47/03/14
يجوز لمن أعطاه رجل مالاً لاستئجار الحجّ .../فصل في الوصيّة بالحجّ، وفصل في الحجّ المندوب /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الوصيّة بالحجّ، وفصل في الحجّ المندوب /يجوز لمن أعطاه رجل مالاً لاستئجار الحجّ ...
(مسألة19): يجوز لمن أعطاه رجل مالاً لاستئجار الحجّ أن يحجّ بنفسه ما لم يعلم أنّه أراد الاستئجار من الغير، والأحوط عدم مباشرته إلّا مع العلم بأنّ مراد المعطي حصول الحجّ في الخارج، وإذا عيّن شخصاً تعيّن إلّا إذا علم عدم أهليّته وأنّ المعطي مشتبه في تعيينه، أو أنّ ذكره من باب أحد الأفراد[1] .
ذكر صاحب العروة (قده) في هذه المسألة فرعين:
الأوّل: إذا أعطى مالاً لرجل لاستئجار الحجّ (من دون تعيين)، فهنا ثلاث صور:
الأُولى: إذا عُلم أنّ المُعطي يريد تحقّق الحجّ في الخارج من أيّ شخص كان، فإنّ المُعطى له يجوز أن يستأجر نفسه للحجّ استئجاراً اعتباريّاً؛ وذلك لأنّ مراد المعطي أعم من تحقّق الحجّ من الغير، فإنّ غرضه يكون تحقّق الحجّ في الخارج من أيّ شخص كان. فإن آجر نفسه للحجّ عن المُعطي تتحقّق إثنينيّة إعتبارية في هذه الصورة، حيث إنّ المُعطى له من جهة كونه وكيلاً يكون موجباً، ومن جهة كونه مستأجَراً يكون قابلاً، ولا تعدّ هذه إثنينيّة خارجيّة.
الثانية: إذا عُلم أنّ غرض المعطي استئجار شخص آخر للحجّ، والآخذ واسطة في استئجار الغير، فهنا لا يجوز أن يحجّ بنفسه عن صاحب المال.
الثالثة: إذا لم يُعلم أنّ مراد المعطي هو الأعم من استئجار الغير ونفس المعطى له، أو المراد خصوص استئجار الغير فقط، فإنّ الظاهر من كلام المصنّف (قده) أنّ المُعطى له يجوز أن يستأجر نفسه للحجّ؛ لأنّه (قده) خصّ عدم الجواز بصورة العلم بإرادة الغير.
وقد ناقش المحقّق الخوئي (قده) ذلك فقال بأنّ الظاهر عدم الجواز؛ لأنّ التصرّف في مال الغير وهو المُعطي، يحتاج إلى إحراز الرضا والإذن، ومع الشكّ لا يجوز التصرّف، فلا بدّ من إحراز مراده وأنّه أراد الأعمّ منه ومن غيره، وإلّا فلا يجوز كما هو الحال في الصدقات والتبرّعات[2] .
ويلاحظ عليه: إنّ رضا المُعطي يحرز من كلامه وأمره بالاستئجار، فإذا قال: «استأجر شخصاً يحجّ عنّي»، فإنّ معنى الاستئجار يكون قائماً بين طرفين، الأوّل: المؤجِر، والآخر: المؤجَر، وهذان الطرفان قد يكونان خارجيّين، كما إذا كان المُعطى له وكيلاً عن المُعطي في الإيجاب، وكان شخص آخر هو القابل، وقد يكونان اعتباريّين، كما إذا كان المُعطى له وكيلاً عن المعطي في الإيجاب، وأصيلاً عن نفسه في القبول.
وعليه، تتحقّق الاثنينيّة اللازمة في الاستئجار حتّى لو كانت اعتباريّة، فيجوز للمُعطى له أن يستأجر نفسه للحجّ، مع إحراز رضا المُعطي من كلامه وأمره باستئجار شخص لأداء الحجّ عنه.
ولنا أن نقول أيضاً في صورة عدم العلم بقصد المُعطي قد يكون اللفظ ظاهراً في غير المُعطى له فلا يجوز التخطّي عنه إلى نفسه، وقد يكون اللفظ ظاهراً في الأعم فيجوز أن يتخطّى مَن عيّن إلى نفسه؛ لأنّ الظهور حجّة.
الثاني: إذا أعطى مالاً لرجل لاستئجار الحجّ، ولكن عيّن شخصاً معيّناً ليؤدّي الحجّ عنه، تعيّن ذلك، ولا يجوز للمُعطى له أن يستأجر نفسه، ويكون المُعطى له واسطة في استئجار ذلك الغير.
