« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/11/06

بسم الله الرحمن الرحيم

من المعلوم أنّ الطواف مستحبّ مستقلّاً .../فصل في الوصيّة بالحجّ /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الوصيّة بالحجّ /من المعلوم أنّ الطواف مستحبّ مستقلّاً ...

الثالثة: ذكر المصنّف (قده) أنّه تجوز النيابة في الطواف عن الحيّ إذا كان غائباً عن مكّة، أو كان حاضراً فيها ولكنّه معذور من الطواف بنفسه، أمّا إذا كان حاضراً في مكّة وغير معذور من الطواف بنفسه فلا تصحّ النيابة عنه.

هذه الجهة فيها أربعة أحكام:

الحكم الأوّل: تجوز النيابة في الطواف عن الحيّ الغائب عن مكّة، ويدلّ عليه صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «قلت له: فأطوف عن الرجل والمرأة وهما بالكوفة؟ فقال: نعم، يقول حين يفتتح الطواف: اللهم تقبّل من فلان، للذي يطوف عنه»[1] .

الحكم الثاني: تجوز النيابة في الطواف عن الحيّ الحاضر في مكّة إذا كان معذوراً من الطواف بنفسه، وقد استدلّ عليه المصنّف (قده) بصحيحة حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المريض المغلوب، والمغمى عليه، يُرمى عنه ويُطاف عنه»[2] ، وصحية معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: «المبطون، والكسير، يُطاف عنهما ويُرمى عنهما»[3] .

ولكن يُلاحظ عليه: إنّ هذه الروايات تدلّ على جواز النيابة في الطواف عن المعذور الذي لم يتمكّن من الطواف بنفسه، مثل المريض المغلوب، والمغمى عليه، والمبطون، والكسير، إلّا أنّ هذا الجواز يختصّ بالطواف الواجب؛ وذلك بقرينة قوله (عليه السلام): «يُرمى عنه» أو «يُرمى عنهما»، فإذا كان الطواف ضمن أعمال الحجّ أو العمرة فتجوز النيابة فيه، أمّا محلّ الكلام فإنّه حول جواز النيابة في الطواف المستحب، أي: في الطواف المستقلّ عن أعمال الحجّ أو العمرة، ولا يمكن التمسّك بهذه الروايات الواردة في الطواف الواجب لإثبات جواز النيابة في الطواف المستحب.

ولا يقال بأنّه لا خصوصيّة في الطواف الواجب، فإذا ثبت الجواز في الطواف الواجب، كذلك يثبت الجواز في الطواف المستحب أيضاً؛ لأنّنا نقول: توجد خصوصيّة في الطواف الواجب، حيث يجب على المعذور إتمام الأعمال والمناسك في الحجّ الواجب أو العمرة، بينما لا يجب عليه ذلك في الطواف المستقلّ.

كما أنّ دعوى استفادة العموم من الروايات للطواف الواجب والمستحبّ معاً، ليست تامّة؛ وذلك لأنّ مورد الروايات يختصّ بالطواف الواجب، دون الطواف المستحب، وعليه لا يمكن التمسّك بالعموم أيضاً.

وعليه، فإنّ الاستدلال بهذه الروايات لإثبات جواز الطواف نيابةً عن الحاضر المعذور مخدوش؛ لأنّ مورد الروايات يختصّ بالطواف الواجب دون المستحب، وإن ذهب المصنّف (قده) إلى الجواز.

والحاصل: تجوز النيابة في الطواف عن الحيّ المعذور الحاضر في مكّة إذا كان الطواف ضمن أعمال الحجّ أو العمرة، كالمريض المغلوب، والمغمى عليه، والمبطون، والكسير؛ لدلالة الروايات على الجواز في هذه الموارد، ولا تجوز النيابة في الطواف المستحب عن المعذور إذا لم يكن ضمن أعمال الحجّ أو العمرة وكان مستقلّاً، حيث لا دليل على جواز النيابة فيه، وما ذهب إليه العلماء من القول بالجواز نتيجة هذه الروايات لا يساعد عليه الدليل.

إذن، ما ذهب إليه المصنّف (قده) من جواز النيابة في الطواف عن الحي الحاضر في مكّة إذا كان معذوراً من الطواف بنفسه، غير تامّ؛ وذلك لأنّ الجواز يختصّ بالطواف الواجب دون المستحب، بينما كلامنا في المقام حول الطواف المستحب. وعليه، فقد وقع خلط بين موردين، الأوّل: النيابة عن المعذور في الطواف الواجب، وهي جائزة لما دلّت عليه الروايات، والثاني: النيابة عن المعذور في الطواف المستحب، وهي غير جائزة لعدم وجود الدليل.

