47/03/21
وقد تجب العمرة بالنذر، والحلف.../فصل في أقسام العمرة /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في أقسام العمرة /وقد تجب العمرة بالنذر، والحلف...
ثمّ الظاهر من المصنّف (قده) أنّ ما ذكره من موارد وجوب العمرة المفردة في سبعة أمور إنّما هو على نحو الحصر، ولكنّنا نقول بأنّ العمرة المفردة تجب في غير ما ذُكر أيضاً، فقد صرّح صاحب الشرائع (قده) وغيره من العلماء بوجوب العمرة المفردة عند فوات الحجّ، فلو أحرم المكلّف لأداء حجّ التمتّع، ولم يتمكّن من الوقوف بعرفات أو المزدلفة حتّى فات منه الحجّ، لا يتحلّل من إحرامه إلّا بالعمرة المفردة. وكذلك لو أحرم لحجّ التمتّع، ثمّ عرض له مانع، ولم يتمكّن من إتمام الحجّ، وجبت عليه العمرة المفردة، فيأتي بها ويتحلّل من إحرامه، وذلك بأن يُلحق بعمرة التمتّع طواف النساء، وركعتي الطواف، ثمّ يخرج من الإحرام.
ثمّ إذا ثبت وجوب العمرة المفردة بالموارد المذكورة، فإنّ عمرة التمتّع تكون كذلك، ويثبت وجوبها بالنذر، والحلف، والعهد، والشرط في ضمن عقد لازم، والإجارة، غاية الأمر إذا اشتُرط عليه أداء عمرة التمتّع فاللازم عليه أداء العمرة والحجّ معاً.
الجهة الثانية: ذكر المصنّف (قده) أنّ العمرة المفردة تجب أيضاً لدخول مكّة، بمعنى حرمته بدونه، فإنّه لا يجوز دخولها إلّا مُحرماً.
قال المحقّق الخوئي[1] تبعاً لما ذكره المصنّف (قده) أنّ وجوب العمرة في المقام إنّما هو وجوب شرطي؛ وذلك لأنّ الدخول إلى مكّة إذا كان واجباً بسبب من الأسباب، فإنّ الإحرام ـ وكذا العمرة ـ يكون واجباً بالوجوب المقدّمي العقلي؛ لتوقّف الواجب عليه، وأمّا إذا لم يكن الدخول إلى مكّة واجباً، فإنّ لزوم الإحرام يكون نظير لزوم الطّهارة لأجل الصلاة المندوبة، أو لأجل مسّ كتابة القرآن، وهو من باب الوجوب الشرطي، بمعنى حرمة الدخول إلى مكّة إلّا مُحرماً.
ويُلاحظ عليه، أوّلاً: ذكر بعض العلماء ـ على خلاف مختارنا في مسألة مقدّمة الواجب ـ أنّ وجوب المقدّمة شرعيّ وليس عقليّاً، ومن ثمّ صرّح صاحب المستند (قده) بأنّ المقدّمة واجبة شرعاً، ولعلّه قول المشهور أيضاً.
وثانياً: إذا كان الدخول إلى مكّة واجباً، فإنّ وجوب الإحرام في هذا الحال ليس وجوباً شرعيّاً كما ذهب إليه صاحب المستند (قده)، ولا وجوباً مقدّميّاً عقليّاً كما قال المحقّق الخوئي (قده)؛ وذلك لأنّ الشارع لم يوجب الإحرام، ولم يفرض وجوبه، وإنّما حرّم الدخول إلى مكّة من دون إحرام، فالعقل لأجل التخلّص من هذه الحرمة يحكم بلزوم الإحرام، وهو نظير حرمة مسّ كتابة القرآن بلا وضوء، أو حرمة جلوس الجنب في المسجد، فإنّ العقل يرى وجوب تحصيل الطهارة لأجل الفرار من الحرام، لا أنّ الشارع أوجب الطهارة.
وعليه، فالوجوب هنا وإن كان بحكم العقل لأجل التخلّص من الحرام، إلّا أنّه ليس وجوباً شرعيّاً، ولا عقليّاً من باب المقدّمة.
ويضاف إلى ذلك أنّه لا يوجد هنا وجوب نفسي أصلاً، حتّى يُقال بأنّه وجوب عقلي مقدّمي، أو وجوب شرعي؛ لأنّ التخلّص من الحرام في نفسه ليس واجباً، وإنّما هو حكم عقلي.
وعليه، فإنّه لا مجال للبحث هنا في أن مقدّمة الواجب واجبة عقلاً أو شرعاً؛ لأنّ المقام لا يتضمّن إلّا حرمة الدخول إلى مكّة من دون إحرام، والعقل لأجل التخلّص من الحرمة يحكم بلزوم الإحرام.
وبعبارة أُخرى: ليس عندنا في المقام إلّا حرمة الدخول إلى مكّة من دون إحرام، والعقل يرى لزوم الإحرام لتجنّب الوقوع في الحرمة، لا أنّ الشارع أوجب الإحرام، ونظيره حرمة مسّ كتابة القرآن، حيث يرفع الوضوء هذه الحرمة، مع أنّه لم يكن هنا حكم وجوبي أصلاً، فالعقل يحكم بفعل لأجل التخلّص من الوقوع في الحرام.
وأمّا إذا لم يكن الدخول إلى مكّة واجباً فلا يجب الإحرام أصلاً.
الجهة الثالثة: استثنى المصنّف (قده) من حرمة الدخول إلى مكّة بلا إحرام مَن يكثر دخوله وخروجه إلىها كالحطّاب والحشّاش.
