« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/11/07

بسم الله الرحمن الرحيم

من المعلوم أنّ الطواف مستحبّ مستقلّاً/فصل في الوصيّة بالحجّ /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الوصيّة بالحجّ /من المعلوم أنّ الطواف مستحبّ مستقلّاً

 

ثمّ نقل صاحب الجواهر (قده) عن صاحب الدروس تردّده في جواز استنابة الحائض التي حاضت في عمرة التمتّع، وتريد قافلتها الذهاب إلى عرفات، وهي إن بقيت إلى أن تطهر وتغتسل وتأتي بإكمال العمرة المتمتّع بها يفوت وقوف عرفه ومزدلفة، حيث قال: وفي استنابة الحائض عندي تردّد، وقد علّل وجه هذا التردّد بأنّه إمّا أن يكون لأجل أنّ الحائض معذورة من الطواف، فتشملها نصوص العذر إذا تعدّينا من موردها ـ كالمريض المغلوب، والمغمى عليه، والمبطون، والكسير ـ إلى ما نحن فيه، أو لأجل عدم قابليّة وقوع الطواف منها، فكذا نائبها، أو لأجل بطلان عمرة حجّ التمتّع والعدول إلى حجّ الإفراد إذا قدمت إلى مكّة حائضاً وقد تضيّق وقت الوقوف، فإنّ النص قال بعدولها إلى حجّ الإفراد؛ إذ لو كانت النيابة في الطواف مشروعة في حقّها لصحّت عمرة التمتّع منها[1] .

وفيه: يُشكل على ما ذُكر من التعليل بعدم قابليّة الطواف من الحائض فكذا من نائبها، بأنّه لا ملازمة بين الأمرين؛ إذ عدم تمكّن المنوب عنه من الطواف لا يستلزم عدم صحّته من النائب، فإنّ الطواف متعذّر من الميّت أيضاً ومع ذلك يصحّ من النائب عنه، وكذلك المريض العاجز فإنّه لا يتمكّن من الطواف ومع ذلك يصحّ الطواف من نائبه، وكذا المغمى عليه لا يتمكّن من الطواف إلّا أنّه يصحّ النيابة عنه.

وعليه، فإنّ الحائض وإن كانت غير متمكّنة من الطواف، إلّا أنّ ذلك لا يقتضي بطلان طواف النائب، حيث لا ملازمة بين الأمرين.

إذن، النص الذي قال بأنّ حجّها ينقلب إلى حجّ الإفراد، يعني أنّه لا يصحّ النيابة عنها في طواف العمرة.

الرابعة: ذكر المصنّف (قده) بأنّه لم يدلّ على استحباب سائر أفعال الحجّ مستقلّاً حتّى مثل السعي بين الصفا والمروة.

ولكن قد يقال باستحباب السعي مستقلّاً؛ لدلالة صحيحة محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لرجل من الانصار: إذا سعيت بين الصفا والمروة، كان لك عند الله أجر مَن حجّ ماشياً من بلاده، ومثل أجر مَن أعتق سبعين رقبة مؤمنة»[2] .

وفيه: إنّ هذه الفقرة من الرواية لوحدها ـ كما في الوسائل حيث قطّع الروايات ـ تدلّ على استحباب السعي مستقلّاً، وإن لم يكن السعي ضمن أعمال الحجّ أو العمرة؛ لأنّ السعي له أجر مَن حجّ ماشياً من بلاده، أو أجر مَن أعتق سبعين رقبة مؤمنة، وقال به السيّد الحكيم (قده) في مستمسكه.

إلّا أنّه بعد ملاحظة تمام الرواية يتبيّن أنّها لم ترد في بيان استحباب السعي مستقلّاً، بل وردت في أفعال الحجّ وأعماله ومن جملته السعي الواجب.

