47/04/07
مَن كان له وطنان ... ومَن كان من أهل مكّة وخرج إلى بعض الأمصار ثمّ رجع إليها.../فصل في أقسام الحجّ /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في أقسام الحجّ /مَن كان له وطنان ... ومَن كان من أهل مكّة وخرج إلى بعض الأمصار ثمّ رجع إليها...
هذا، إذا كان مستطيعاً من كلا الوطنين.
وأمّا إذا كان مستطيعاً من أحد الوطنين بتجارة فيه، أو بوصول إرث له، فقد ذهب المصنّف (قده) إلى لزوم الحجّ من ذاك الوطن الذي تحقّقت فيه الاستطاعة دون غيره.
وقد ناقش غير واحد من العلماء ـ كالسيّد الحكيم والسيّد البروجردي (قدّس سرّهما) ـ ما ذهب إليه المصنّف (قده) من لزوم الحجّ من وطن الاستطاعة، فذهبوا إلى إنّ ما استدلّ عليه المصنّف (قده) لإثبات التخيير جار هنا أيضاً؛ إذ إمّا أن تكون الأدلّة الدالّة على وجوب الحجّ للبعيد والقريب منصرفة عن المكلّف الذي استطاع من أحد الوطنين دون الآخر، أو أنّ الواجب عليه حجّ واحد وهو الإتيان بطبيعي الحجّ.
وبناء على ذلك، إذا صدق عنوان المستطيع على هذا المكلّف بتحقّق الاستطاعة من أحد الوطنين، أمكن التمسّك بإطلاق أدلّة وجوب الحجّ، أو بالعام الفوقاني، كقوله تعالى: ﴿وَلِله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾[1] ، من غير تقييد بنوع خاص. وبالنتيجة، يتخيّر المكلّف بين وظيفتي التمتّع أو القران والإفراد مطلقاً ، سواء حصلت الاستطاعة من كلا الوطنين أو من أحدهما فقط.
إذن، لا يصحّ ما ذهب إليه المصنّف من التفصيل.
(مسألة2): مَن كان من أهل مكّة وخرج إلى بعض الأمصار ثمّ رجع إليها، فالمشهور جواز حجّ التمتّع له، وكونه مخيّراً بين الوظيفتين، واستدلّوا بصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد الله (عليه السلام): «عن رجل من أهل مكّة يخرج إلى بعض الأمصار، ثمّ يرجع إلى مكّة فيمرّ ببعض المواقيت، أله أن يتمتّع؟ قال (عليه السلام): ما أزعم أنّ ذلك ليس له لو فعل، وكان الإهلال أحبّ إلي»، ونحوها صحيحة أخرى عنه وعن عبد الرحمن بن أعين عن أبي الحسن (عليه السلام)، وعن ابن أبي عقيل عدم جواز ذلك، وأنّه يتعيّن عليه فرض المكّي إذا كان الحجّ واجباً عليه، وتبعه جماعة لما دلّ من الأخبار علي أنّه لا متعة لأهل مكّة، وحملوا الخبرين على الحجّ الندبي بقرينة ذيل الخبر الثاني.
ولا يبعد قوّة هذا القول مع أنّه أحوط؛ لأنّ الأمر دائر بين التخيير والتعيين، ومقتضى الاشتغال هو الثاني، خصوصاً إذا كان مستطيعاً حال كونه في مكّة فخرج قبل الإتيان بالحجّ، بل يمكن أن يقال: إنّ محلّ كلامهم صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عنها، وأمّا إذا كان مستطيعاً فيها قبل خروجه منها فيتعيّن عليه فرض أهلها[2] .
مَن كان من أهل مكّة وخرج إلى بعض الأمصار ثمّ رجع إليها، فقد ذهب المشهور إلى جواز حجّ التمتّع في حقّه، وأنّه مخيّر بين وظيفتي التمتّع أو القران والإفراد، لكن خالف في ذلك ابن أبي عقيل، فذهب إلى عدم جواز حجّ التمتّع عليه، وأنّ وظيفته حجّ القران أو الإفراد، وتبعه على ذلك جماعة، استناداً إلى أنّ حجّ التمتّع إنّما هو فرض النائي، وهذا المكلّف ليس كذلك.
