45/10/27
/ آيات الحج/فقه القرآن
الموضوع: فقه القرآن/ آيات الحج/
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾[1] .
نستهل الحديث ببصيرتين قرآنيتين:
البصيرة الأولى: الصفا والمروة من شعائر الله
القرآن الكريم ليس فقط كتاب أحكام، وإنما هو أيضاً كتاب تزكية، وكتاب معارف أولية، وكتاب تحفيز للإنسان للعمل بالأحكام الشرعية، ولذلك نجد أن الآية الكريمة تأتي عن الحج، ثم بعدها تأتي آية في أسماء الله الحسنى، وثالثة عن التقوى، ورابعة في مشكلة اجتماعية وطريقة علاجها.
ما مر من آيات قرآنية كانت آيات تمهيدية عن الحج، ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا...﴾[2] ، ومن ثم بيان القبلة، ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ...﴾[3] ، وهذه الآيات تتناول بعض تفاصيل الحج وأحكامه.
ولكن ما بين هذه الآيات نجد آيات تتحدث عن مواضيع متفرقة، فللوهلة الأولى لا نظن أنها مرتبطة بآيات الحج، ولكن الحقيقة أنها عمق الحج، فالحج لله سبحانه، ولابد أن نعرف أسمائه الحسنى لنحج إليه، كما أننا نحج إلى الكعبة، فلابد أن نعرف ما هي؟ ومن قام ببنائها؟ ولماذا بنيت؟ وكذلك فيما يرتبط بالقبلة والتوجه إلى الكعبة، لابد أن نعرف لماذا وكيف؟
من هذه الآيات نجد آية تتناول موضوع المسعى، إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾[4] .
السؤال: لماذا جاءت هذه الآية منفردة ومحددة بموضوعها؟
كان الجاهليون قد وضعوا صنماً على جبل الصفا وآخر على جبل المروة، وابتدعوا للصنمين قصة، وأسموهما وساف ونائلة، وادعوا أنهما كانا شابين يطوفان بين الصفا والمروة، وخلال الطواف غلبتهما الشهوة وفعلا ما فعلا، فحولهما الله إلى حجرين، وها قد وضعناهما على الجبلين ليكونا عبرة للناس..!
فاختلف الناس في وجود شعيرة السعي في الحج أو عدم وجودها، فبين من يؤيد وبين من يرفض، وفي مثل هذه الحالة لابد على العالم أن يظهر علمه، وإلا فإن البدعة تسيطر على الموقف، ويكون لها قداسة بين الناس.
ولذلك فإن القرآن الكريم قطع هذا الخلاف والنزاع وأطفأ هذه الشبهة حينما نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، فهذه كلمة حاسمة وواضحة تدل على أن شعيرة المسعى من شعائر الله تعالى ولا ربط للخرافة الجاهلية بها.
وهنا التفاتة دقيقة، فلابد لنا أن لا نترك شعائر الله تعالى وإن اتخذها الناس وسيلة للاسترزاق أو أحاطوها بمجموعة من الخرافات، إنما هي شعيرة وتبقى على حالها بعد أن تزاح عنها البدع وكل ما لم ينزل به الله تعالى من سلطان.
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾
﴿فَلا جُنَاحَ﴾ أي بمعنى الوجوب، فعند رفع الحضر فإن الحكم الأولي يعود، كمثل المانع الذي يحول بين الإنسان وبين الحج، فإذا ارتفع المانع فإن الوجوب يكون تكليفه، وهكذا فيما يرتبط بالواجبات.
هذه مقدمة أردت بدء الكلام بها، عن ترتيب وهندسة الآيات القرآنية والتي هي حسب الحاجة وحسب الحقائق الخارجية، وجاءت هذه الآية لتعالج شبهة وإشكالية عند الناس تجاه شعيرة من شعائر الحج، لتكون مقدمة تمهيدية للحديث عن أحكام الحج.
