46/11/08
لو كان عند شخص وديعة ... /فصل في الوصيّة بالحجّ /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الوصيّة بالحجّ /لو كان عند شخص وديعة ...
(مسألة17): لو كان عند شخص وديعة، ومات صاحبها وكان عليه حجّة الإسلام، وعلم أو ظنّ أنّ الورثة لا يؤدّون عنه إن ردّها إليهم، جاز بل وجب عليه أن يحجّ بها عنه، وإن زادت عن أُجرة الحجّ ردّ الزيادة إليهم لصحيحة بريد «عن رجل استودعني مالاً فهلك، وليس لوارثه شيء ولم يحجّ حجّة الإسلام، قال (عليه السلام) حجّ عنه وما فضل فأعطهم»، وهي وإن كانت مطلقة إلّا أنّ الأصحاب قيّدوها بما إذا عُلم أو ظُنّ بعدم تأديتهم لو دفعها إليهم، ومقتضى إطلاقها عدم الحاجة إلى الاستئذان من الحاكم الشرعي، ودعوى أنّ ذلك للإذن من الإمام (عليه السلام) كما ترى؛ لأنّ الظاهر من كلام الإمام (عليه السلام) بيان الحكم الشرعي، ففي مورد الصحيحة لا حاجة إلى الإذن من الحاكم.
والظاهر عدم الاختصاص بما إذا لم يكن للورثة شيء، وكذا عدم الاختصاص بحجّ الودعي بنفسه لانفهام الأعم من ذلك منها. ... [1] .
لو كان عند شخص وديعة، ومات صاحبها وكان عليه حجّة الإسلام، وعلم أو ظنّ أنّ الورثة لا يؤدّون الحجّ إن ردّ إليهم الوديعة، يجب على الودعي أن يحجّ عن الميّت، أو يرسل مَن يحجّ عنه بما عنده من الوديعة، وإن زادت الوديعة عن أُجرة الحجّ ردّ الزيادة إلى الورثة، ويدلّ على ذلك صحيحة بريد العجلي التي رواها الكليني والصدوق والشيخ الطوسي (قدّس سرّهم) بأسانيد صحيحة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل استودعني مالاً وهلك، وليس لولده شيء، ولم يحجّ حجّة الإسلام، قال: حجّ عنه وما فضل فأعطهم»[2] .
أقول: إنّ الحكم المذكور في الصحيحة يخالف القاعدة؛ لأنّ الودعي ليس وصيّاً للميّت، ولا وارثاً له حتّى يأتي بالحجّ عنه، بل هو أجنبي عنه، ولا يناسبه جواز التصرّف في الوديعة لأجل الحجّ، كما لا يناسبه وجوب التصرّف في الوديعة لأجل الحجّ. ولكن بما أنّ الحكم منصوص يجب الالتزام به وإن كان خلاف القاعدة.
والكلام في هذه المسألة يقع في جهات:
الأُولى: ذكر المصنّف (قده) أنّ الودعي يجوز له التصرّف في الوديعة لأجل أداء الحجّ عن صاحبها، ثمّ ترقّى في عبارته إلى أنّه يجب عليه ذلك، حيث قال: «جاز، بل وجب عليه أن يحجّ بها عنه»، فما هو وجه هذا الترقّي ومنشأه بعد أن كان الأمر في الصحيحة، أي: «حجّ عنه» ظاهراً في الوجوب؟
والجواب: إنّ صيغة الأمر، أي: هيئة إفعل وإن كانت ظاهرة في الوجوب، إلّا أنّها إذا وقعت عقيب الحظر، أو عقيب توهّم الحظر، لم تبق ظاهرة في الوجوب، بل تكون ظاهرة في الإباحة والجواز. وبناء على ذلك، فبما أنّه يمكن أن يقال: إنّ الأمر في الصحيحة، أي: «حجّ عنه» قد جاء لبيان الجواز ولرفع توهّم الحظر من التصرّف في الوديعة، وهذا الأمر لا يكون ظاهراً في الوجوب، ترقّى المصنّف (قده) في كلامه من جواز التصرّف إلى وجوب التصرّف في الوديعة لأجل أداء الحجّ عن الميّت؛ لأنّ الحجّ دَين أو كالدَّين لا يملكه الميّت، ولا الوارث، وقد أمره الإمام (عليه السلام) بالحجّ عنه فصار واجباً.
الثانية: ذكر المصنّف (قده) أنّ هذه الصحيحة مطلقة، حيث قال (عليه السلام): «حجّ عنه وما فضل فأعطهم»، وهي تشمل صورة ما إذا علم الودعي أو ظنّ أو احتمل عدم تأدية الورثة للحجّ عن الميّت لو دفع إليهم الوديعة، إلّا أنّ الأصحاب قيّدوها بصورة علم الودعي أو ظنّه بعدم التأدية، ومقتضى ذلك أنّ الودعي لو احتمل تأدية الورثة للحجّ فيدفع الوديعة إليهم.
ولكن ذكر صاحب الشرائع (قده) أنّ الصحيحة تختصّ بصورة العلم بعدم التأدية، دون صورة الظن أو الاحتمال.
