« قائمة الدروس

الأستاذ السید منیر الخباز

بحث الفقه

45/10/19

بسم الله الرحمن الرحيم

/شروط صحة العقد /

 

الموضوع: /شروط صحة العقد /

 

الصورة الخامسة: الاختلاف بين الموجب والقابل في خصوصية المتعاملين:

ومثاله: ما إذا قال البائع: (بعتُكَ الكتاب بكذا) فقال المشتري: (قبلتُ لفلان) أو قال فلان الثالث: (قبلتُ البيع) مع أنّ البيع كان موجهاً للمخاطب.

فهل الاختلاف بين الإيجاب والقبول في خصوصية المتعاملين يؤدي إلى عدم التطابق بين الإيجاب والقبول المفضي لعدم صدق عنوان العقد أم لا؟

لا ريب أنّ البحث لا يشمل اختلاف المتعاملين بنحو المُوَكل والوكيل؛ باعتبار أن الوكيل ممثلٌ للأصيل، فلو قال البائع لشخص: (بعتُكَ الكتاب بكذا) فقال: (قبلتُ) وهو يقصد القبول عن مُوَكله لمعهودية ذلك بين الطرفين لم يضر ذلك بصدق عنوان العقد؛ فإنّه حيث كان ممثلاً للموكل بحسب الاعتبار الشرعي أو القانوني، فقد تحقق التطابق بإمضاءه بين الإيجاب والقبول.

وإنما البحث فيما إذا اختلف مقصود المتعاملين من حيث المالِك بالأصالة، كما لو قال: (بعتُكَ الكتاب بكذا) فقال ثالث: (قبلتُ البيع) أو قال المخاطب: (قبلتُ البيع لفلان) ولم يكن وكيلاً عنه.

وهنا اتجاهات أربعة:

الاتجاه الأول: ما ذهب إليه المحقق النائيني (قدس سره) من عدم مانعية الاختلاف في خصوصية المتعاملين من صدق عنوان العقد، ولا من صدق وحدته، فقد أفاد[1] أن الاختلاف الضائر هو الاختلاف في ركن المعاملة الموجب لعدم صدق عنوان العقد، كالاختلاف في عنوانها، كما إذا قال: (بعتُكَ الكتاب) فقال: (قبلتُ الهبة)، أو كان اختلافاً في المبيع كما إذا قال: (بعتُكَ الكتاب) فقال: (قبلتُ بيع الفرس)، أو الاختلاف الذي يمنع من صدق وحدة العقد كما في فرض الاختلاف في الشروط كما إذا قال: (اشتريتُ الكتاب بشرط أن يكون من طبعة كذا) فقال: (قبلتُ بيع الكتاب لا بشرط) فإنّ هذا وإنْ لم يوجب اختلاف المعاملة - فهي بيعٌ على كل حال - لكنه مانعٌ من صدق وحدة المعاملة، فإنّ البيع المشروط غير البيع اللا مشروط.

وأما الاختلاف في خصوصية المتعاملين فليس مخلاً بركن المعاملة، ولا مانعاً مِن صدق وحدة المعاملة.

والسر في ذلك: أنّ البيع - مثلاً - تبديل طرفيّ الاضافة، بمعنى المبادلة بين المالين في جهةٍ معينة، كما إذا قال: (بعتُ هذا الفرس بهذا المبلغ ألا وهو المليون دينار) بغض النظر عن من هو مالِك العوضين، فإنّ حقيقة المعاوضة بيعاً أو إجارة ليست إلا تبديل طرفيّ الاضافة بأنْ يحل أحدهما محل الآخر في جهته، كأنْ يحل الثمن محل المثمن في المِلكية، أو يحل المثمن محل الثمن في الوقفية أو الحقية.

ولذلك نجد في عصرنا الحاضر في بورصة الأسهم أنّ بائع السهم يعرض مبيعه دون أنْ يحدد مَن هو المشتري، أو أن المشتري يقول: (أقبل شراء سهمٍ بكذا) بغض النظر عن بائعه، مما يعني أنّ خصوصية المتعاملين لا دخل لها في صدق عنوان البيع وهو تبديل طرفيّ الاضافة، كما لا خصوصية لها في المعاوضة بالجملة.

ولذا تقع المعاملة كمعاملة البيع بين الفضوليين، والغاصبين، فلو أنّ الفضولي قال: (بعتُ هذه السيارة بكذا) وبعد سنةٍ أجازَ مالِكُ المَبيع البيع عن نفسه، أو أنّ الغاصب باع السيارة لنفسه وبعد سنةٍ أجازَ المالِك البيع له لا للغاصب صح البيع، مما يعني أنّ عنوان المعاملة كالبيع والعقد ليس متقوماً بخصوصية المتعاملين من كونهما "زيداً وبكراً" أو "زيداً وخالداً" أو نحو ذلك.

