45/10/22
/ آيات الحج/فقه القرآن
الموضوع: فقه القرآن / آيات الحج/
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾[1] .
بين يدي الآيات
قبل أن نذكر البصائر المستوحاة من هذه المنظومة المباركة من الآيات الكريمة نتساءل:
ما هو النظم أو العلاقة بين هذه الآيات التي تتمحور حول موضوع القبلة، والآيات التي سبقتها والتي تناولت موضوع النبي إبراهيم عليه السلام وبناءه للكبعة المشرفة مع ولده إسماعيل عليه السلام؟
قبل بيان ذلك لابد من الإشارة إلى الآيات التي وردت بين هاتين المنظومتين من الآيات، حيث يبين الله لنا فيها شرطاً اساسياً من شروط الإيمان، إذ يتمثل بكل الحق وليس ببعضه دون البعض الآخر، حيث يقول سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[2] ، فهذا هو الإسلام، الذي يعني عبادة الله سبحانه بإخلاص، والإيمان بكل الرسالات الإلهية من دون أن تفريقٍ بينها، وهذا درس عظيم.
بعد بيان حقيقة العبادة وجوهرها المتمثل بابتغاء مرضاة الله، والكفر بالأنداد، والتعامل مع الوسائل على أنها وسائل ممكن أن تتغير في أي وقت وعند اختلاف الظروف، ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾[3] في وقتٍ يكون الأساس هو ما يأمر به الله تعالى، يأتي الحديث عن القبلة وسبب تغييرها.
ومن هنا، فيمكن القول بأن الرابط بين منظومتي الآيات، يكمن في تحديد سمات الأمة الإسلامية، وبعبارةٍ أخرى: إن القرآن كتاب ٌكامل، لا يدع زاوية مظلمة إلا ويسلّط عليها الضوء في الموضوع الذي يتناوله، وحسبما يبدو – والله العالم – أن محور سورة البقرة جاءت لبيان شخصية الأمة، فأولى صفات هذه الأمة أنها تؤمن بالغيب وتوقن بالآخرة _ كما في بدء السورة_، ثم الحديث عن تمييز هذه الأمة عن الكفار والمنافقين، ثم بيان واجباتها وتمييزها عن اليهود والنصارى، ثم بيان تشريع القبلة، وهكذا فإن موضوع القبلة وتحويلها، يأتي ثمرةً لتلك الأمة التي أرادها ابراهيم عليه السلام ودعا ربّه أن يمكّنها في الأرض حين كان يرفع القواعد من البيت.
بصائر نستفيدها من هذه الآيات الكريمة منها:
البصيرة الأولى: لكي نمتثل لأوامر الله
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾
هناك طائفة من الناس لا يفهمون أوامر الله ونواهيه فيتخذون منها موقفاً سلبياً ويستشكلون عليها..! وهؤلاء ينعتهم الله بالسفهاء، ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ﴾، أي الجهلاء من الناس الذين لا يفهمون، لأنهم لا يعرفون حكمة التشريع، ولا يدركون أن لكل أمة تشريع وظرف مختلف عن الأخرى، فقد جاء عيسى عليه السلام، إلى اليهود ووجدهم قد أقبلوا على الدنيا وصاروا يعبدوها، فاختار حياة الزهد والسياحة في الأرض وعبادة الله تعالى، ودعوة الناس إلى الهدى ونهيهم عن اللهث وراء الدنيا زخارفها، وهذه كانت مرحلة معينة متناسبة مع حاجة البشر إلى ضخ الروح الإيمانية والزهد في الدنيا، بينما الإسلام فإنه دعا إلى التوازن بين الدنيا والآخرة، حيث دعا أتباعه قائلاً: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾[4] .
