد التلبية من أول ذي الحجة وحتى اليوم الثامن، ثم الذهاب بعد ذلك إلى عرفات.
والحق ليس هذا المعنى المراد، وهو صعب للغاية، ولكن معنى التمتع أن المحرم يستطيع الخروج من إحرامه ثم يحرم مرة أخرى من مكة المكرمة، ولهذا الحكم فوائد كثيرة على المسلمين وهو تسهيل لهم، وبالذات لمن كان بيته بعيد وعليه آثار المشقة والتعب، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، أي جعل العمرة كأنها مقدمة إلى الحج، حيث تمتع بعد العمرة بالإحلال، تمتع بالحياة الطبيعية من دون الالتزام بحكم الإحرام، ثم يحج فيما بعد بنية جديدة من مكة المكرمة وكما هو معروف.
ولكن لهذا التمتع حكم خاص، وهو الذبح، حيث يقول تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾، أي بالمقدار الذي يستطيع عليه، فإن استطاع أن ينحر بدنة فلا بأس، وإن لم يستطع فبقرة، وإلا فليذبح شاة وهو أقلها.
ما الحكمة من الذبائح في الحج؟
لعدة أسباب منها:
الأول: الانفاق حكمة من حكم الحج، وقد مر الحديث في البحث السابق عن الانفاق في الآية (195) من سورة البقرة، والآية التي بعدها تناولت موضوع الحج، فشرط الحج الانفاق، أما من يفتقر إلى ذلك فليس عليه الوجوب، لأن الاستطاعة شرط الذهاب إلى الحج، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾[2] ، فالإنفاق من أجزاء الحج إذ يتعلم الإنسان فيه على العطاء وتجاوز شح النفس.
الثاني: الذين يذهبون إلى الحج أعداد كبيرة ويبلغ تعدادهم المليون نسمة، فهم بحاجة إلى الطعام والشراب، ولعل الله تعالى شرع هذا الانفاق والذبح من أجل اطعامهم وسد حاجتهم، بل ويزيد عليها.
الثالث: مشكلة الإنسان بعينه وليست بذهنه، حيث يعاني من ضيق النفس وانحسارها، فليرى بعينه الآلاف من الذبائح ولتستقر روحه وتنفتح على الحياة، لا أن يفكر دائماً بشكل ضيق ومحدود من الحصول على بعض الطعام، ولهذه الفكرة فلسفة مرتبطة بالتطلع عند البشر، لعلنا نوفق لبيانها في بحث قادم، فكأن الدين من حكمه أن يجعل أتباعه يتطلعون إلى الأمام في حالة من التسامي، لا أن يقبع في أفق ضيق ومحدود.
ولكن ما حكم من لم يستطع على الذبح؟
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾
صيام الأيام الثلاثة تكون قبل موسم الحج، وهي السابع والثامن والتاسع من ذي الحجة، أو بعد أيام التشريق، ولا يجوز الصوم في العيد أو أيام التشريق. أما السبعة فهي بعد الرجوع من مكة.
﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾
جمع الثلاثة مع السبعة تكون عشرة، وهذا رقم واضح، فلماذا القرآن يصرح بها ومؤكداً بكلمة ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾؟
في الإجابة تفسيران:
الأول: أي اكتمال العشرة بالتمام، فلا يبقى في ذهن المكلف شيئاً، وهي قد حلت محل الذبيحة ولا شيء عليه.
الثاني: قد يتصور البعض أن الواو هنا جاءت بمعنى التخيير ﴿وَسَبْعَةٍ﴾، أي بمعنى ثلاثة أيام أو سبعة، ولكن هذه الواو ليست كذلك إنما هي واو المعية، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، وهذا ما يسمى بدفع الدخل أو الإجابة على سؤال مضمر.
﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
وذلك التمتع إنما هو للذين جاؤوا من أماكن بعيدة، أما الذين في دائرة القرب والتي تقدر بستة وتسعون كيلو متراً فإنهم غير مشمولين بهذا الحكم.
لماذا التأكيد على التقوى في الحج؟
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
بعد بيان بعض الأحكام ربنا سبحانه يؤكد على التقوى، إذ أن حقيقة العمل وجوهره تقوى الله، ولكن لماذا جاء السياق منبهاً بأن الله شديد العقاب؟
لأن الأعمال في الحج ليست يسيرة إنما فيها صعوبة، فلابد من الانتباه والحرص الشديد على أن لا يستهين الإنسان بأحكام الله في الحج، وبالذات حينما تكون بعض الأحكام شديدة جداً، حيث يبدو الحج في بعض أحكامه أصعب من الجهاد، لما يتعرض له الإنسان من إجهاد في السفر وجهود في المناسك واشتداد التدافع بين الناس، وكيف لا يكون الأمر عسيراً وهو على هذه الشاكلة، وقد يتعرض البعض إلى الموت عند رمي الجمرات لكثرة الناس وتدافعهم على الرمي، ولصعوبته ربنا يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، أي لابد من الخوف من عقاب الرب سبحانه، لكي لا يستهان بحكم من أحكام الحج فيتجاوز المحرم حدود التقوى.