أمّا إذا علم عدم أهليّة ذلك الشخص المعيّن لأداء الحجّ ـ كما إذا كان كافراً مثلاً ـ وأنّ المعطي اشتبه في تعيينه، أو علم أنّ المعطي ذكر التعيين من باب المثال وبيان أحد الأفراد لا بقصد الخصوصيّة، فقد سقط التعيين المذكور، ويجوز للمُعطى له أن يستأجر غيره، كما يجوز له أن يستأجر نفسه.
وقد ناقش المحقّق الخوئي (قده) ذلك فقال بأنّ الظاهر عدم الجواز؛ لعدم إحراز الرضا بإعطاء المال لغيره؛ لأنّه قد عيّن مَن يحجّ عنه، فإنّ مع التعيين لشخص معيّن خارجي لا يحرز رضا المُعطي في الحجّ من قِبل نفس المُعطى له أو شخص آخر غير المعيّن. نعم، إذا علم رضاه باستئجار مَن هو أهل لذلك جاز له ذلك[3] .
ويُلاحظ عليه: إذا علم عدم أهليّة هذا الشخص المعيّن لأداء الحجّ من جهة أنّه كافر مثلاً، تبطل الوكالة في الاستئجار، ولا يجوز للمُعطى له أن يستأجر غيره، ولا أن يستأجر نفسه، بل يلزم في هذه الحالة الرجوع إلى المالك ـ وهو المُعطي ـ أو الحاكم الشرعي.
نعم، إذا علم أنّ مراد المعطي من التعيين كان على سبيل المثال لا على وجه الخصوصيّة، يجوز للمُعطى له أن يستأجر شخصاً آخر ليؤدّي الحجّ عن المعطي، كما يجوز له أن يستأجر نفسه لذلك؛ وذلك لبطلان التعيين المذكور، ولأنّ الوكالة في الاستئجار تنقلب إلى وكالة عامّة في استئجار أيّ شخص يحقّق الغرض، وهو أداء الحجّ عن المُعطي.
فصل في الحجّ المندوب
(مسألة1): يستحبّ لفاقد الشرائط، من البلوغ، والاستطاعة، وغيرهما أن يحجّ مهما أمكن، بل وكذا مَن أتى بوظيفته من الحجّ الواجب، ويستحبّ تكرار الحجّ، بل يستحبّ تكراره في كلّ سنة، بل يكره تركه خمس سنين متوالية ، وفي بعض الأخبار مَن حجّ ثلاث حجّات لم يصبه فقر أبداً.
(مسألة2): يستحبّ نية العود إلى الحجّ عند الخروج من مكّة، وفي الخبر إنّها توجب الزيادة في العمر، ويكره نية عدم العود، وفيه: أنّها توجب النقص في العمر .
(مسألة 3): يستحبّ التبرّع بالحجّ عن الأقارب وغيرهم أحياء وأمواتاً، وكذا عن المعصومين (عليهم السلام) أحياء وأمواتاً. وكذا يستحبّ الطواف عن الغير، وعن المعصومين (عليهم السلام) أمواتاً وأحياء، مع عدم حضورهم في مكّة، أو كونهم معذورين.
(مسألة4): يستحبّ لمن ليس له زاد وراحلة أن يستقرض ويحجّ إذا كان واثقاً بالوفاء بعد ذلك.
(مسألة5): يستحبّ إحجاج مَن لا استطاعة له.
(مسألة6): يجوز إعطاء الزكاة لمن لا يستطيع الحجّ ليحجّ بها.
(مسألة7): الحجّ أفضل من الصدقة بنفقته.
(مسألة8): يستحبّ كثرة الإنفاق في الحجّ، وفي بعض الأخبار إنّ الله يبغض الإسراف إلّا بالحجّ والعمرة.
(مسألة9): يجوز الحجّ بالمال المشتبه، كجوائز الظلمة مع عدم العلم بحرمتها.
(مسألة10): لا يجوز الحجّ بالمال الحرام، لكن لا يبطل الحجّ إذا كان لباس إحرامه، وطوافه وثمن هديه من حلال.
(مسألة11): يشترط في الحجّ الندبي إذن الزوج والمولى، بل الأبوين في بعض الصور، ويشترط أيضاً أن لا يكون عليه حجّ واجب مضيق، لكن لو عصى وحجّ صحّ.
(مسألة12): يجوز إهداء ثواب الحجّ إلى الغير بعد الفراغ عنه، كما يجوز أن يكون ذلك من نيته قبل الشروع فيه.
(مسألة13) : يستحبّ لمن لا مال له يحجّ به، أن يأتي به ولو بإجارة نفسه عن غيره، وفي بعض الأخبار أنّ للأجير من الثواب تسعاً، وللمنوب عنه واحد.
ذكر المصنّف (قده) في هذا الفصل ثلاث عشرة مسألة منصوصة، وهي أمور واضحة لا تحتاج إلى مزيد بيان، وقد تقدّم بعضها.
