« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/11/13

بسم الله الرحمن الرحيم

لو كان عند شخص وديعة .../فصل في الوصيّة بالحجّ /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الوصيّة بالحجّ /لو كان عند شخص وديعة ...

 

والخلاصة: ذهب المصنّف (قده) إلى أنّ الرواية تتضمّن عنوانين، أحدهما: الوديعة، والآخر: حجّة الإسلام، وكلاهما ذُكرا على سبيل المثال، فكما يصحّ التعدّي من مورد الوديعة إلى سائر الموارد الذي يكون فيها مال الميّت بيد شخص آخر، كالعارية، أو العين المستأجرة أو العين المغصوبة، أو الدَّين، مع العلم أو الظن بأنّ المال إذا رُدّ إلى الورثة لا يؤدّون الواجب عن الميّت، فكذلك يُتعدّى من مورد حجّة الإسلام إلى سائر ديون الميّت، كالخمس والزكاة، مع العلم أو الظنّ بعدم تأدية الورثة للواجب.

ولكنّ المحقّق الخوئي (قده) وافق على أنّ الوديعة ذُكرت في الرواية على سبيل المثال، إلّا أنّه لم يقبل أنّ حجّة الإسلام كذلك وأنكر ذكرها على سبيل المثاليّة، حيث قال: إنّ الحكم بجواز تصرّف الودعي في المال على خلاف القاعدة؛ لأنّ‌ مقتضاها عدم جواز تصرّف أحد في مال الغير، والودعي ليس وصيّاً للميّت ولا وارثاً له حتّى يتصرّف في المال، ومع ذلك دلّت الرواية على أنّ الودعي يتصرّف في المال ويحجّ عن الميّت بالمباشرة أو بالتسبيب، وهكذا إذا كان مال الميّت موجوداً عند شخص آخر على نحو العارية، أو العين المستأجرة، أو العين المغصوبة، أو الدَّين؛ لأنّ ذكر الوديعة في الرواية على سبيل المثاليّة، ولذا يُتصرّف في كلّ مال للميّت إذا كان موجوداً عند شخص آخر ـ سواء كان ودعيّاً أو غيره ـ لأجل أداء الحجّ الواجب عنه، مع العلم أو الظن أو الاحتمال بعدم تأدية الورثة.

ولكن جواز التصرّف في المال يختصّ بأداء الحجّ الواجب (حجّة الإسلام) فقط، ولا يُتعدّى منه إلى سائر ديون الميّت، سواء قلنا بأنّ المال كلّه مع الدَّين الثابت على ذمّة الميّت ينتقل إلى الورثة، وأنّهم مكلّفون بأداء الدَّين ومحجورون عن التصرّف قبل أدائه، أو قلنا بأنّ المال بمقدار الدَّين يبقى على ملك الميّت ولا ينتقل إلى الوارث، فعلى كلّ تقدير لا يجوز لأحد أن يتصرّف في هذا المال في غير الحجّ، أمّا عدم الجواز بناء على القول الأوّل فهو لأجل أنّ المال ملك الورثة، فلا يجوز للودعي ولا لغيره التصرّف فيه بدون إذنهم، وأمّا عدم الجواز بناء على القول الثاني فهو لأجل أنّ المال وإن لم ينتقل إلى الورثة ولكن لهم الولاية في التصرّف فيه، فإنّ أمر الوفاء يرجع إليهم، ولعلّهم أرادوا الوفاء من غير هذا المال، بل الورثة قد يكونون شركاء مع الميّت إذا كان المال أزيد من الدَّين.

وكيف كان، لا يجوز للودعي التصرّف في المال في غير الحجّ الواجب، إمّا لأنّ‌ المال للوارث أو أنّه شريك فيه، وإمّا أنّ المال للميّت ولكنّ الوارث له الولاية عليه، فلا بدّ من الاستئذان من الحاكم الشرعي[1] .

وأمّا ما ذكره صاحب المستند (قده) من أنّ وفاء دَين الميّت من الخمس والزكاة واجب كفائي على كلّ مَن قدر عليه، فإنّه قول باطل؛ لأنّ الرواية واردة في حجّة الإسلام فقط، فلا يُتعدّى من حجّة الإسلام إلى غيرها من الخمس والزكاة، والحجّة المستأجرة عليها، والحجّة المنذورة.

وقد تقدّم منّا أنّه يلزم من هذا الدليل جواز حجّ الأجنبي عن الميّت المطلوب حجّة الإسلام، واستحقاق الأُجرة قهراً من الوارث، وهو باطل جزماً.

ثمّ إنّنا نوافق ما ذكره المحقّق الخوئي (قده) من أنّ ذكر الوديعة في الرواية من باب المثال، فيُتعدّى من الوديعة إلى سائر الموارد التي يكون فيها مال الميّت عند شخص آخر، كالعارية، والعين المستأجرة، والعين المغصوبة، والدَّين. أمّا حجّة الإسلام فإنّها لا تكون كذلك، ولا يُتعدّى منها إلى سائر ديون الميّت؛ لأنّها تختلف عن سائر الديون من الخمس، والزكاة، والحجّة المستأجرة عليها من دون قيد المباشرة، والحجّة المنذورة، فإنّ حجّة الإسلام ركن الدِّين، وبُني عليها الإسلام، فجاء فيها حكم على خلاف القاعدة، بأنّ المستودَع يتصرّف في المال الموجود عنده للميّت، ويحجّ عنه بالمباشرة أو بالتسبيب إذا كان الميّت مديناً بحجّ الإسلام.

وعليه، يُتصرّف في كلّ مال للميّت إذا كان عند شخص آخر لأجل أداء الحجّ الواجب عن الميّت فقط، ولا يجوز التصرّف في المال لأجل أداء سائر الديون.

ثمّ ذكر المحقّق الخوئي (قده) تفصيلاً يؤكّد هذا القول، خلافاً لصاحب العروة (قده)، فقال: إذا قلنا أنّ المال الذي تركه الميّت بمقدار الدَّين يبقى على ملك الميّت ولم ينتقل إلى الوراث، أو أنّ المال مشترك بين الميّت والوارث، فإنّه لا يجوز للودعي تسليم المال إلى الوارث، مع العلم أو الظن أو الاحتمال بعدم التأدية، ولو سلّمه إيّاه يكون مفوّتاً على الميّت ماله، ولكن في نفس الوقت لا يجوز للودعي التصرّف في هذا المال أيضاً لعدم الولاية؛ لأنّه ليس وصيّا ولا وارثاً للميّت.

نعم، في خصوص حجّة الإسلام تثبت له الولاية، وجوّز الشارع له التصرّف، وأمّا في غير الحجّ ممّا وجب على الميّت فلا ولاية لمن عنده المال، فلا بدّ من الاستئذان من الحاكم الشرعي[2] .

وهذا هو الصحيح؛ لأنّ المال بمقدار الدَّين لا ينتقل إلى الوارث، ولكن يُعتبر في تصرّف الودعي الاستجازة من الحاكم الشرعي في سداد ديون الميّت. نعم، في خصوص حجّة الإسلام جاء النص وقال بجواز أن يفرّغ الودعي ذمّة الميّت من حجّة الإسلام من المال الذي عنده، في صورة العلم بعدم إفراغ ذمّة الميّت من قِبل الوراث، أو الظن بذلك، أو الشكّ.

 


logo