هذا الحكم يقول به الإماميّة استناداً إلى ما ورد عن الأئمّة (عليهم السلام)، أمّا ابن باز وأكثر علماء أهل السنّة، فإنّهم لا يرون حرمة دخول مكّة بلا إحرام، فإنّ المكلّف عندهم إذا أدّى ما عليه من الواجب، ولم يقصد العمرة، ولم ينذرها، ولم يُشترط عليه أداء العمرة في ضمن عقد، أو لم يُستأجر عليها، جاز له الدخول والخروج من دون إحرام.
ويدلّ على ذلك صحيحة رفاعة بن موسى ـ في حديث ـ قال: «وقال أبو عبد الله (عليه السلام ): إنّ الحطّابة والمجتلبة أتوا النبي (صلّى الله عليه وآله) فسألوه فأذن لهم أن يدخلوا حلالاً»[2] ، والمراد من المُجتلبة مَن يجلب الشيء الذي يحتاجه أهل البلد من خارج البلد إليه، كالأطعمة، والألبسة، وغيرهما ممّا يحتاجه الناس.
وقد ذهب أكثر علمائنا إلى أنّ ذكر الحطّاب، والمجتلبة إنّما هو على سبيل المثال، والمقصود كلّ مَن يتكرّر دخوله إلى مكّة وخروجه منها، ولو لم يكن حطّاباً أو مُجتلباً للخيرات، كمَن يكثر دخوله لعيادة مريض، أو لكونه مريضاً بنفسه فيتكرّر دخوله للمعاجلة، أو لكونه مدرّساً يتردّد إليها لأجل التدريس، أو كانت له ضيعة هناك يتردّد عليها كثيراً، ونحو ذلك.
وقال صاحب الجواهر (قده): «الظاهر عدم اعتبار تكرّر دخولهم قبل انقضاء شهر، فلو فرض أنّ بعض المجتلبة يحتاج إلى فصل أزيد من شهر دخل حلالاً و لا شيء عليه»[3] .
واستدلّ كاشف اللثام لتعميم الحكم لكلّ من يتكرّر منه الدخول بالحرج.
وفيه: لا يخفى أنّ أداء العمرة مرّة واحدة في كلّ شهر لا يُعدّ حرجيّاً.
ولكنّ المحقّق الخوئي (قده) قال: «الظاهر أنّ تجويز الدخول حلالاً لم يكن بعنوان المتكرر مطلقاً، ولا نجزم بشمول النص لكلّ مَن يتكرّر منه الدخول لعيادة المريض مثلاً، أو كان هو مريضاً يكثر الدخول للمعالجة، أو لغرض آخر، أو كان له ضيعة يأتي إليها متكرّراً، أو كان مدرّساً يتكرّر دخوله، و نحو ذلك. ويحتاج التعميم إلى كلّ من يتكرّر منه الدخول إلى القرينة، ولا قرينة، بل المستفاد من النص جواز الدخول حلالاً لكلّ مَن يأتي بحوائج البلد، من ناقل الميرة، والأطعمة، وغيرها، كالحطّاب، والجصّاص، والحشّاش، وغير ذلك من حوائج الناس، وأمّا من كان له ضيعة يتكرّر لها دخوله وخروجه، أو كان مريضاً، ونحو ذلك ممّن يتكرّر له الدخول لأغراض شخصيّة، أو غيرها، فلا يشمله النص»[4] .
وفيه: لا يلزم القطع والجزم في تعميم الحكم لكلّ مَن يتكرّر منه الدخول إلى مكّة، بل يكفي الظهور العرفي، وهو حجّة شرعاً، فإنّ الظاهر من النص أنّ الحطّاب والجلّاب كانا يدخلان مكّة في كلّ أسبوع، أو كلّ يوم، أو كلّ شهر، أو كلّ شهرين، أو كلّ ثلاثة أشهر، فأجاز لهما النبي (صلّى الله عليه وآله) الدخول من دون إحرام. وهذا الظهور كاف لتعميم الحكم؛ لأنّ الملاك في السؤال هو كثرة الدخول، لا خصوص المهنة، وإن لم يُذكر ذلك في اللفظ. وعليه، لا يختصّ الحكم بالحطّاب، والجلّاب، بل يشمل أيضاً كلّ مَن يتكرّر دخوله إلى مكّة لأجل المعالجة، أو التدريس، أو نحوهما، فيجوز له الدخول من دون إحرام.
ثمّ إنّ المصنّف (قده) لم يتعرّض لاستثناء مَن أتى بعمرة مفردة، وخرج من مكّة، ثمّ عاد إليها قبل انقضاء الشهر الذي اعتمر فيه، فإنّه يجوز له الدخول من دون إحرام. وهناك استثناء آخر أيضاً، وهو المريض والمبطون، حيث دلّت الروايات على جواز دخولهما إلى مكّة من غير إحرام، بالإضافة إلى عدم الخلاف.
فمن الروايات صحيحة محمّد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل يدخل الرجل الحرم بغير إحرام؟ قال: لا، إلّا أن يكون مريضاً أو به بطن»[5] ، وصحيحته الأُخرى قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل يدخل الرجل مكّة بغير إحرام؟ قال: لا، إلّا مريضاً أو مَن به بطن»[6] ، وصحيحة البزنطي، عن عاصم بن حميد قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يدخل الحرم أحد إلّا مُحرماً؟ قال: لا، إلّا مريض أو مبطون»[7] .