البصيرة الثانية: حرمة الكعبة وقداستها وضرورة الدفاع عن النفس
بعد الحديث عن بناء الكعبة والقبلة والصفا والمروة فإن القرآن الكريم يحدثنا عن حرمة المسجد الحرام وحرمة أرض مكة المقدسة، وبيان ذلك بطريقة مميزة، إذ يقول الله سبحانه في كتابه الكريم:
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾
القرآن الكريم يعالج الانحرافات القائمة في الأمة قبل أن يتحدث عن الموضوع المراد، وعلى سبيل المثال نجد أن الحديث القرآني عن الطلاق أكثر بكثير من حديثه عن الزواج، لماذا؟ أليس الزواج أصل، بينما الطلاق أمر شاذ؟
الجواب: لأن الشيء الذي يهدم الزواج هو الطلاق، فلابد من معالجة هذا السبب الذي يؤدي إلى هدم هذا البناء.
كذلك الحديث عن الحرمات، فبينما يفكر المسلمون بالاعتداء على المشركين كما اعتدوا عليهم نجد أن القرآن الكريم يجعل حدوداً للحرمات، ويبين أنها قصاص بالمثل، فالعين بالعين، والاعتداء على الحقوق يقابلها مثلها، وهذا ما يسمى بقانون الدفاع الشرعي، حيث يدافع الإنسان المسلم عن نفسه ودينه وحرماته.
وحسبما قالوا – وفق الإحصاءات – ان 98% من عدم وقوع الجريمة يرجع إلى الدفاع الشرعي، فإذا كان كل واحد يدافع عن نفسه، فإن السارق لا يستطيع أن يعتدي على أحد ما زال مدافعاً عن نفسه، لأنه يعرض نفسه للقتل أو للإمساك به، إنما يبحث عن البيت الذي ليس فيه رجل، أو عن المكان الذي فيه رجل لكنه ليس قادراً على الدفاع عن نفسه لمرض أو ما أشبه.
فالإسلام شرع قانون الدفاع الشرعي وبكل وضوح، فالنبي الأعظم صلى الله عليه وآله كان يقول: (من مات دون عرضه ودون ماله فهو شهيد)، وهذه إجازة بينة ليدافع الإنسان عن نفسه وحرماته، وربنا سبحانه يقول: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، فهذا تشريع لجواز الرد على من يخترق حرمة الشهر الحرام ويتعدى الحدود.
﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾
ولكن هذه الحالة استثنائية، فلا يجوز اختراق الحرمة إلى عند القصاص، ولا يمكن خوض الحرب داخل مكة المكرمة إلا عند الاعتداء، وورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (هذه الأرض إنما حرمها الله منذ خلقها، وحرمها الله في ساعة من نهار)، أي في الساعة التي دخل فيها النبي إلى مكة. وكان الكفار قد أعابوا على النبي دخوله إلى مكة وهو في سلاحه. بينما كان دخوله صلى الله عليه وآله للدفاع عن نفسه وللاقتصاص منهم وهو أمر جائز، هذا حسب مفهوم الآية الكريمة.
نكتة فقهية
في كتاب الجهاد قال الفقهاء: لا يجوز دخول مكة بأي شكل من الأشكال، إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وآله.
بينما في هذه الآيات التي تتناول موضوع الحج فإنها تدل على جواز الدخول إلى مكة بالسلاح في حال القصاص، فإذا دخل العدو إلى مكة المكرمة واستولى على الكعبة المشرفة بلا حق، حينها يجوز الدخول لأجل دفع العدو واسترجاعها لأهلها.