والصحيح ما ذهب إليه المشهور، وقد استدلّوا عليه بصحيحتين:
الأُولى: صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «سألته عن رجل من أهل مكّة يخرج إلى بعض الأمصار ثمّ يرجع إلى مكّة، فيمرّ ببعض المواقيت، أله أن يتمتّع؟ قال: ما أزعم أنّ ذلك ليس له لو فعل، وكان الإهلال أحبّ إليّ»[3] .
والمراد من الإهلال هو الشروع في العمل، ففي حجّ الإفراد يتحقّق ذلك بالشروع في الحجّ، وفي حجّ التمتّع يكون الشروع بالعمرة. وعليه، فإنّ المراد من لفظ «الإهلال» الوارد في هذه الصحيحة ـ وكذا «الإهلال بالحجّ» الوارد في الصحيحة الأُخرى ـ هو حجّ الإفراد، وبذلك تدلّ الصحيحة على جواز التمتّع، إلّا أنّ الإفراد أفضل؛ لقوله (عليه السلام): «الإهلال أحبّ إليّ».
والثانية: صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج وعبد الرحمن بن أعين قالا: «سألنا أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن رجل من أهل مكّة خرج إلى بعض الأمصار، ثمّ رجع فمرّ ببعض المواقيت التي وقّت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) له أن يتمتّع؟ فقال: ما أزعم أنّ ذلك ليس له، والإهلال بالحجّ أحبّ إليّ، ورأيت من سأل أبا جعفر (عليه السلام) وذلك أوّل ليلة من شهر رمضان فقال له: جعلت فداك، إنّي قد نويت أن أصوم بالمدينة، قال: تصوم إن شاء الله تعالى، قال له: وأرجو أن يكون خروجي في عشر من شوال، فقال: تخرج إن شاء الله، فقال له: قد نويت أن أحجّ عنك أو عن أبيك، فكيف أصنع؟ فقال له: تمتّع، فقال له: إنّ الله ربّما منّ عليّ بزيارة رسوله (صلّى الله عليه وآله)، وزيارتك، والسلام عليك، وربّما حججت عنك، وربّما حججت عن أبيك، وربّما حججت عن بعض إخواني أو عن نفسي، فكيف أصنع؟ فقال له: تمتّع، فردّ عليه القول ثلاث مرّات ، يقول: إنّي مقيم بمكّة وأهلي بها، فيقول: تمتّع، فسأله بعد ذلك رجل من أصحابنا فقال: إنّي أُريد أن افرد عمرة هذا الشهر ـ يعني: شوال ـ ، فقال له: أنت مرتهن بالحجّ، فقال له الرجل: إنّ أهلي ومنزلي بالمدينة، ولي بمكّة أهل ومنزل، وبينهما أهل ومنازل، فقال له: أنت مرتهن بالحجّ، فقال له الرجل: فإنّ لي ضياعاً حول مكّة، وأُريد أن أخرج حلالاً، فإذا كان إبّان الحجّ حججت»[4] .
وعليه، فإنّ الأدلّة الدالّة على نفي المتعة عن الحاضر تخصّص بالصحيحتين المتقدّمتين، فلا يجوز للحاضر أن يأتي بحجّ التمتّع، إلّا أن يكون حاضراً في مكّة وخرج منها إلى بعض الأمصار ثمّ رجع إليها وأراد الحجّ، فإنّه يتمكّن من الإتيان بحجّ التمتّع.