فمن هذه الأمور: استحباب الحجّ لفاقد الشرائط، من البلوغ، و الاستطاعة، و غيرهما، مهما أمكن، وكذلك يستحبّ تكرار الحجّ لمن أدّى حجّه الواجب في كلّ سنة.
ويدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى إجماع العلماء على استحباب تكرار الحجّ ـ روايات كثيرة، فمنها: رواية عيسى بن أبي منصور، قال: «قال لي جعفر بن محمّد (عليهما السلام): يا عيسى إن استطعت أن تأكل الخبز والملح وتحجّ في كلّ سنة فافعل»[4] .
ويدلّ على ذلك روايات تدلّ على كراهة ترك الحجّ خمس سنين، مثل رواية ذريح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «مَن مضت له خمس سنين فلم يفد إلى ربّه وهو موسر، إنّه لمحروم»[5] .
وكذا يدلّ على استحباب الحجّ بعد سقوط الفريضة عدّة من الروايات الدالّة على أفعال النبي (صل الله عليه وآله)، والأئمّة (عليهم السلام)، فقد ورد أنّ النبي (صلّ الله عليه وآله) حجّ عشرين سنة، وأنّ الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) حجّ خمساً وعشرين سنة، وأنّ الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) حجّ أربعين سنة، وهكذا سائر الأئمّة حيث داوموا على تكرار الحجّ بعد أداء حجّة الإسلام.
ومنها: يستحبّ التبرّع بالحجّ عن الأقارب وغيرهم، سواء كانوا أحياء أم أمواتاً، كما يستحبّ ذلك عن المعصومين (عليهم السلام) في حياتهم وبعد وفاتهم، وكذلك يستحبّ الطواف عن الغير وعن المعصومين (عليهم السلام) أمواتاً وأحياء، مع عدم حضورهم في مكة، أو كونهم معذورين.
نعم، لا دليل عندنا على جواز النيابة في الطواف المستحب عن الحاضر في المسجد الحرام، ولو كان معذوراً.
ومنها: يستحبّ إحجاج الغير، ويدلّ على ذلك رواية الحسن بن علي الديلمي، قال: «سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: مَن حجّ بثلاثة من المؤمنين فقد اشترى نفسه من الله عزّ وجلّ بالثمن»[6] .
وقد وردت عندنا روايات تدلّ على أنّه يجوز إعطاء الزكاة لمن لم يستطع الحجّ؛ وذلك لكون الحجّ داخلاً في عنوان سبيل الله، وهو أحد مصارف المنصوصة للزكاة.
ومنها: يستحبّ لمن ليس له زاد وراحلة أن يستقرض ويحجّ إذا كان واثقاً بالوفاء بعد ذلك.
ويدلّ على ذلك رواية موسى بن بكر الواسطي، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يستقرض ويحجّ ؟ فقال: إن كان خلف ظهره مال إن حدث به حدث أدّى عنه فلا بأس»[7] ، فإنّ قوله (عليه السلام): «لا بأس» مع كون الحجّ عبادة يدلّ على الاستحباب.
ومنها: يستحبّ كثرة الإنفاق في الحجّ، ويدلّ على ذلك جملة من الروايات، منها ما دلّ على أنّ الله تعالى يبغض الإسراف إلّا في الحجّ والعمرة، والمراد من الإسراف هنا الإنقاق.
ومنها: أنّ الحجّ أفضل من الصدقة بنفقته، ويدلّ على ذلك صحيحة معاوية بن عمّار قال: «قال : لمّا أفاض رسول الله (صلّى الله عليه وآله ) تلقّاه أعرابي بالأبطح فقال: يا رسول الله، إنّي خرجت أريد الحجّ ففاتني، وأنا رجل مئل، يعني كثير المال، فمرني أصنع في مالي ما أبلغ به ما يبلغ به الحاجّ، فالتفت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى أبي قبيس فقال: لو أنّ أبا قبيس لك زنته ذهبة حمراء أنفقته في سبيل الله ما بلغت ما بلغ الحاجّ»[8] .
ومنها: لا يجوز الحجّ بالمال الحرام، ويجوز بالمشتبه، كجوائز السلطان مع عدم العلم بحرمتها، والحكم فيها واضح؛ لأنّه لا يمكن التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى بالحرام.
ومنها: يستحبّ لمن لا مال له للحجّ أن يحرص على أداء الحجّ، ولو بإجارة نفسه لأجل الحجّ عن غيره، ويدلّ على ذلك عدّة روايات، وفي بعضها أنّ للأجير من الثواب تسع حصص، ولمن حجّ عنه حصّة واحدة فقط، وقد ورد ذلك عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث استأجر لمن يحجّ عن ولده إسماعيل، فقال: إعلم يا هذا، لو أتيت بالحجّ والعمرة عن إسماعيل، فلك تسع ولإسماعيل واحدة.