وعليه، فإنّ هذه الرواية ظاهرة في استحباب السعي وثوابه ضمن أعمال الحجّ أو العمرة، ولا يُستفاد منها ترتّب الثواب على كلّ واحد من الأفعال مستقلّاً حتّى لو لم يكن في ضمن الحجّ أو العمرة، ومن هنا أمر السيّد البروجردي (قده) بتأليف كتاب جامع أحاديث الشيعة حيث ذكرت فيه الروايات كاملة غير مقطّعة هروباً من هذا الإشكال، والرواية الكاملة قد وردت في الوسائل في الباب الثاني من أبواب أقسام الحجّ، وفي التهذيب[3] بإسناده عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن محمّد بن قيس قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يحدّث الناس بمكّة فقال: إنّ رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) يسأله، فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : إن شئت فاسأل، وإن شئت أُخبرك عمّا جئت تسألني عنه، فقال: أخبرني يا رسول الله، فقال: جئت تسألني (مالك في حجّتك وعمرتك)[4] وإنّ لك إذا توجّهت إلى سبيل الحجّ، ثمّ ركبت راحلتك، ثمّ قلت: بسم الله والحمد لله، ثمّ مضت راحلتك، لم تضع خفّاً ولم ترفع خفّاً إلّا كُتب لك حسنة، ومحى عنك سيئة، فإذا أحرمت ولبّيت كان لك بكلّ تلبية لبّيتها عشر حسنات ومحي عنك عشر سيئات، فإذا طفْت بالبيت الحرام أُسبوعاً كان لك بذلك عند الله عهد وذخر يستحيي أن يعذّبك بعده أبداً، فإذا صلّيت الركعتين خلف المقام كان لك بهما ألفا حجّة متقبّلة، فإذا سعيت بين الصفا والمروة كان لك مثل أجر من حجّ ماشياً من بلاده، ومثل أجر من أعتق سبعين رقبة مؤمنة، فإذا وقفت بعرفات إلى غروب الشمس فإن كان عليك من الذنوب مثل رمل عالج أو بعدد نجوم السماء أو قطر المطر يغفرها الله لك، فإذا رميت الجمار كان لك بكلّ حصاة عشر حسنات تكتب لك فيما تستقبل من عمرك، فإذا حلقت رأسك كان لك بعدد كلّ شعرة حسنة تكتب لك فيما تستقبل من عمرك، فإذا ذبحت هديك أو نحرت بدنك كان لك بكلّ قطرة من دمها حسنة تكتب لك فيما تستقبل من عمرك، فإذا زرت البيت فطفت به أُسبوعاً وصلّيت الركعتين خلف المقام ضرب ملك على كتفيك، ثمّ قال لك: قد غفر الله لك ما مضى وما تستقبل ما بينك وبين مائة وعشرين يوماً»[5] .

إذن، النبي (صلّى الله عليه وآله) في مقام بيان ثواب أعمال الحجّ ومناسكه، فلا يُستفاد منها ترتّب الثواب على كلّ واحد من الأفعال مستقلّاً، حتّى لو لم يكن في ضمن الحجّ أو العمرة.

نعم، إذا فصلناها عن بقيّة الحديث (كما فعل صاحب الوسائل) دلّت على استحباب السعي بنفسه مستقلّاً، ولكن مع بقيّة الفقرات تكون ظاهرة في استحباب السعي وثوابه ضمن أعمال الحجّ أو العمرة.

وقد ذكر المحقّق الخوئي (قده) بأنّه استُدلّ أيضاً على استحباب السعي لنفسه بخبر محمّد بن مسلم، عن يونس، عن أبي بصير، قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ما من بقعة أحب إلى الله عزّ وجلّ من المسعى؛ لأنّه يُذلّ فيها كلّ جبّار»[6] .

ثمّ ناقش دلالة هذه الرواية، فقال: إنّها تدلّ على فضيلة المسعى، وأنّ المكان مكان شريف مبارك، حيث يُذلّ فيه الجبابرة؛ لمشيهم وهرولتهم ونحو ذلك في المسعى، ولا تدلّ على فضيلة لنفس السعي[7] .

ويُلاحظ عليه: إذا كان المسعى بقعة شريفة وله فضيلة؛ لأنّه يُذلّ فيه المتكبّرون لمشيهم وهرولتهم ونحو ذلك، فإنّ المكلّف أيضاً يكون كذلك حين مشيه وهرولته في المسعى، ويذهب وقاره، ويصبح ذليلاً أمام الله سبحانه وتعالى، وهذا لا يتحقّق إلّا بالفعل نفسه، أي: بالسعي والهرولة. وعليه، فإنّ السعي نفسه فيه إذلال للمكلّف أمام الله سبحانه وتعالى، وهو أمر جيّد ومطلوب، ولذا يكون السعي مستحبّاً بنفسه، كما ذهب إليه السيّد الحكيم (قده).

ولكن هذه الرواية ضعيفة السند، ولو كانت معتبرة لقلنا باستحباب السعي مستقلّاً، ووجه الضعف أنّها مرويّة في كتاب علل الشرائع عن «محمّد بن أسلم»، وليس عن «محمّد بن مسلم»، والمذكور في العلل هو الصحيح؛ لأنّه لم تثبت رواية «محمّد بن مسلم»، عن «يونس»، عن «أبي بصير»، كما لم تثبت رواية «محمّد بن الحسين» عن «محمّد بن مسلم».

وعلىه، تكون الرواية ضعيفة على مسلك المشهور؛ لأنّ «محمّد بن أسلم» لم يوثّق في الرجال، وتكون صحيحة على مسلك المحقّق الخوئي (قده) لكونه من رجال كامل الزيارات، وقد تراجع عنه في أواخر حياته، فلا تكون الرواية معتبرة حتّى عند السيّد الخوئي (قده).

 


[4] . في الفقيه و الأمالي - عن حجك و عمرتك و مالك فيهما من الثواب، فاعلم انك (هامش المخطوط). هكذا في هامش الوسائل.
logo