وهذا بخلاف النكاح، فإنّ العُلقة فيه بين الزوجين بمنزلة العلقة بين العوضين في البيع والإجارة، فلأجل ذلك لا بُدَّ فيه من تعيين الزوجين في عقد النكاح؛ لأنّ مؤداهُ العُلقة بين الشخصين بخلاف المعاوضات كالبيع والإجارة فإنّ مضمونه العُلقة بين المالين بغض النظر عن المتعاملين، ولذلك لا بُدَّ في النكاح من التطابق بين الإيجاب والقبول من حيث طرفيّ النكاح بخلاف البيع فإنّه لا بُدَّ فيه من التطابق بين الإيجاب والقبول بلحاظ المالين لا بلحاظ المتعاملين.

الاتجاه الثاني: ما ذهب إليه المحقق الأصفهاني (قدس سره) [2] [حاشيته على المكاسب، ج1، ص290]، من اعتبار التطابق في خصوصية المتعاملين كاعتبار التطابق في خصوصية المالين وفي خصوصية الشروط وفي سائر التوابع.

والسر في ذلك: ما ذكره في حاشيته بقوله: (بل من نفس اعتبار المعاهدة والمعاقدة بحيث لو لزم في العقود إيجابان مرتبطان للزم التطابق أيضاً، إذ لو لم يتوارد الإنشاءان على مورد واحد لما كان متعاهدين ولا متعاقدين، بل لكل منهما عهد غير مربوط بالآخر، والاعتبار بالقصد العهدي العقدي، لا بالقصد الخارجي الذي لم يقع العهد والعقد عليه) أي أنّ العقد متقومٌ بالمعاهدة، والمعاهدة من الأمور القصدية، فالمدار فيها على القصد حين انشاء العقد لا على القصد فيما هو خارج عن العقد، كما لو طبق من قصد تمليكه حين العقد على زيد حين تسليم المبيع، (فإذا قال: (بعت من موكلك) ولم تقم قرينة على خلاف القصد العهدي المنكشف بالعقد اللفظي لم يصح القبول عن نفسه) كأن يقول: (قبلتُ بيع السيارة لنفسي) فإنّ مَن قصد تمليكه البائع هو المُوَكل ومَن قصد قبوله بالبيع هو الوكيل لنفسه لا للموكل، فلم يتطابق القصدان العقديان، وعدم تطابق القصدين العقديين مانعٌ مِن صدق عنوان العقد، (وإنْ كان الغرض النوعي متعلقاً بمبادلة مال بمال) وكأنّ هذا تعريضٌ بالمحقق النائيني (قدس سره) الذي يرى أنّ قوام البيع بالمبادلة بين المالين وأنّ المهم لدى المشتري أنْ يدخل المبيع في مِلكه بغض النظر عن البائع، والمهم لدى البائع أن يدخل الثمن في مِلكه عوض المبيع بغض النظر عن المشتري، فالغرض النوعي في البيع متعلقٌ بالمالين لكن الغرض النوعي شيءٌ، وما قصده المتعاملان بحيث يكون محققاً لمعاهدةٍ بينهما شيءٌ آخر، حيث إنّ الغرض النوعي بمثابة الداعي والمحرك نحو المعاملة، إلا أنّ قوام المدعو إليه وهو نفس المعاملة بما قصده البائع حين العقد، فإنْ كان ما قصده هو خصوصية المُوَكل بينما المشتري قبل البيع لنفسه، لم يتطابق القصدان.

(إلّا إذا كانت قرينة نوعية متبعة في صرف اللفظ عن ظاهره) كما لو كان الغالب في السوق مثل سوق الأسهم في منصة البورصة – مثلاً - هو عدم ملاحظة خصوصية المتعاملين فهذه قرينةٌ نوعيةٌ تُوجبُ صرف ظاهر اللفظ لماعليه القرينة، وإلا لولا هذه القرينة النوعية لكان الاختلاف في خصوصية المتعاملين مانعاً مِن صدق عنوان المعاقدة والمعاهدة بينهما.

