الأستاذ السید محمدتقی المدرسي
بحث الفقه
45/10/15
بسم الله الرحمن الرحيم
/ القرآن وآيات الأحكام/مقدمة تمهيدية
الموضوع: مقدمة تمهيدية/ القرآن وآيات الأحكام/
﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾[1]
القرآن كلٌ لا يتجزأ، ووحدة واحدة لا يمكن فصل بعضها عن البعض الآخر، حيث يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[2] ، وإمامنا أمير المؤمنين عليه السلام يقول: (أَنَّ اَلْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً وَ أَنَّهُ لاَ اِخْتِلاَفَ فِيهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: وَلَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاٰفاً كَثِيراً)[3] ، وعلى هذا فإن كل آيات القرآن الكريم وبنوع من الأنواع نعتبرها آيات للأحكام، وربما نجد في روايات أهل البيت عليهم السلام تبياناً للآيات بصورة غير مألوفة عندنا، فعلى سبيل المثال هذه الرواية التي تنقل عن عبد الله بن سنان عن ذريح المحاربي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن الله أمرني في كتابه بأمر فأحب أن أعلمه، قال: وما ذاك؟ قلت: قول الله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: (ليقضوا تفثهم لقاء الإمام، وليوفوا نذورهم تلك المناسك)، قال عبد الله بن سنان: فأتيت أبا عبد الله عليه السلام فقلت: جعلت فداك قول الله ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قال: (أخذ الشارب وقص الأظفار وما أشبه ذلك)، قال: قلت: جعلت فداك فإن ذريحا المحاربي حدثني عنك أنك قلت ثم ليقضوا تفثهم: لقاء الإمام، وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ تلك المناسك، قال: (صدق ذريح وصدقت، إن للقرآن ظاهرا وباطنا، ومن يحتمل ما يحتمل ذريح)[4] ، فأين التفسير الأول من الثاني؟ فهذا تفسير وبيان غير مألوف، مما يدل ذلك على أن القرآن الكريم شامل، وفيه كافة الأبعاد.
ومن هنا نجد علمائنا وعلى مر التاريخ كانوا على قرب دائم من القرآن الكريم..
ولذلك نحن حينما ندرس آيات الأحكام فإننا لا نقتصر على بعض الآيات لورود بعض الكلمات المباشرة في الموضوع المراد تناوله، وإنما نحاول أن نتعمق في سائر الآيات الأخرى ونتدبر فيها للوصول إلى الأحكام الشرعية، وعلى سبيل المثال الآية الكريمة التي بدأنا بها البحث هي تفسر لنا حقيقة العلم، العلم والكلمة الطيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فمن يريد الشجرة فإنه لا يقتصر على جذورها أو سيقانها أو فروعها أو ثمرتها أو أوراقها فحسب، إنما يأخذها بشكل كامل، بما فيها من سائر التفاصيل، وهكذا العلم وهكذا القرآن الكريم، فلابد أن نأخذه بشكل كامل.
﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾، الكلمة الطيبة وحسب الظاهر في الآيات القرآنية أنها تعبير عن الحقائق، ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾[5] ، فالقرآن الكريم كلمة، وعيسى ابن مريم سلام الله عليه كلمة، أي جزء من الحقيقة، والكلمة من باب التكليم بمعنى الجزء.
فحقائق القرآن الكريم كلمة طيبة، فمن أراد أن يعرف حكماً شرعياً، لابد أولاً أن يعرف الإطار العام، كمن يريد التعرف على مدينة معينة لابد أن يعرف الجغرافيا والشعب الذي يسكن فيها وسائر الأمور العمومية الأخرى، ثم بعد ذلك يكون الدخول في التفاصيل، فالأمور العامة في الآيات من معرفة الرب ومعرفة أسمائه الحسنى ومعرفة السنن في الخلق، ومعرفة الأفعال والآيات في الخليقة، ومن خلال ذلك تتم معرفة القرآن.