الحكم الثالث: لا تجوز النيابة في الطواف عن الحاضر في مكّة إذا لم يكن معذوراً من الطواف بنفسه، ويدلّ على ذلك صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق قال: «كنت إلى جنب أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده ابنه عبد الله، أو ابنه الذي يليه، فقال له رجل: أصلحك الله يطوف الرجل عن الرجل وهو مقيم بمكّة ليس به علّة؟ فقال: لا، لو كان ذلك يجوز لأمرت ابني فلاناً فطاف عنّي سمّى الأصغر وهما يسمعان»[4] .

وقد عبّر السيّد الحكيم (قده) عن هذه الرواية بأنّها خبر، ولكنّها صحيحة، وهي تدلّ بوضوح على عدم جواز النيابة إذا لم يكن الحاضر في مكّة معذوراً، وهذه الرواية فيها دلالة بعيدة أو إشعار بعيد على أنّ الولد الأكبر وهو عبد الله غير صالح للإمامة التي ادّعاها بعد أبيه، بل هي للولد الأصغر وهو الإمام الكاظم (عليه السلام).

الحكم الرابع: لا تجوز النيابة في الطواف عن المرأة الحائضة في مكّة، وإن قلنا بأنّ المعذور من الطواف الواجب تجوز النيابة عنه، فإنّ الحائض رغم كونها معذورة من الطواف الواجب بسبب عذرها من دخول المسجد الحرام، ولكنّه لا يُطاف عنها، خلافاً لبعض العلماء حيث ذهبوا إلى الجواز استناداً لهذه الروايات؛ لأنّ صحيحة جميل بن درّاج التي عمل بها الأكثر تدلّ على أنّ حجّ الحائض ينقلب من حجّ التمتّع إلى حجّ الإفراد، فتتوجّه إلى عرفات وتأتي بمناسك الحجّ، ثمّ بعد ذلك تأتي بعمرة مفردة بعد الطهر، فإنّه قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكّة يوم التروية؟ قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجّة، ثمّ تُقيم حتّى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة، قال ابن أبي عمير: كما صنعت عائشة»[5] .

إذن، يستثنى حكم الحائض من المعذور الحاضر في مكّة الذي عليه طواف واجب ولم يتمكّن من الإتيان به، فلا يمكن الاستناد إلى الروايات الواردة في المعذور لإثبات جواز النيابة عن الحائض.

ثمّ إنّنا نقول: إنّ الحائض لها ثلاث صور:

الأُولى: إذا حاضت المرأة قبل عمرة التمتّع، بحيث لو انتظرت الطهر لفات منها أعمال الحجّ، فإنّ الصحيحة المذكورة تدلّ على أنّه لا تجوز النيابة عنها في الطواف، بل ينقلب حجّها من حجّ التمتّع إلى حجّ الإفراد.

الثانية: إذا حاضت المرأة قبل طواف حجّ التمتّع، وكان انتظارها للطهر يؤدّي إلى مغادرة القافلة التي جائت معها، فهنا تجوز النيابة عنها في الطواف؛ لأنّنا لو قلنا بعدم الجواز لأصبح حجّها ناقصاً من دون طواف، ولا معنى لانقلاب حجّها إلى حجّ الإفراد لعدم إمكانه حيث جائت بعمرة التمتّع ثمّ أحرمت لحجّ التمتّع، فإنّ الصحيحة السابقة تختصّ بمَن حاضت في عمرة التمتّع، لا في طواف حجّ التمتّع.

الثالثة: إذا حاضت المرأة قبل طواف النساء، وكان انتظارها للطهر يؤدّي إلى مغادرة القافلة التي جائت معها، فقد وردت رواية تدلّ على سقوط طواف النساء عنها، وهي صحيحة أبي أيوب الخزّاز قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل ليلاً، فقال له: أصلحك الله، امرأة معنا حاضت ولم تطف طواف النساء، فقال: لقد سئلت عن هذه المسألة اليوم، فقال: أصلحك الله أنا زوجها وقد أحببت أن أسمع ذلك منك، فأطرق كأنّه يُناجي نفسه وهو يقول: لا يُقيم عليها جمالها، ولا تستطيع أن تتخلّف عن أصحابها، تمضي وقد تمّ حجّها»[6] ، وظاهر الرواية أنّها تمضي وقد تمّ حجّها من دون طواف النساء، ولكن لم يعمل أحد من الفقهاء بهذه الرواية فتسقط عن الحجّية؛ لأنّ حجّها وإن تمّ قبل طواف النساء، إلّا أنّ طواف النساء واجب ولا بدّ من إتيانه، فإن لم تتمكّن من البقاء لحين الطهر وإتيانه فتستنيب.


logo