47/03/15
تنقسم العمرة كالحجّ إلى واجب أصلي وعرضي ومندوب/فصل في أقسام العمرة /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في أقسام العمرة /تنقسم العمرة كالحجّ إلى واجب أصلي وعرضي ومندوب
فصل في أقسام العمرة
(مسألة1): تنقسم العمرة ـ كالحجّ ـ إلى واجب أصلي، وعرضي، ومندوب، فتجب بأصل الشرع على كلّ مكلّف ـ بالشرائط المعتبرة في الحجّ ـ في العمر مرّة بالكتاب، والسنة، والإجماع، ففي صحيحة زرارة: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ، فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وأتمّوا الحجّ والعمرة لله﴾، وفي صحيحة الفضيل في قول الله تعالى: وأتمّوا الحجّ والعمرة، قال (عليه السلام ): هما مفروضان، ووجوبها بعد تحقّق الشرائط فوريّ كالحجّ، ولا يشترط في وجوبها استطاعة الحجّ، بل تكفي استطاعتها في وجوبها، وإن لم تتحقّق استطاعة الحجّ، كما أنّ العكس كذلك، فلو استطاع للحجّ دونها وجب دونها، والقول باعتبار الاستطاعتين في وجوب كلّ منهما وأنّهما مرتبطان ضعيف، كالقول باستقلال الحجّ، في الوجوب دون العمرة[1] .
يقع الكلام في هذه المسألة في جهات:
الأُولى: تنقسم العمرة ـ كما ينقسم الحجّ إلى تمتّع وقران وإفراد ـ إلى أقسام متعدّدة، فقد تكون واجبة بالأصل، مثل العمرة المفردة في حجّ الإفراد أو حجّ القران، وقد تكون واجبة بالعرض، مثل العمرة المفردة المنذورة أو المستأجرة عليها، وقد تكون مندوبة.
ولكن يُلاحظ على القول بأنّ العمرة قد تكون واجبة بالعرض مثل العمرة المنذورة أو المستأجرة عليها، بأنّ تعلّق النذر أو الاستئجار بعمل لا يجعل ذلك العمل واجباً، بل إنّما الواجب هو عنوان الوفاء بالنذر (فِ بالنذر) أو عنوان الوفاء بالعقد (فِ بالعقد)، ولا يتعدّى الحكم من هذا العنوان إلى نفس العمل، وبالتالي لا يكون العمل المنذور أو المستأجر عليه واجباً، بل يبقى العمل على حكمه الأوّلي من الإباحة والاستحباب وغيرهما، ولا يتعدّى حكم الوجوب إليه.
وعليه، فإنّ نذر العمرة المفردة أو الاستئجار عليها لا يجعلها واجبة، بل تبقى على حكمها الأوّلي من الاستحباب أو الإباحة، خلافاً لما ذهب إليه المشهور من أنّ العمل إذا نُذر أو استُؤجر عليه يكون واجباً.
ويُلاحظ على ما ذكره المصنّف (قده) أنّه لم يذكر عمرة التمتّع والعمرة المفردة في تقسيمه لأقسام العمرة، رغم أنّ ذكرها كان ضروريّاً لإكمال التقسيم. ويضاف إلى التقسيم المذكور أنّ العمرة المفردة قد تكون غير مشروعة في بعض الموارد، مثل العمرة المفردة الثانية التي يؤدّيها المكلّف عن نفسه في الشهر الواحد (بناء على اعتبار الفصل بين العمرتين بشهر)، أو العمرة المفردة بين عمرة التمتّع وحجّ التمتّع، أو العمرة المفردة في أيّام التشريق ـ وهي: اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من شهر ذي الحجّة ـ على قول كما تقدّم ذكره.
الثانية: تجب العمرة بأصل الشرع على كلّ مكلّف ـ بالشرائط المعتبرة في الحجّ ـ مرّة واحدة في العمر إذا استطاع لها، كما يجب عليه الحجّ.
ويدلّ على الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلِله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[2] ؛ إذ إنّ المراد من «حجّ البيت» هو زيارة البيت، وزيارة البيت كما تكون لأجل الحجّ، كذلك تكون لأجل العمرة.
ولكن هذا الدليل في نفسه غير تام؛ لأنّ زيارة البيت إذا كانت تعمّ الحجّ والعمرة، فالواجب حينئذ أحدهما؛ إذ الواجب طبيعي الزيارة، وهو يتحقّق بزيارة البيت حجّاً أو عمرة. وعليه، فإنّ هذه الآية وحدها لا تدلّ على وجوب الحجّ والعمرة معاً.
ويدلّ على الوجوب أيضاً قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله﴾[3] .
وهذه الآية كذلك لا تدلّ على وجوب الحجّ والعمرة؛ لأنّ الأمر فيها بالإتمام لا بالأداء والإتيان، فمَن شرع في حجّ مستحب أو عمرة مستحبّة وجب عليه الإتمام.
ولكنّه نقول: إنّ الروايات المفسّرة لهذه الآية قد فسّرت لنا معنى آخر، وهو أنّ المراد من الإتمام هو الأداء والإتيان، فإنّ قوله تعالى: «أتمّوا الحجّ والعمرة» يعني «أدّوا الحجّ والعمرة لله»، وبذلك تكون الآية مع الروايات المفسّرة لها حجّة ودليلاً في المقام على وجوب الحجّ والعمرة. ومثل ذلك قوله تعالى: «أقيموا الصلاة»، فإنّ معناه «أدّوا الصلاة»، ولا يعني إقامة الغير للصلاة فقط، وكذلك قوله تعالى: «أتموّا الصيام إلى الليل» يعني «أدّوا الصيام إلى الليل».
