« قائمة الدروس

الأستاذ السید محمدتقی المدرسي

بحث الفقه

45/10/14

بسم الله الرحمن الرحيم

فقه القرآن - آيات الحج

بسم الله الرحمن الرحيم

فقه القرآن : آيات الحج
أول: مباحث تمهيدية – توصيات عملية لطالب العلم

التمهيد الأول: حقيقة العلم

كما لو كان للإنسان مزرعة وبجنبها نبع ماء صافٍ يروي به مزرعته كلما احتاج إليه، كذلك مزرعة الفقه والمعرفة، فهي تتعرض للجفاف وقلة الثمر، والسبيل لسقيها وريها عبر توحيد الله عز وجل، ذلك لأن أول العلم معرفة الجبار، فالتوجه إلى الله يفتح لذيذ الفهم.

المعرفة الدينية تختلف عن سائر المعارف، فالدين من الله سبحانه وتعالى، وإشراقاته منه سبحانه، فلا يمكن الاكتفاء بمجرد قراءة الدعاء مثلاً..! فيقول: اللهم إني أعوذ بك أن أجهل أو يجهل عليَّ، أو الأدعية التي تقرأ عند بداية الدرس، ومن ثم يرجو أن يصل إلى حقيقة العلم، كلا، إنما لابد أن يكون التواصل مستمراً، وبالذات عند الاصطدام ببعض المشاكل والقضايا المعقدة، فإنه وفي حال الاهتام الكبير والمتصاعد بالعلاقة مع الله فإن الآفاق تتفتح أمامه بشكل كبير.

ينبغي لطالب العلم أن يجعل طريقه إلى العلم طريقان: الأول في النهار فلابد أن يقرأ الكتب ويحضر الدرس والبحوث، والثاني في النهار، حيث يأخذ العلم من الله تعالى بشكل مباشر، [ومن الله فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً]، فالمقام المحمود اختصه الله تعالى بالذين يقومون في الليل ويتهجدون في الاسحار.

التمهيد الثاني: الحوزات والبعد التربوي

في السابق كان هناك ما يمسى بالأديرة، والدير هو المكان المناسب الذي كان يلجأ إليه بعض الناس بقد التبتل إلى الله تعالى، لما فيه من أجواء هادئة وبعيدة عن صخب الدنيا، في سبيل تصفية أنفسهم وتطهيرها.

ويبدو أن حوزاتنا العلمية كانت بديلة عندنا نحن الشيعة عن الأديرة، فالذي يدخل إلى الحوزة ليس هدفه الحصول على العلم وحسب، إنما على العلم وكذلك إصلاح النفس وتزكيتها. ونحن إذ نقرأ في القصص المتناثرة كيف أن علماؤنا كانوا يتعاهدون تلاميذهم بمثل هذه الأمور، فيسأل الواحد منهم: هل صليت البارحة صلاة الليل؟ هل قرأت زيارة عاشوراء؟ هل صمت الأيام البيض؟ وهكذا ما يشبه هذه التوجيهات، وهذا لعمري أعظم ثواباً وأعظم فائدة من العلم الذي يكتسبه من نفس العالم، ذلك لأن العلم قد يراه في كتاب فيقرأه، أو في درس يسمعه، بينما التوجيه المباشر الذي يتفضل به أستاذه هو فوق العلم.

ولذلك نجد اهتماماً من العلماء وحرصاً منهم ليكونوا مع علماء سابقين، ذلك من أجل الحصول على البعد التوجيهي من أنفاسهم الزكية ليكون لهم عوناً على تطهير أنفسهم وإصلاح ذواتهم.

ومن هنا أقترح التالي: أن يتم إضافة بُعد التوصية والتعليم والموعظة وما أشبه إلى الحوزات العلمية، لما له من تأثير كبير على طالب العلوم الدينية.

