46/11/01
إذا قبض الوصي الأُجرة وتلف في يده بلا تقصير ... وإذا أوصى بما عنده من المال للحجّ ندباً/فصل في الوصیّة بالحجّ/كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الوصیّة بالحجّ/إذا قبض الوصي الأُجرة وتلف في يده بلا تقصير ... وإذا أوصى بما عنده من المال للحجّ ندباً
ويتّضح ممّا سبق أنّ الوصي لو استأجر شخصاً لأداء الحجّ، ودفع إليه الأُجرة قبل الإتيان بالحجّ (كما هو المتعارف عليه في باب الحجّ، خلافاً للعبادات الأُخرى التي يستحقّ فيها الأجير على أُجرته بعد إتيان العمل)، ثمّ مات الأجير قبل أداء الحجّ، ولم يترك مالاً حتّى يمكن استرداد الأُجرة منه، أو تعذّر استردادها من ورثته، فإنّ المستأجِر وهو الوصي لا يضمن؛ لأنّه أمين، ولا ضمان على الأمين، ويجب على الوصي أو الورثة الاستئجار في الحجّ الواجب من بقيّة تركة الموصي، وفي الحجّ المندوب من بقيّة ثلثه.
ملاحظة: إنّ الإجارة على قسمين:
الأوّل: إذا استأجر الوصي شخصاً للحجّ بشرط مباشرة الحجّ بنفسه، ودفع إليه الأُجرة، ثمّ مات الأجير قبل أداء الحجّ، فإنّ الإجارة تبطل بموت الأجير، ويجب على الوصي أو ورثة الموصي استرداد الأُجرة؛ لأنّ الأجير يضمن هذه الأُجرة، ومع ذلك لم تبطل الوصيّة بالحجّ، ويجب استئجار شخص آخر في الحجّ الواجب من أصل التركة، وفي الحجّ المندوب من الثلث؛ لأنّ شرط المباشرة قد انتفى بموت الأجير، بينما ذمّة الموصي مشغولة بالحجّ، ولذا يجب تفريغها.
الثاني: إذا استأجر الوصي شخصاً للحجّ دون اشتراط المباشرة، أي: يحجّ هذا الأجير عن الموصي بالمباشرة أو بالتسبيب، بمعنى أنّ الاستئجار لو كان لأجل اسقاط التكليف عن الموصي بأي شخص كان، ودفع إليه الأُجرة، ثمّ مات الأجير قبل أداء الحجّ، فإنّ الإجارة لم تبطل بموت الأجير، ويجب على ورثة الأجير أداء الحجّ عن الموصي أو استئجار شخص آخر لأداء الحجّ عنه من تركة الأجير؛ لأنّه أصبح مديناً للموصي بالأُجرة الذي استلمها، وأمّا إذا لم يعمل الورثة بما يجب عليهم فحينئذ يجب على ورثة الموصي الاستئجار في الحجّ الواجب من أصل التركة، وفي الحجّ المندوب من الثلث.
(مسألة15): إذا أوصى بما عنده من المال للحجّ ندباً، ولم يعلم أنّه يخرج من الثلث أو لا، لم يجز صرف جميعه. نعم، لو ادّعى أنّ عند الورثة ضعف هذا، أو أنّه أوصى سابقاً بذلك والورثة أجازوا وصيّته ففي سماع دعواه وعدمه وجهان.
هذه المسألة فيها فرعان:
الأوّل: إذا أوصى بما عنده من المال للحجّ ندباً، وشُكّ في أنّ هذا المال هل بمقدار الثلث حتّى تنفذ هذه الوصيّة أو أزيد منه فلا تنفذ وتتوقّف على إجازة الورثة؟ فقد ذكر المصنّف (قده): لم يجز صرف جميع هذا المال في الحجّ؛ لأنّه خلاف قول الشارع بأنّ الوصيّة نافذة في الثلث.
قال المحقّق الخوئي (قده): يحتمل نفوذ الوصيّة للتردين بين الصحّة والبطلان؛ لأنّ المال الذي أوصى به للحجّ لو كان بمقدار الثلث أو أقل منه فالوصيّة صحيحة، ولو كان أزيد من الثلث ولم يجز الورثة التصرّف في الزائد فتبطل الوصيّة.