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
فالسفهاء لا يفهمون حكمة الشريعة، فيعترضون عليها، فحكمة الشريعة تقتضي أن تتغير الأحكام حسب الظروف، فحتى الصلاة على سبيل المثال، وهي صفة المؤمن ومعراجه وهي ذكر لله تعالى، فإذا ذهب الإنسان إلى الصحراء ولم يجد الماء يصليها بالتيمم، وإذا قطع مسافة السفر يصليها قصراً، وهكذا في الحرب يصلي صلاة الخوف، فحتى الصلاة تتغير طريقة أدائها بحسب الأحوال، لأن الأساس هو الحق والذي يأمر به الله تعالى وليس هناك حالة واحدة ثابتة في كل حال.
وإدراك هذه البصيرة في غاية الأهمية، وهذه أمثلة ظاهرة، وهناك أمثلة خفية في حياة الإنسان لابد أن يدركها أيضاً، كأن يخير الإنسان بين البقاء أو الذهاب لمكان آخر، فهنا جماعته وأهله بينما هناك مجرد دور رسالي لابد أن يقوم به، فمعيار الاختيار يجب أن يكون وفق ما يريد الله وليس وفق ما تهوى النفس وتميل إليه.
البصيرة الثانية: الأمة الإسلامية أمة وسطا
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾
ما معنى الوسط؟
قيل: معنى الوسط أي الخير، وقيل: معناه العدل والقسط، وهناك أقوال مختلفة لكنها في النهاية ترجع إلى شيء واحد وهو ما يأمر به العقل وما يأمر به الشرع يكون هو الوسط، والإسلام هو الوسط لأسباب كثيرة، فمن الناحية الجغرافية عند النظر إلى العالم نجد أن الكعبة المشرفة تقع وسط العالم، وكذلك من الناحية الطبيعية المغناطيسية فهي تمثل مركز الأرض، وما أشبه من أسباب الوسطية.
والأمة تعني مجموعة من البشر يأتمون بإمام، فالأمة ليست عصابة ولا حزب ولا عنصر ولا قبيلة ولا قومية ولا أي شيء آخر، إنما هي أمة، فمن ينتمي إلى هذا الخط فهو منها وإن كان في آخر نقطة من الأرض، وإلا فلا ولو كان في قلبها من حيث الجغرافيا.
والوسطية تعني عدم الميل يميناً أو شمالاً، فلا روحانية مفرطة كما المسيح، ولا مادية قاتلة كما اليهود، فإذا كانت الأمم تتفرق بسبب الميولات المتعددة فإن الإسلام بريء من ذلك، فالحق المحض والعدل والقسط لابد أن يحذف عنها سائر الميولات البشرية لتبقى مستقيمةً على حالتها الوسطية بلا إفراط أو تفريط.
البصيرة الثالثة: مسؤولية الأمة الإسلامية
ولهذه الأمة الوسط صفةٌ أخرى، وهي الشهادة، فهي القدوة لسائر الأمم، فمن أراد أن يعرف الحق يجده متمثلاً بها، لأن أبنائها لا يميلون إلى اليمين أو اليسار، إنما الحق معيارهم.
﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾
ويُخطئ من يتصور أن الأمة الإسلامية لها مميزات من دون مسوؤليات، كلا، إنما عليها مسؤوليةٌ كبيرة وهي الهيمنة على الساحة وقيادتها، لدعوة سائر الناس إلى العدل والوسطية.
ما معنى الشهيد؟
نحن نقول لمن يقتل في سبيل الله شهيد، ولكن في القرآن الكريم ترد هذه الكلمة بمعنى القائد والموجه، ولذلك ربنا سبحانه يقول: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ فإذا أردنا أن نعرف ما هي مسوؤليتنا كأمة وسط تجاه الآخرين فلابد أن نعرف ما هي برامج النبي ومناهجه بالنسبة للأمة، فكما أن النبي صلى الله عليه وآله يتلو على الأمة الآيات ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، كما كان يفعل ذلك نحن أيضاً يجب أن نقوم بنفس المهام والمسؤوليات وبنفس الرسالة تجاه البشرية، لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.