الاتجاه الثالث: ما ذهب إليه سيدنا الخوئي (قدس سره)[3] ، وتبعه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) [4] مِن التفصيل بين الأعيان الخارجية وبين الذمم، كما أفاد ذلك سيدنا الخوئي (قدس سره) وحاصله: ( لما أسلفناه في تعريف البيع، من أنه تبديل عين بعوض في جهة الاضافة) كأنْ يبدل الدار بالثمن في جهة الدار، فلو كانت الدار مِلكاً حل الثمن محلها في المِلكية، ولو كانت الدار وقفاً حل الثمن محلها في الوقفية، ولو كانت الدار محل حقٍ حل الثمن محلها في الحق، وهكذا.

فقد يقال: لما كان البيع عبارة عن تبديل عينٍ بعوضٍ في جهة الإضافة اقتضى عدم ملاحظة المتعاملين.

والجواب عنه: أنّ البيع إنما يقتضي عدم ملاحظة المتعاملين في فرض كون العوضين من الأعيان الخارجية، كما لو قال: (بعتُ هذا الكتاب بهذا المبلغ) وأشارَ إلى مالين خارجيين فإنّه هنا لا حاجة إلى تعيين المتعاملين؛ وكأنّ الوجه في ذلك: أنّ البائع قصد ادخال المُثمن في مِلك مَن خرج عن مِلكه الثمن، وقصد المشتري ادخال الثمن في مِلك مَن خرج عن مِلكه المُثمن، وحيث إن المبادلة بين العينين الخارجيين تقتضي ضمناً تحديد المتعاملين، فلا حاجة إلى التعيين التفصيلي، أي إذا قال: (بعتُ هذه السيارة بهذا الثمن) فمن الواضح أنّه قد قصد تمليك السيارة لمن الثمن ملك، والعكس أيضاً كذلك، فالمبادلة بين الأعيان الخارجية تتضمن التعيين الإجمالي للمتعاملين فلا حاجة بعد ذلك إلى تحديد المتعاملين تفصيلاً.

(وأما إذا كان أحدهما كلياً في الذمة)، ولم يقل: "وإذا كان كلاهما كلياً"؛ بلحاظ أنّ المشهور عدم صحة بيع الكالي بالكالي، (وأما إذا كان أحدهما كلياً في الذمة) بأنْ قال: "بعتُ هذه السيارة بمليون دينار في ذمة المشتري" (فإنه عندئذٍ لا بُدَّ من اعتبار التطابق بين الإيجاب والقبول من ناحية البائع والمشتري، ضرورةَ أنّ ذمم الأشخاص مختلفة بحسب قوة الوثاقة وضعفها، إذ رُبّ شخصٍ لا يُعتمد عليه في الأمور الحقيرة، ورُبّ شخص تطمئن إليه النفس في الأمور الخطيرة) فالذمم مختلفة، فإذا قال: (بعتُ هذه السيارة بمائة مليون) فلا بُدّ أن يكون صاحب المائة مليون صاحب ذمة يعتمد ويوثق به في الأمور الخطيرة، بخلاف ما إذا قال: (بعتُ صُرة البقل – مثلاً - بربع دينار).

فبما أنّ الذمم تختلفُ مِن حيث قوة الوثاقة بها أو ضعفها، فإذا باعَ زيدٌ لبكرٍ وقَبِل بَكرٌ لخالدٍ، أو قَبِلَ خالدٌ البيع مع أنّ المعاملة كانت بين زيدٍ وبكر، لم يتحقق التطابق بين الإيجاب والقبول؛ باعتبار أنّ الذمم مختلفة قوةً وضعفاً، واختلاف مستوى الذمة التي يضاف لها المال مُوجبٌ لاختلاف مالية الثمن بحسب الرغبة السوقية، فلا بُدَّ من اضافة الذمة لشخصٍ معينٍ يثقُ البائعُ بذمته؛ بل إنّ مرجع الاختلاف في المقام للاختلاف في العوضين، أي رجوع هذه الصورة إلى الصورة الثانية وهي الاختلاف في العوضين؛ لأنّ الكلي ما لم يضف لذمة معينة فليس بمال، وحيث إنّ ماليته بإضافته للذمة كان اختلاف الذمم مساوقاً لاختلاف الثمن، فإذا قال: (بعتُ هذه السيارة بمائة مليون) وقال خالد الذي هو خارج عن دائرة المتعاملين: (قبلتُ البيع لنفسي) والمفروض أنّ ذمة خالد لا تتحمل المائة مليون فالاختلاف بينهما في خصوصية المتعاملين راجعٌ للاختلاف في العوضين؛ لأنّ المائة مليون في ذمة بكر غير المائة التي في ذمة خالد، فلا محالة يكون الاختلاف في الذمة موجباً للاختلاف في العوضين الذي هو مانعٌ مِن صدق العقد.

 


logo