فالحوزة العلمية ليست مجرد إطارٍ علمي، وإنما أيضاً هو إطار تربوي، وقد يكون شبيهاً بالأديرة والمساجد، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول لأصحابه: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فيها)، قيل وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: (مجالس العلم)، فمجالس العلم وبتصريح من نبينا الأكرم هي روضة من رياض الجنة، وليست مجرد معلومات عابرة وخاطفة.

هذا البعد لابد أن نعمل على توفيرها في حوزاتنا العلمية بكل شكل وباية صورة ممكنة، وربَّ مدرسة ظاهرها خراب، وإمكاناتها قليلة، والاعتراف بها من قبل الآخرين شحيح، ولكن النفس الذي في هذه المدرسة والعالم الذي فيها هو الذي يجعل الطلاب يتهافتون على هذه الحوزة، ليستفيدوا من محضر العالم الذي فيها.

وهنا لابد من ملاحظة، إذا لم يكن في الحوزة رجلاً من هذا الطراز الرفيع فيقتبس الطلبة من رشحاته التربوية فإن هناك حلاً بديلاً، حيث يقومون بالبحث عن هذا النوع وأين يتواجدون ثم ينقولن أنفسهم لزيارته والجلوس عنده، أو يكون العكس حيث يأتي العالم زيارة إلى الحوزة، ذلك من أجل الحصول شيء منه، وزيارة العلماء إلى الحوزات كانت عادة عند علمائنا الكرام.

التمهيد الثالث: طالب العلم والوعي السياسي

نحن في حوزاتنا العلمية وفي هذه المرحلة بالذات نمر بظروف سياسية قاسية، حيث تدع الحليم حيراناً، فأمتنا الإسلامية اليوم تمر بأمواج متلاحقة من الإعلام الخبيث المسموم الذي يهدف تحريف الناس عن الحق وإضلالهم عن الطريق، فيحول الأبيض أسوداً والأسود أبيضاً، فيخدع الناس بزخرف القول.

لذلك على طالب العلم أن يتعلم التحليل السياسي وفهم الظروف، حيث يعرف السياسة ويعرف كيف يميز الأمور فيها ويحدد الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

أنا لا أدعو لوجود مثل هذه الحلقات بشكل دائم مما تسبب الانشغال عن طلب العلم، إنما لابد أن تكون العناية بالقضايا السياسة ولو بشكل معين وبجزء من الحديث للإحاطة بالأحداث، إذ عدم فهم الواقع وعدم الإحاطة بمجريات الساحة يسبب كارثة لطالب العلم في الواقع، حيث ترى أحدهم يسأل الآخر: كم عمر داعش؟ فيجيبه: لا أعلم، ولكن بحدود الأربعين عاماً..! يتصوران أن داعش هو اسم شخص، ذلك بسبب المستوى المتدني من المعرفة السياسية.

فلابد من الوعي السياسي، حيث يفهم طالب العلم ما يجري حوله وما يجري في العالم، لما يتميز به طالب العلم من موقعية بين الناس، فيحتاجون إلى توجيهه ورأيه، فكيف إذا كان غير مدرك لأبسط ما يدور من أحداث.

ولابد من معرفة الأصول الأساسية للتحليل السياسي من القرآن الكريم ومن الروايات الشريفة، وكذلك من التجارب السابقة لعلمائنا الكرام، ذلك لأن الشيعة عبر التاريخ واجهوا تحديات كبيرة ومريرة، فهم اليوم قد اختزنوا من تلك التحديات المزيد من التجارب، فيفهمون كيف يتعاملون مع كل عارض ومع كل حادث، وهذه التجارب لابد أن لا نستهين بها.

فمعرفتنا بهذا التاريخ يؤهلنا للاستفادة من تلك التجارب مما يسهل علينا التعامل مع الأحداث السياسية بالذات، وهذا الدور يقع أولاً على عاتق طالب العلم الذي سيكون عالماً في الغد والأمة تحذو حذوه، وهذه المعرفة يختزنها في نفسه وعند اللحظة الحاسمة ينتفع بها.

 

logo