47/03/30
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في أقسام الحجّ /فصل في أقسام الحجّ وهي ثلاثة بالإجماع والأخبار...
وبعبارة أُخرى: إنّ الشكّ في كون منزله داخل الحدّ أو خارجه، يرجع في الحقيقة إلى العلم الإجمالي بوجوب أحد الحجّين، حيث إنّ المكلّف يعلم على نحو الإجمال أنّ وظيفته إمّا حجّ القران أو الإفراد فيما إذا كان منزله داخل الحدّ، وإمّا حجّ التمتّع فيما إذا كان منزله على الحدّ أو خارجه، وهذا العلم الإجمالي لا ينحلّ؛ لأنّه شكّ بين المتباينين، ولا يجري فيه الاستصحاب، فيجب عليه الفحص مع إمكانه، ومع التعذّر يجب عليه الاحتياط، وقد أشار إلى ذلك المصنّف (قده) في بداية كلامه، نظير ما إذا علم المكلّف بوقوع النجاسة في أحد الأواني من دون انحلال العلم الإجمالي، فإن تمكّن من الفحص وجب عليه ذلك، وإلّا عليه الاحتياط بترك جميع الأطراف.
وأمّا إذا انحلّ العلم الإجمالي بجريان الأصل العدمي في أحد الطرفين دون الآخر، فإنّ المكلّف يجب عليه حجّ التمتّع، وهذا ما ذهب إليه المصنّف (قده) ثانياً حيث قال: «لا يبعد القول بأنّه يجري عليه حكم الخارج [عن الحدّ] فيجب عليه التمتّع»، وكذا المحقّق الخوئي (قده).
ولكنّ السيّد الحكيم (قده) ذهب إلى أنّ وجوب التمتّع يبتني على قاعدة الرجوع إلى العام عند الشكّ في عنوان الخاص، فإنّ الخاص إذا كان معلّقاً على عنوان، وشُكّ في تحقّق ذلك العنوان، وجب الرجوع إلى حكم العام، ومثله الشكّ في تحقّق السفر، فإنّ العام يقتضي التمام، والقصر معلّق على عنوان «السفر»، فمع الشكّ في هذا العنوان يُرجع إلى حكم العام.
وعليه، فإنّ العام في المقام يقتضي التمتّع، والقران أو الإفراد معلّق على عنوان «مَن كان أهله حاضري المسجد الحرام»، فمع الشكّ في صدق هذا العنوان يُرجع إلى حكم العام، ويُتمسّك به، فيجب التمتّع.
وهذا الرأي يختلف عن قول المحقّق الخوئي (قده) الذي يرى أنّ وجوب التمتّع يبتني على انحلال العلم الإجمالي بجريان الأصل العدمي في أحد الطرفين دون الآخر.
ويُلاحظ عليه: إنّ هذا الاستدلال يبتني على التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة، وهو غير جائز؛ وذلك لأنّ المكلّف الذي يُشكّ في كون منزله داخل الحدّ أو خارجه، يكون مصداقاً مردّداً بين دخوله تحت العام حتّى يجب عليه التمتّع، أو تحت الخاص حتّى يجب عليه القران أو الإفراد، ومن المعلوم عدم ثبوت حجّية العام في هذا المورد.
وهذا نظير ما لو قال المولى: «أكرم العلماء»، ثمّ قال: «لا تكرم الفسّاق من العلماء»، فإذا شُكّ في فسق عالم معيّن، فإنّ القول بوجوب إكرامه استناداً إلى حكم العام يكون تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقيّة.
هذا أوّلاً.
وثانياً: لا دليل على أنّ حجّ التمتّع هو الحكم العام، بل إنّ الأمر على خلاف ذلك، فإنّ الحجّ الذي فُرض على جميع المكلّفين في بداية الشريعة كان حجّ القران أو الإفراد، ولذلك عند ما حجّ النبي حجّة الوداع كان بعض أصحابه يحجّون إفراداً، وآخرون قراناً، ثمّ بعد ذلك شُرّع حجّ التمتّع. وعليه، فإنّ العام هو وجوب الإفراد أو القران على جميع المكلّفين، في حين أنّ الخاص هو وجوب حجّ التمتّع على مَن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
ومن هنا يتّضح الفرق بين العام والخاص في المقام، ونظيره في باب السفر، ففي السفر يكون حكم الخاص (القصر) معلّقاً على عنوان وجودي (السفر)، أمّا في المقام يكون حكم الخاص (التمتّع) معلّقاً على عنوان عدمي (مَن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام).