« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

47/04/11

بسم الله الرحمن الرحيم

مَن كان من أهل مكّة وخرج إلى بعض الأمصار/فصل في أقسام الحجّ /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في أقسام الحجّ /مَن كان من أهل مكّة وخرج إلى بعض الأمصار

 

ثمّ، مع غضّ النظر عن الدليل اللفظي، وهو الصحيحتان الدالّتان على التخيير بين حجّ التمتّع وحجّ القران أو الإفراد، يقع البحث في الأصل العملي لو وصلت النوبة إليه، أي: لا نعلم أنّ المكّي الخارج إلى بعض الأمصار وعاد إلى مكّة هل له حجّ التمتّع أو لا؟ فما هو الأصل العملي؟ وقد ذكر المصنّف (قده) أنّ الأصل يقتضى الاشتغال؛ وذلك لدوران الأمر بين التعيين والتخيير، فإنّ الحجّ الواجب على هذا المكلّف إمّا أن يكون متعيّناً في القران أو الإفراد لكونه من أهل مكّة، وإمّا أن يكون مخيّراً بينه وبين التمتّع. وعليه، يتعيّن الإتيان بحجّ القران أو الإفراد؛ لأنّ الإتيان بأحدهما يوجب القطع بفراغ الذمّة، من حيث أنّ القران أو الإفراد إمّا أن يكون هو الواجب بالتعيين، أو أنّه أحد طرفي التخيير، بخلاف حجّ التمتّع فإنّ الإتيان به لا يوجب القطع بفراغ الذمّة؛ لاحتمال أن يكون التكليف متعيّناً في القران أو الإفراد.

ولكن ناقش المحقّق الخوئي (قده)[1] ما ذُكر من أنّ الأصل في الشكّ بين التعيين والتخيير يقتضي الاشتغال، فقال: إنّ‌ الشكّ بين التعيين والتخيير إنّما يقتضي الاشتغال في موردين:

الأوّل: مورد التزاحم، كما إذا دار الأمر بين إنقاذ غريقين، أحدهما عالم ينتفع الناس بعلمه، والآخر عامل بناء، ولم يتمكّن المكلّف من إنقاذهما معاً، فإذا شُكّ أنّ الواجب متعيّن في إنقاذ العالم (لأهمّيته)، أو مخيّر بين إنقاذه وإنقاذ الآخر، ففي هذه الحالة يتعيّن إنقاذ العالم؛ لأنّ الواجب إذا كان متعيّناً في إنقاذه فقد حصل الامتثال، وإن كان مخيّراً فقد حصل الامتثال أيضاً؛ لأنّ إنقاذ العالم يكون أحد فردي التخيير.

الثاني: موارد الشكّ‌ في الحجّية، كما إذا شكّ في كون الحجّة على نحو التعيين أو التخيير، فهنا يُؤخذ بالتعيين أيضاً؛ لأنّ الإتيان به يوجب القطع بفراغ الذمّة، من جهة أنّ الواجب إذا كان تعيينياً فقد أتي به، وإن كان تخييرياً فإنّ الإتيان بالتعيين يكون امتثالاً لأحد فردي التخيير.

وأمّا في موارد الشكّ في التكليف كالقصر والإتمام التي يدور أمر الواجب بين التعيين والتخيير، كما لو شكّ المكلّف في أنّه هل يتعيّن عليه القصر (لأنّه مسافر غير مقيم) أو يتخيّر بين القصر والتمام (لأنّه في الحائر الحسيني مثلاً)، فمقتضي الأصل هنا هو البراءة من التعيين (القصر)؛ وذلك لأنّ‌ المورد من صغريات دوران الأمر بين الأقل والأكثر، فإنّ‌ الطبيعي الجامع ـ وهو الصلاة ـ معلوم الوجوب، وتقييده بخصوص أحدهما مشكوك فيه، وهو أمر زائد، والأصل يقتضي البراءة منه، دون الاشتغال.

وكذلك الحال في المقام، فإنّ هذا المكّي الخاص الذي خرج من مكّة إلى بعض الأمصار ثمّ رجع إلىها وأراد الحجّ، فإنّ أمره يدور بين التعيين (حجّ القران أو الإفراد لأنّه من أهل مكّة)، وبين التخيير بينه وبين حجّ التمتّع (لوجود الصحيحتين المتقدّمتين)، فالأصل هنا يقتضي البراءة من التعيين؛ لأنّ الطبيعي ـ وهو الحجّ ـ معلوم الوجوب، وتقييده بخصوص التعيين مشكوك فيه، وهو أمر زائد، والأصل يقتضي البراءة منه، فكما أنّ أصل التكليف وثبوته يحتاج إلى بيان، كذلك التقييد الزائد على أصل التكليف المعلوم يحتاج إلى بيان، وحيث لا بيان على التقييد فالأصل يقتضي البراءة، ونتيجته التخيير.

إذن، الأصل العملي كالأصل اللفظي يقتضي التخيير، وإن كان الأمر يدور بين التعيين (حجّ القران أو الإفراد)، والتخيير بينه وبين حجّ التمتّع؛ وذلك لأنّ الشكّ هنا يرجع إلى الشكّ في تقييد التكليف بأحد الفردين، وهو نظير الشكّ بين القصر والتمام، وحيث إنّ التعيين وتقييد التكليف ـ سواء تعلّق التقييد بحجّ القران والإفراد أو بحجّ التمتّع ـ يحتاج إلى مؤونة زائدة وبيان من المولى، وهو أمر مشكوك فيه، فالأصل يقتضي البراءة من تقييده بخصوص أحدهما، وبالنتيجة يتخيّر بين الأقسام الثلاثة للحجّ، فإنّ التخيير لا يحتاج إلى مؤونة زائدة.

وبناء على ذلك، فإنّ المكّي يتعيّن عليه القران أو الإفراد، إلّا هذا المكّي الخاص الذي خرج من مكّة إلى بعض الأمصار ورجع إليها وأراد الحجّ، فإنّه يتخيّر بين الأقسام الثلاثة للحجّ.

ثمّ، إنّ المصنّف (قده) بعد أن اختار القول بتعيّن حجّ القران أو الإفراد على هذا المكّي الخاص خلافاً للمشهور، ذكر أنّه لا يبعد أن يكون محلّ كلام العلماء وحكمهم بالتخيير فيما إذا تحقّقت الاستطاعة بعد الخروج عن مكّة، وأمّا إذا تحقّقت الاستطاعة قبل خروجه منها فيتعيّن عليه القران أو الإفراد؛ وذلك لأنّ القران أو الإفراد وجب عليه وهو في مكّة، فلا موجب لتبديله إلى التمتّع بعد الخروج.

وفيه: إنّه مع غضّ النظر عن الصحيحتين المتقدّمتين قد يُقال بالتفصيل المذكور، إلّا أنّ إطلاق الصحيحتين يمنع من ذلك، فإنّ الإطلاق يقتضي شمول الحكم بالتخيير في كلا الصورتين، فلا وجه لتخصيصه بصورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عن مكّة، فالمتعيّن هو العمل بالإطلاق فيهما، فيخصّصان ما دلّ على أنّ أهل مكّة لا متعة لهم. وعليه، فإنّ هذا المكلّف يتخيّر بين القران والإفراد أو التمتّع، سواء استطاع في مكّة وخرج منها إلى بعض الأمصار ثمّ رجع إليها وأراد الحجّ، أو استطاع بعد الخروج منها.

 


logo