القرآن كله بكلمة واحدة وتمثلت بقوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، فالقرآن كله كأنه تبيان لهذه الآية، ومعلوم كيف جلس الإمام علي عليه السلام من أول الليل وحتى الفجر مع ابن عباس حيث بين له الحرب الأول من ﴿بسم الله﴾، ثم قال له: لو زادنا الليل لزدناك.
ولعل مثل القرآن كمثل الإنسان، حيث كل الإنسان يختصر في خلية واحدة من خلاياه، حيث فيها كل ما في الجسم من تفاصيل، فالكلمة الواحدة من القرآن تحتوي على كل القرآن، لأن الله تعالى خلق الكون بالحق وبذات الطريقة، والمشكلة في العالم الذي يستخرج هذه الحقائق، كما فعل ذلك الإمام علي عليه السلام في باء ﴿بسم الله﴾.
لذلك علينا أن لا نقتصر الأمر على الآية المباشرة، إنما لابد أن نبين ما يحيط بها من حقائق أخرى من الآيات القرآنية الأخرى، وكلما عجزنا عن الوصول إلى الحقائق من الأدلة الخاصة لابد أن نحاول الرجوع إلى الأصول العامة، لأنها تشكل حكمة الخلق وحكمة الأحكام، فتكون نور وبصيرة للإنسان.
وخلاصة ذلك أن فهم الأحكام متعلق بفهم الدين كاملاً، بفهم القرآن الكريم، ومن ذلك ترى التفاوت بين العلماء في درجة فهمهم وإدراكهم للأحكام، إنما يعود ذلك لمقدار فهم الدين بشموله، وليس للأدلة الموجودة في بطون الكتب مثلاً والتي يستطيع الجميع أن يقرأها، إنما الأمر مرتبط بفهم الأمور العامة وما هو مرتبط بالدليل من حكم، وهذا من اختاص من أوتي العلم والفقه والبصيرة.
الآية الأولى: الحج وقت معلوم
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾[6] .
1- ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾
لا يمكن لأحد أن يحج في غير الأشهر التي حددها الله، لكن لماذا وما الحكمة في ذلك؟
لعل الحكمة من ذلك أن الحج هو اجتماع كتلة اجتماعية كبيرة منتقاة من كل العالم الإسلامي وفي مكان واحد ووقت واحد.
2- ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾
الحج واجب شرعي، وعلى الإنسان أن ينوي، إذ النية دخيلة في وجوب الحج، ﴿فَمَنْ فَرَضَ﴾، أي فرض الحج على النفس، وهكذا الصلاة من الله تعالى، ومطلوب من الإنسان أن ينوي ويدخل في الصلاة، فرحمة الله واسعة وعلى الإنسان أن يستفد منها بإرادته ومشيئته ونيته.
أما الأشهر فهي متمثلة بشهر ذي القعدة ففيه الذهاب، وشهر ذي الحجة، وفيه الحج، وشهر محرم وفيه الرجوع، وهي الأشهر الحرم مضافاً إليها شهر رجب الذي يستحب فيه العمرة.
محرمات الحج
3- ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾
هذه المحرمات الرئيسية في الحج حال الإحرام، وعند دراستها نرى أنها مرتبطة بسلوك الإنسان مع الآخرين، وهي:
أولاً: الرفث ﴿فَلا رَفَثَ﴾، الرفث هو العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة، سواء كانت محللة هذه العلاقة بالزواج ما قبل الحج، أو غير محللة من باب أولى. وآية أخرى تبين معنى الرفث إذ يقول سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾[7] ، أي العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة.
ومن ذلك نفهم تحريم جميع العلاقات الجنسية من أي نوع كانت، فالله تعالى حينما يحرم الزنا فإنه يجعل حرمة للبيت أيضاً ليكون في حصن، كما ويحرم النظر، وكذلك أي نوع من العلاقة بين الرجل والمرأة في غير الإطار الصحيح، فالإسلام حينما يحرم شيء فإنه يحيطه بجملة من المحرمات التي تحافظ عليه..
فنشر الفوضى الجنسية في الأرض والإثارات والتبرج والرقص والغناء وما أشبه كل ذلك يجعل الزنا أمراً طبيعياً إذ كل الواقع مليء بالإثارات التي تدفع إليه..!