فكيف نخرج من هذا التعارض؟
الجواب: القرآن الكريم يبين حرمة المسجد الحرام من خلال بيان واقعة شاذة قد تقع بين المسلمين، فيقتتلون فيما بينهم، وفحوى ذلك حرمة الاقتتال إلا في حالة استثنائية، ونحن نلحظ في التاريخ وجود الاقتتال بين المسلمين في الكعبة، أما غيرهم فهي حالات نادرة وقد سجلها التاريخ، ولذلك عند التأمل والتدبر في الآية الكريمة نلاحظ أمراً دقيقاً حيث يقول تعالى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾، أليس الاعتداء من العدوان، فلماذا القرآن يقول: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ مع أن رد العدوان ليس باعتداء؟
لكي يبين الله تعالى لولا رد العدوان فإنه يكون اعتداءً وهو بالطبع محرم، ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾، ولكن للرد شرط فلابد أن يكون بالمثل وليس أكثر منه، ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
لماذا التأكيد على التقوى؟
ثم ربنا سبحانه يؤكد على التقوى فيقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، لماذا؟
لأن الإنسان عند الحرب والصراع والدماء والدموع والمآسي يفقد أعصابه فيتجاوز الحدود، ففي هذه الحالة العصيبة نجد الآية تؤكد على أهمية تقوى الله، وهذا توجيه لضرورة الالتزام بالحدود الشرعية وعدم تجاوزها.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾
ليطمئن المؤمن ولا يخشى شيئاً ما دام قد التزم بحدوده الشرعية، فلا غلبة للعدو ما دام الله تعالى معه وهو ناصره ومؤيده.
الإنفاق في سبيل الله
﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
سياق الآية الماضية في اتجاه، بينما نجد هذه الآية في اتجاه آخر، فلمَ الحديث عن الانفاق؟
لأن الجهاد دائماً وأبداً بحاجة إلى المال والنفقة، والانفاق في الجهاد ينبغي أن لا يكون من جهة خارجية، إنما لابد أن يكون من داخل الأمة وواقعها ومن صميمها، ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
الالتزام بالحكمة عند مواجهة التحديات
﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
هذه كلمات تحدد الانفاق، فلابد أن يكون في ضمن الحدود فلا يتعدى إلى الاسراف، ولا يتراجع إلى الاقتار، كما ورد في آية تبين هذا المعنى، وهذا وجه من وجوه الآية.
أما الوجه الآخر؛ إذا لم تنفقوا فإن مصيركم يؤول إلى التهلكة، فعدم الانفاق يؤدي إلى الهزيمة مما يكون صاحب المال وأمواله تحت سيطرة العدو..!
وهذه حكمة بالغة الأهمية، أن يعي الإنسان أنه مسؤول عن نفسه، وعن حياته، فيجب عليه أن لا يعمل عملاً يؤدي به إلى الهلاك، كالإسراف في الانفاق أو مواجهة قوة لا يستطيع مواجهتها، أو عدم المبادرة لمعالجة النفس أو ما أشبه من وجوه الضرر التي قد تلحقه بسوء تصرفه.
المحسنون في محبة الله
﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
الإحسان والانفاق وجهان لقيمة الكرم، والكرم هو العطاء بمقدار الحاجة، أما الإحسان فهو المزيد من العطاء، فمن يعطي زكاة أمواله فهذا انفاق، ومن يخدم الناس الذين يذهبون لزيارة الحسين عليه السلام مثلاً فإن هذا من الإحسان، فالمؤمن مأمور بالإنفاق، وبالإحسان أيضاً بقدر استطاعته.
فإذا حمل الإنسان نفسه على الإحسان فإن الله تعالى يرد عليه إحسانه، فما إن يعطي بيد وإذا به يأخذ بيد أخرى.
بعد هاتين الآيتين يأتي الحديث عن أعمال الحج، وهي كلمات قصيرة لكن الواحدة منها تحوي على أبواب متعددة من الفقه، ومن السلوك الحسن أن يهتم الفقيه بسائر المسائل الفقهية واطلاعه على كتب الفقهاء وما هو مرتبط بالأحكام الشرعية، ولكن الضرورة تقتضي أن يحفظ أساس هذه الأحكام والتي تتمثل بالآيات القرآنية المختصرة، والتي فيها سائر الأحكام التفصيلية، ذلك لأن الأحكام التفصيلية معرضة للنسيان، وإنما تبقى هذه الثوابت عالقة في الذهن لينتفع منها عند الحاجة إليها.