ومن جملة هذه الروايات المفسّرة، ما ورد في الباب الأوّل من أبواب العمرة، حيث وردت اثنتا عشرة رواية تفسّر لنا المراد من هاتين الآيتين، فمنها: رواية الفضل أبي العباس عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: ﴿وأتمّوا الحجّ والعمرة لله﴾ «قال: هما مفروضان»[4] .
ومنها: معتبرة زرارة بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وأتمّوا الحجّ والعمرة لله﴾، وإنّما نزلت العمرة بالمدينة»[5] ، فإنّ المراد من «أتمّوا الحجّ والعمرة لله» هو «أدّوا الحجّ والعمرة لله»؛ لأنّ المسلمين عند نزول هذه الآية كانوا في المدينة، ولم يدخلوا في حجّ أو عمرة حتّى يؤمروا بالإتمام.
ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «وقال: إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة المتعة»، وقال ابن عباس: دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة[6] ، وصحيحته الأُخرى بهذا المضمون.
ويمكن إثبات وجوب الحجّ والعمرة من قوله تعالى: ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ بمعونة الروايات التي عبّرت عن الحجّ بالحجّ الأكبر، وعن العمرة بالحجّ الأصغر، وبذلك تكون هذه الآية دليلاً على وجوب العمرة أيضاً باعتبار أنّها حجّ أصغر.
إذن، تدلّ الآيتان على وجوب الحجّ والعمرة بمعونة الروايات المفسّرة لهما.
وقد يُستدلّ على وجوب الحجّ والعمرة بقوله تعالى: ﴿إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾[7] .
وفيه: إنّ هذه الآية تدلّ على وجوب السعي بين الصفا والمروة، ورفع توهّم الحظر بسبب وجود الأصنام فيهما.
وقد وردت في المقام روايات تدلّ على أنّ العمرة مفروضة مثل الحجّ من دون أن تفسّر الآيتين، ولكنّها ضعيفة.
ملحوظة: إنّ الآية لوحدها تدلّ على وجوب الحجّ والعمرة؛ وذلك لأنّ معنى «أتمّوا» في قوله تعالى: «أتمّوا الحجّ والعمرة لله» هو معنى مشترك بين معنيين، الأوّل: الأداء إبتداء، والثاني: الإكمال بعد الدخول، وكلّ واحد منهما يحتاج إلى قرينة.
فإنّ المعنى الأوّل لقوله تعالى: ﴿وأتمّوا الحجّ والعمرة لله﴾ هو «أدّوا الحجّ والعمرة لله» بشكل كامل، وتام، وخالص لوجه الله تعالى، مع الالتزام بجميع أركانها وواجباتها، حتّى نهاية العمرة دون نقصان. والقرينة على أنّ المراد من «أتمّوا» هو «أدّوا» هي أنّ الآية نزلت في المدينة، ولا من داخل في الحجّ أو العمرة، فإنّ التمام هنا له معنى آخر غير «التمام إذا دخلت في العمل»، وهو أن تخرج للحجّ والعمرة، ولا تخرج لغيرهما، هكذا ذكر الرواة الذين هم من أهل اللغة، ففي قراءة عبد الله (وهو أحد القرّاء) «وأقيموا الحجّ والعمرة إلى بيت الله»، وكذلك قال ابن عبّاس، وقال بعض الرواة وهم من أهل اللغة: تمام الحجّ والعمرة أن تحرم بهما مفردين من دويرة أهلك، وعن عبد الله بن سلمة عن علي (عليه السلام) أنّه قال في هذه الآية: أن تحرم من دويرة أهلك، يعني تبدأ في العمل وتؤدّي العمل، وقالوا: من تمام العمرة أن تحرم من دويرة أهلك، وقال بعض: إتمامها أن تخرج من أهلك قبل العمل، ثمّ تعمل بعد ذلك، ولا تريد غيرهما.
وأمّا المعني الثاني لإتمام الحجّ والعمرة فهو وجوب إتمام الحجّ والعمرة بعد الدخول فيهما، أي: إذا دخلت في الحجّ أو العمرة فأتمّه.
إذن، إذا كانت القرينة على المعنى الأوّل ـ وهو الأداء ـ هي أنّ الآية نزلت في المدينة، ولم يكن هناك معتمر أو حاج، فإنّ ذلك يدلّ على الأداء ابتداء.
نعم، هناك روايات أُخرى تقول: إنّ الإتمام هو بعد دخولك في العمل، فيجب عليك أن تتمّ هذا العمل الذي بدأت فيه، ولا يجوز أن تقطعه.
إذن، هنا معنيان للإتمام، وهو لفظ مشترك بين معنيين، وكلّ واحد لا بدّ فيه من قرينة، وتوضيح ذلك كما إذا قال أحد الخدّام الحسينيين الذين يعملون للإمام الحسين (عليه السلام) قبل دخول محرّم: يجب علينا إتمام العشرة الأُولى من المحرّم، فإنّ معناه يجب علينا أداء المراسم بشكل تام، وكامل، مع الالتزام بكلّ ما له دخل في العزاء والحزن من دون نقصان، ولذا «أتمّوا» تأتي بمعنى «أدّوا» الشيء بشكل كامل، وتام.
وعليه، فإنّ الآيتين: ﴿وأتمّوا الحجّ والعمرة لله﴾، ﴿وولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾، مع أنّ الحجّ هو الحجّ الأكبر والحجّ الأصغر، نفس الآيتين تدلّ على الوجوب، ولو لم تكن هناك روايات تفسّر الآيتين، فلاحظ.