وبالعكس من ذلك إذا عملنا على ترك المقدمات بشكل كامل، فإن ترك الزنا يكون أمراً عادياً وسهلاً، فلا يفكر فيه أحد.
كذلك الأمر بما يرتبط بالرفث في الحج، فحتى الشهادة على العقد أو العقد كلها محرمة في الحج، حيث يحرم الإسلام كل ما يرتبط بالعلاقة الجنسية عند الإحرام.
ثانياً: الفسوق
﴿وَلا فُسُوقَ﴾، كل ظلم يصدر من الإنسان تجاه الآخر يعد فسوقاً - حسبما يبدو- ومن الظلم التعالي على الآخرين، وأصل الكثير من المحرمات والمشاكل يعود إلى تفضيل الإنسان نفسه على الآخرين. لكن ما علاقة هذا بالحج؟
الناس يأتون إلى الحج من أماكن وأنماط ومستويات مختلفة، ومشكلة الإنسان الأنانية والتفاخر بما عنده من مميزات على غيره من الناس، فيتعالى البعض على البعض الآخر، وفي الجاهلية كان يحدث ذلك كثيراً فكل قوم يفتخرون بما عندهم ويهجون غيرهم من الأقوام، وربنا سبحانه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾[8] ، فالسخرية أو التفاخر أو ما أشبه كل ذلك من الفسوق وهو محرم.
ثالثاً: الجدال
﴿وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، للإنسان أفكار ويريد أن يطرحها على الآخرين، وطرح الأفكار على الآخرين لا إشكال فيه ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾[9] ، ولكن بشرط أن لا يصل ذلك إلى مرحلة الجدال ومحاولة إثبات الكلام بأية طريقة ممكنة، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[10] .
وفي الحديث الشريف في بيان قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، عن الإمام الصادق عليه السلام: (أَمَّا الْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَأَنْ تُجَادِلَ بِهِ مُبْطِلًا فَيُورِدَ عَلَيْكَ بَاطِلًا فَلَا تَرُدَّهُ بِحُجَّةٍ قَدْ نَصَبَهَا اللَّهُ وَ لَكِنْ تَجْحَدُ قَوْلَهُ أَوْ تَجْحَدُ حَقّاً يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمُبْطِلُ أَنْ يُعِينَ بِهِ بَاطِلَهُ فَتَجْحَدُ ذَلِكَ الْحَقَّ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْكَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي كَيْفَ الْمَخْلَصُ مِنْهُ فَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى شِيعَتِنَا أَنْ يَصِيرُوا فِتْنَةً عَلَى ضُعَفَاءِ إِخْوَانِهِمْ وَ عَلَى الْمُبْطِلِينَ أَمَّا الْمُبْطِلُونَ فَيَجْعَلُونَ ضَعْفَ الضَّعِيفِ مِنْكُمْ إِذَا تَعَاطَى مُجَادَلَتَهُ وَ ضَعُفَ فِي يَدِهِ حُجَّةً لَهُ عَلَى بَاطِلِهِ وَ أَمَّا الضُّعَفَاءُ مِنْكُمْ فَتُغَمُّ قُلُوبُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ضَعْفِ الْمُحِقِّ فِي يَدِ الْمُبْطِلِ)[11] ، وهنا بيان واضح حيث لابد من قول الحقيقة سواء في الهدف أو في الوسيلة إليه.
ثم ربنا سبحانه بعد ذلك يقول: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، ليس في الحج قيادة لأحد على أحد، إنما كل واحد بمفرده ويكون الأمر ما بينه وبين الله تعالى، والله تعالى يعلم بكل خير يفعله الإنسان.
التقوى من حكم الحج
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾
ومن هذه الخاتمة للآية الكريمة نفهم حكمة من حكم الحج وهي التقوى، فمطلوب من الإنسان أن يزداد ورعاً ومعرفة بالله تعالى، فيكون ذلك ثمرة للحج.
وهذه الآية الكريمة هي الآية الأم من آيات الحج، ولها حقائق أخرى لعلنا نوفق لبيانها..