أحكام الحج والعمرة
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
أولاً: إتمام الفريضة
معنى التمام أي الانتهاء من الأمر بعد البدء به، فمن شرع في الحج أو العمرة بالتلبية، فإنه ملزم بإتمام آخر ما فيهما من أحكام، ولا يحق الترك لأي سبب كان، فما دام قد عزم على لفظ التلبية بإرادته فلابد أن يتم عمله، وإلا كان له الخيار قبل ذلك بعدم التلبية، فلماذا الدخول ولماذا التراجع؟!
وهكذا نجد مثل هذا الحكم في الصلاة، فهناك شبه إجماع من الفقهاء على عدم جواز قطع الصلاة بعد التكبير، كما قال الإمام: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، فكما الدخول بحرمة الحج عند التلبية كذلك الدخول بحرمة الصلاة عند تكبيرة الإحرام.
وهناك بعض الفقهاء من يرى جواز إبطالها وله أدلته التي يعتمد عليها، أما في الحج والعمرة فليس هناك من يقول بجواز الترك بعد الإهلال بهما أبداً، ذلك لأن القرآن الكريم يقول: ﴿وَأَتِمُّوا﴾.
أما فرق الإتمام عن الإكمال، فإن الإكمال يعني الإتمام وزيادة عليه، أما الإتمام فهو بمقدار الواجب فقط.
ثانياً: قصد النية والحفاظ عليها
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
لابد أن يكون إتمام الحج والعمرة لله تعالى، وهنا الحديث عن خلوص النية، والحديث عن نية القربة حديث متشعب، فوجوب النية بائن من الآية الكريمة، فمن أمر بالحج والعمرة يأمر أيضاً أن تكون لله تعالى.
تنطوي تحت هذه الكلمة كل أحكام النية، من القصد، والإخلاص، وما أشبه، ولا تعني النية استحضار الشيء في الذهن، أو ترديدها في النفس - وهي من أكمل أنواع النية ولكنها غير واجبة - إنما النية مجرد أن تعلم أن عملك لله تعالى وأنك تقصده وتقصد مرضاة الله تعالى منه.
وهذا مفهوم بسيط للنية، ولكنه في غاية الأهمية، لما قد يدخل للإنسان من وساوس إبليس والنفس في تشويشها، من رياء وسمعة وعجب وكبر وبطر وما أشبه من الفواحش الباطنية.
أما إبليس فإنه يبذل قصارى جهده في بدايات الأعمال ليفسدها ويحرفها عن مسارها الصحيح، فهذا إمامنا علي ابن أبي طالب عليه السلام ذات يوم أخرج الصدقة من جيبه وأعطاها إلى الفقير وهو يقول: خذها وأنا أبو الحسن..! فاستغرب أصحابه مما رأوا فقالوا: ما عهدناك تفعل هذا إلا في الحرب عندما تضرب بسيفك، فلماذا قلت هذه الكلمة وأنت تتصدق على الفقير؟ فقال: لما أدخلت يدي في جيبي فإن الشياطين أمسكوها لكي لا أنفق، ففعلت ذلك وأنا أحاربهم.
فللشيطان أحابيل وأساليب عديدة، والإستعاذة بالله من شره ووساوسه وهمزاته في غاية الضرورة للحفاظ على سلامة النية وسلامة العمل وصحته.
والأمر يكون أكثر أهمية في الحج، ذلك لأن الإنسان وهو ينوي الذهاب إلى الحج يواجه العديد من الصعوبات، حتى في وقتنا الحاضر فإن الانتظار قد يطول إلى عشرون عاماً، وغير ذلك من تفاصيل الحج ومقدماته وهيبته وجهود، وغالباً يذهب الإنسان إلى الحج وهو كبير في السن، فإذا وصل إلى الميقات لا يدري ماذا يفعل حيث تصيبه موجة من التشتت، فلابد له من نظم أمره وإعادة نيته لكي لا يكون للشيطان مدخل فيها فيجهض عمله بعد كل ما تحمله من عناء وتعب، لتكون أعماله خالصة لله تعالى وزاكية ومقبولة.