وقد حمل بعض الفقهاء ومنهم المصنّف (قده) هاتين الصحيحتين على الحجّ المندوب، واستندوا في ذلك إلى ما ورد في ذيل الرواية الثانية، فإنّ مورده الندب، حيث جاء فيها: ورأيت مَن سأل أبا جعفر (عليه السلام) إنّي قد نويت أن أحجّ عنك أو عن أبيك، فكيف أصنع؟، ثمّ سأله إنّي تارة أريد الحجّ عنك، وأُخرى عن أبيك، وثالثة عن بعض إخواني، وربّما عن نفسي، فكيف أصنع؟ فأجابه الإمام (عليه السلام) في جميع ذلك بالتمتّع، فإنّ ذلك يكون قرينة على أنّ المورد هو الحجّ الندبي، دون الحجّ الواجب.
ولكن ذهب المحقّق الخوئي (قده)[5] إلى أنّ الظاهر عدم إمكان حمل الصحيحتين على الحجّ الندبي؛ لوجهين:
الأوّل: إنّ قوله (عليه السلام): «ما أزعم أنّ ذلك ليس له لو فعل» لا يلائم المندوب؛ إذ لا ريب في جواز التمتّع إذا كان السؤال في الخبرين عن الحجّ الندبي، بل التمتّع فيه أفضل، فلا حاجة إلى السؤال عنه، خصوصاً من مثل عبد الرحمن الذي هو من أكابر الرواة، فإنّ هذا التعبير (ما أزعم أنّ ذلك ليس له لو فعل) ظاهر في أنّ مورد السؤال هو الحجّ الواجب.
الثاني: إنّ قوله (عليه السلام): «وكان الإهلال أحبّ إليّ» (أو «الإهلال بالحجّ أحبّ إليّ») لا ينسجم مع الحجّ الندبي؛ إذ لو كان مورد السؤال الحجّ الندبي فلا ريب في أفضلية التمتّع عن الإفراد، لا الإهلال بالحجّ الذي أُريد به الإفراد.
ثمّ قال بأنّه لا إشكال في أنّ الذيل مورده الندب، ولكن قوله: «ورأيت من سأل أبا جعفر (عليه السلام) وذلك أوّل ليلة من شهر رمضان إلخ» ليس من تتمّة الخبر، ولا يرتبط بصدره ولا يصحّ أن يكون قرينة له، بل هو خبر مستقلّ آخر؛ وذلك لأنّ هذا الكلام «ورأيت من سأل أبا جعفر (عليه السلام)» لا يمكن أن يكون من كلام أبي الحسن موسى (عليه السلام)، فإنّه (عليه السلام) ولد بعد أربعة عشر عامّاً من وفاة أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، فالظاهر أنّ قائل هذا الكلام هو الراوي، وهو عبد الرحمن، فيكون خبراً مستقلّاً مروياً عن أبي جعفر (عليه السلام) وارداً في الندب اندمج أحدهما بالآخر، ولا يرتبط بصدره فلا يصلح لكونه قرينة له، خصوصاً وأنّ الصدر هو عن راويين، ولكن هذا الذيل عن راو واحد حيث يقول «ورأيت مَن سأل».
ويُحتمل أن يكون المراد بأبي جعفر المسؤول عنه هو أبو جعفر الثاني الإمام الجواد (عليه السلام)، فيكون أحد الراويين قد روى عنه، فهي رواية ثالثة.
وعليه، فإنّ مقتضى الصحيحتين أنّ موردهما الحجّ الواجب، وبهما يُقيّد العمومات المانعة من التمتّع لأهل مكّة، فالنتيجة جواز حجّ التمتّع لهذا المكلّف، وإن كان الإفراد أفضل وأحبّ.
وبذلك تكون الصحيحتان حاكمتين على الأدلّة المانعة من أنّ المكّي لا متعة له، فإنّ هذه الأدلّة تختصّ بالمقيم الدائم في مكّة، دون مَن خرج منها إلى بعض الأمصار ثمّ رجع وأراد الحجّ، فإنّ له أن يأتي بحجّ التمتّع، كما يجوز له أن يأتي بحجّ الإفراد أو القران.