ويرد على ما ذكره المصنّف (قده) بأنّ هذه الصحيحة إمّا واردة في صورة امتناع الورثة من تأدية الحجّ عن الميّت، أي: صورة العلم فقط، أو أنّها مطلقة فشتمل جميع الحالالت، سواء علم الودعي أو ظنّ أو احتمل عدم التأدية. وبعبارة أخرى أنّ الحكم المذكور في الصحيحة إمّا يختصّ بصورة العلم فقط، ولا وجه لتقييده أيضاً بصورة الظن بعدم التأدية؛ لأنّ الظن ما لم يقم دليل على اعتباره لا يُلحق بالعلم، أو أنّ الحكم مطلق فيشمل جميع الحالات. فما وجه تقييد المصنّف (قده) الحكم في صورة العلم أو الظن!
وقال المحقّق الخوئي (قده) بأنّ هذه الصحيحة مطلقة، ولا موجب لرفع اليد عن إطلاقها، بل مقتضى الإطلاق أنّ الودعي يجب عليه الحجّ عن الميّت بنفسه أو باستئجار شخص آخر حتّى إذا احتمل عدم تأدية الورثة للحجّ؛ لأنّه لا أثر لهذا الاحتمال بعد إطلاق الصحيحة[3] .
إذن، لا وجه لتقييد الصحيحة بصورة العلم بعدم التأدية كما قال به صاحب الشرائع (قده)، كما لا وجه لتقييدها بصورة العلم أو الظن بعدم التأدية كما ذكره المصنّف (قده).
نعم، لو علم المستودَع (الودعي) أنّ الوارث يؤدّي الحجّ عن الميّت قطعاً، فإنّ الرواية منصرفة عن هذه الصورة، ولا يجوز له التصرّف في الوديعة؛ لأنّ إثبات الولاية وجواز التصرّف في الوديعة في صورة علم الودعي بتأدية الورثة للحجّ مشكل، بل المتعيّن أن يقوم الورثة بالأمر، أو الوصي إن كان.
الثالثة: هل يجب على الودعي أن يستأذن الحاكم الشرعي قبل التصرّف في الوديعة والحجّ عن الميّت، أم لا؟
ذهب جماعة إلى وجوب الاستئذان، وذهب آخرون إلى الاحتياط الوجوبي مثل السيّد الخميني (قده).
ولكنّنا نقول: لا حاجة إلى الاستئذان من الحاكم الشرعي، ولا نفتي بوجوبه، ولا نحتاط احتياطاً وجوبيّاً؛ وذلك لإطلاق النص، ولأنّ الإمام (عليه السلام) في مقام بيان الحكم الشرعي الكلّي لهذه المسألة، ومفادّه أنّ المستودَع له الولاية على التصرّف في الوديعة لأجل الحجّ عن الميّت.
ولا يكون حكم الإمام (عليه السلام) إذناً منه للمستودَع؛ لأنّ الاستئذان إنّما يكون بعد وضوح الحكم الشرعي عند المستودَع، بخلاف المقام فإنّ المستودَع لم يعلم ما هو الحكم الشرعي المتوجّه إليه، فسأل الإمام (عليه السلام) عنه، فأجابه بقوله (عليه السلام): «حجّ عنه وما فضل فأعطهم»، وهذا بيان للحكم الشرعي الكلّي، لا إذناً شخصيّاً في هذا المورد.
ثمّ لو كان الإمام (عليه السلام) بصدد الإجازة للمستودَع، لقال له: « أجزت لك أن تحجّ عنه»، ولم يقل له: «حجّ عنه وما فضل فأعطهم».
إذن، لا يصحّ أن يقال: إنّ الإمام أجاز المستودَع وأذن له في التصرّف في الوديعة لأجل أداء الحجّ عن الميّت، كما ذكره صاحب المدارك (قده)؛ لأنّ الاستئذان إنّما يكون بعد وضوح الحكم.
الرابعة: هل يختصّ الحكم المذكور من جواز تصرّف الودعي في الوديعة لأجل الحجّ عن الميّت بما إذا لم يكن لوارثه مال، أم لا؟
الظاهر أنّ الحكم في الصحيحة لا يختصّ بما إذا لم يكن للورثة شيء؛ لأنّ ما ورد في الرواية من أنّ «وليس لولده شيء» هو من السائل، والجواب مطلق حيث قال (عليه السلام): «حجّ عنه وما فضل فأعطهم» من دون تقييد بحال الورثة، فلا أثر لوجود المال وعدمه عند الوارث في الحجّ عن الميّت، فإنّ الظاهر من الرواية أنّ منشأ السؤال هو احتمال تضييع الورثة للحجّ أو صرف المال في غير الحجّ، سواء كانوا أغنياء أو فقراء.
فالنص من السائل عند ما قال: «وليس لولده شيء» إنّما هو مَثَل للسبب العادي لاحتمال صرف الوارث المال على نفسه، وتضييع الحجّ.
أقول: إنّ مقتضى الجمود والاقتصار على النص أن يكون جواب الإمام (عليه السلام) مترتّباً على ما ورد في السؤال بما في ذلك قول السائل: «وليس لولده شيء»، فيختصّ الحكم المذكور (التصرّف في الوديعة لأجل الحجّ عن الميّت) بما إذا لم يكن للورثة مال، ويكون الوجه في ذكر عدم المال في السؤال من جهة احتمال أنّ الورثة إذا لم يكن لهم مال قد يعتقدون بعدم وجوب الحجّ عن الميّت، وهذا الاحتمال والاعتقاد منهم لا دخل له في الوجوب.