فالأمة الإسلامية ليست أمة منطوية على نفسها، كلا إنما من سماتها التصدي والمقاومة والجهاد، وربنا سبحانه حينما يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ لا يكتفي بذلك، إنما ويقول أيضاً: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾م[5] ، فللفلاح ثلاثة شروط: الإيمان والتقوى، واتخاذ الوسيلة، ثم الجهاد في سبيل الله.
من هنا نعرف أن اتباع القبلة إنما هو ظاهر لواقع، وإطار لمحتوى، إذ يتمثل المحتوى بتشكيل الأمة ذات الشخصية المتميزة التي يقول ربنا سبحانه عنها: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾[6] ، الشخصية التي تؤمن بكل رسالات الله وتتبعها.
البصيرة الرابعة: فلسفة تغيير القبلة
لماذا جعلت القبلة ابتداءً إلى البيت المقدس؟ هل لأجل استمالة اليهود؟! كلا.
هل كان الله تعالى يريد أن يبين أن الأديان واحدة؟ ربما كذلك، ولكن الأساس أن الله تعالى أمر بذلك، لكي يبتلي أولئك القوم، منهم المشركين الذين ما كانوا يرغبون ببيت المقدس، بسبب النظرة العنصرية، ومنهم المؤمنين حيث أراد الله أن يبتليهم، فاختلطت الأمور عليهم.
إن على الإنسان في كل حال أن يطلب مرضاة الله حيثما تحققت، فإذا تطلّب الأمر جهاداً بالسيف كان مستعداً لذلك، أو الهجرة، أو كل ما يأمر به الله تعالى من أمر، فيكون ممتثلاً له من دون أن يكون في صدره حرج أو اعتراض.
ولذلك فإن الله تعالى في الآية الكريمة يقول وهي الوحيدة بهذا المفهوم، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾، فعبادة الله هي الصبغة، فلون الإنسان لا يكون مسيحياً أو نصرانياً أو يسارياً أو يمينياً إنما يكون لله تعالى وما يأمره به ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾، فعبادة الله والخضوع له هي الصبغة المطلوبة.
فهذا عبد الله ابن عمر طلب منه الإمام الحسين عليه السلام أن يأتي معه لأجل إصلاح الأمة بعدما فسدت، وهو الذي كان يدعي أنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فكان هذا رده على الإمام: أصلي ركعتين في مسجد رسول الله أفضل مما تدعوني إليه..!
هذا الرجل اعتاد على العبادة وتصور أنها هي الدين، بينما ترك محتوى الدين وأبعاده الأخرى المتمثلة بالجهاد وإصلاح الأمة مثلاً وهي أعلاها، فما كان يدرك أبعاد الصبغة الإلهية.
وشبيه الأمر بدرجة مختلفة ما حدث مع مالك الأشتر رضوان الله عليه، ومعلوم عندنا كم كان قريباً على أمير المؤمنين ى أعليه، حدث مع ايزة، ةغرافيااولهوا وجوهكم ن ذلك يكون في الوقت المناسبعليه السلام، وكيف بكى الإمام عليه بعد رحيله من الدنيا وقال في حقه: كان لي كما كنت لرسول الله. مع ذلك ما كان من الحواريين، لماذا؟
يقال: أن الإمام علي عليه السلام أمره في صفين بأمر ولكنه لم ينزل إلى أمر الإمام..! فهو في وسط المعركة ويقاتل أرسل له الإمام أن يرجع ويترك القتال، فقال: يا أمير المؤمنين بيننا وبين النصر قاب قوسين. فأرسل له الإمام مرة ثانية وثالثة، ثم قال الإمام: إذا كنت تريد أن ترى إمامك مقتولاً فاستمر بالقتال..! لما سمع هذا الكلام رجع.
فالتأخر عن تنفيذ الأمر الإلهي الصادر من علي عليه السلام وهو ولي الله، هو الذي جعل مالك بتلك الدرجة وما أدرك منزلة الحواريين.
ففتنة الإنسان في كثير من الأحيان أن يأمره الله تعالى بأمر يختلف عن الأمر الأول، فهو قد اعتاد على الأمر الأول فكيف يعدل عنه إلى الأمر الجديد؟! كأن يكون الإنسان عالماً ويطلب منه أن يكون فلاحاً..! - هذا على سبيل المثال - فكيف يتلقى هذا التوجيه؟ هل يمتثل إليه؟ وهكذا يكون الامتحان الإلهي ولابد للعبد من التسليم.
ولذلك ربنا سبحانه يقول:﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، حسب التتبع التاريخي غير معلوم من الذي انقلب على عقبيه هل كانوا من المشركين أم من المسلمين..؟
• ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾
العملية ليست بسيطة إنما هي امتحان عسير وكبير، ولا يقدر عليها إلا صاحب القلب الذي كان خاشعاً لله تعالى بشكل كامل، فيسهل عليه التسليم لأمر الله، فيغير اتجاه قلبه حسب الأمر الذي يبتغيه الرب سبحانه.
• ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾
فسر الإيمان هنا بالصلاة، أي أن الله تعالى يحفظ لكم الصلاة التي صليتموها تجاه بيت المقدس.
لكن لماذا لم يقل صلاتكم، بل قال: ﴿إِيمَانَكُمْ﴾؟
الجواب: الصلاة التي كانت لله تعالى لا تضيع، أما الصلاة التي كانت رياء ومكاءً وتصديه فهي ضائعة بالطبع، ولذلك فإن الله تعالى ما قال صلاتكم إنما قال إ﴿ِيمَانَكُمْ﴾، فجوهر الصلاة هو الإيمان، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
البصيرة الخامسة: تحديد القبلة
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾
دعوة الأنبياء مستجابة، ولكنهم مع ذلك يحرصون على انتظار أمر الله تعالى واتباعه، فالنبي إبراهيم عليه السلام وهو في المنجنيق ما دعا الله تعالى أن يخلصه إنما كان ينتظر صدور الأمر من الله العزيز العليم. كذلك النبي محمد صلى الله عليه وآله كان يرغب أن تكون أمته أمة واضحة المعالم، ولكنه ما كان يطلب ذلك من الله، ربنا سبحانه يخاطبه قائلاً: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، حيث كان يتقلب وجه النبي في السماء وهو ينتظر أمر الله تعالى.
وهذه صفة أولياء الله العظام، أنهم لا يفعلون أمراً من أنفسهم، فهذا إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام لما أخذه القوم يجرونه إلى المسجد في تلك الحادثة العجيبة، وكان سلمان المحمدي رضوان الله عليه واقفاً وينظر فقال في نفسه: أيفعل هذا بهذا ولو أشار لذه لانطبقت على ذه، وعنده الاسم الأعظم..؟! فلما مر الإمام بقربه قال: يا سلمان هذا من الاسم الأعظم. أي التسليم مطلقاً لأمر الله مهما كان.
فالله تعالى يخبر النبي بهذه الآية أننا نرى تقلب وجهك في السماء ونعلم ما يدور في نفسك ولكن ذلك إنما يكون في الوقت المناسب.
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾
الحديث في السياق كان عن الكعبة، أما هنا عن المسجد الحرام، فهل المعنى واحد؟ أو أن المسجد الحرام شُرف بالكعبة؟
لا نعلم سبب تبدل اللهجة، لعل التوجه إلى الكعبة بالذات يكون أمراً معسوراً على المسلمين، أو شيء آخر.
﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي باتجاهه.
وهنا سؤال: هل القبلة ذات الكعبة؟ أم باتجاهها؟ وبينهما فرق يبحث في موضعه.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
أهل الكتاب يعلمون أن هذه هي القبلة الحقيقية، أما بيت المقدس إنما كان قبلة وقتية انتهى وقتها ليعود الأمر إلى الأصل.