وفيه: إذا كان المال الموصى به للحجّ أكثر من الثلث ولم يجز الورثة التصرّف في الزائد، ولكن كان الثلث كافياً للحجّ بأُجرة المثل، فإنّ الوصيّة لا تبطل، فعلى سبيل المثال: لو كانت تركة الموصي خمسة عشر مليون دينار، وأوصى بالحجّ المندوب بعشرة ملايين، ولم يجز الورثة التصرّف في الزائد من الثلث، ولكن كانت أُجرة المثل لأداء الحجّ خمسة ملايين، فإنّ الوصيّة لا تبطل، ويحجّ عنه بأُجرة المثل.
نعم، لو كان الموصى به بقدر أُجرة المثل وهو أكثر من الثلث، ولم يجز الورثة، ولم يقبل أحد بالأقل، ولم يوجد متبرّع، فحينئذ يكون العمل بالوصيّة متعذّراً فتبطل الوصيّة.
وقد يقال بجواز تصرّف الوصي في المال لثبوت ولايته على المال الذي تحت يده، ومقتضى جريان أصالة الصحّة تصرّفه في الثلث لا في الأكثر.
وفيه: إنّ أصالة الصحّة التي عليها السيرة العقلائيّة إنّما تجري فيما إذا ثبتت ولاية الوصي على المال، وتصرّف فيه، ثمّ شُكّ في أنّ فعله وتصرّفه في المال قد وقع على وجه الصحّة أم لا، أمّا إذا شُكّ في أصل ثبوت الولاية بأنّ هل للوصي الولاية على جميع المال الذي تحت يده وهو أكثر من الثلث (أي: عشرة ملايين في المثال)، أم له الولاية على الثلث فقط؟ فحينئذ لا تجري أصالة الصحّة، ولا يمكن حمل فعله على الصحّة؛ لأنّ ولايته على هذا المال غير ثابتة، بل مشكوكة.
وعليه، فإنّ الولاية ما دامت غير ثابتة على جميع المال فلا يحقّ له التصرّف في المال إذا أوصى الموصي بما عنده من المال للحجّ، وكان أكثر من الثلث ولم يجز الورثة ذلك، ولا تجري أصالة الصحّة لو تصرّف.
ومثل هذا إذا تصدّى شخص لبيع دار غيره، ولكن شُكّ في ولايته على البيع، فلا تجري أصالة الصحّة ولا يحكم بصحّة البيع؛ لأنّ أصالة الصحّة إنّما تجري إذا ثبتت ولايته على ذلك أوّلاً، وباع الدار ثانياً واجداً للشرائط والأجزاء، ثمّ شُكّ في صحّة بيعه وفساده لشيء آخر ثالثاً.
وكذا إذا كانت عين موقوفة في يده وأراد بيعها، ولكن شكّ في ولايته على ذلك، فإنّه لا يحكم بصحة هذا البيع بأصالة الصحّة.
وبناء على ذلك، لو أوصى الموصي بما عنده من المال للحجّ ندباً، وشُكّ في أنّ هذا المال بمقدار الثلث حتّى تكون الوصيّة نافذة أو أكثر فلا تكون نافذة، فإذا تصرّف الوصي بالمال واستأجر مَن يحجّ عنه، لا يحمل فعله على الصحّة؛ وذلك للشّك في أصل ولايته على هذا المال، فإنّ فعله إنّما يحمل على الصحّة إذا ثبتت ولايته على المال، وتصرّف فيه، ثم شكّ بعد ذلك في صحّة فعله وفساده.
إذن، لا دليل على جريان أصالة الصحّة في كلّ موارد الشكّ بين الصحّة والفساد، بل يختصّ بما إذا كان الشكّ في الصحّة بعد احراز الولاية وهو ما إذا كان المال الموصى به بمقدار الثلث أو أقلّ منه، ووقع العمل بشرائطه وأجزائه، ثمّ شُكّ في شيء آخر هل له دخل في الصحّة أم لا؟
الثاني: لو ادّعى الوصي أنّ عند الورثة ضِعف هذا المال، أو ادّعى الوصي أنّ الموصي أوصى بالحجّ المندوب بأكثر من الثلث، والورثة أجازوا وصيّته، ففي سماع دعواه وعدمه وجهان.
الأوّل: سماع دعواه؛ لأنّه يخبر عمّا في يده وتحت اختياره، وقد ذهب إليه السيّد الحكيم (قده).
الثاني: عدم سماع دعواه؛ لأنّ إخبار صاحب اليد إذا رجع إلى الإقرار على نفسه، فيُسمع الإقرار إذا تضمّن ضرراً على نفسه، كما إذا أقرّ بأنّ ما في يده مغصوب أو نجس، أمّا إذا تضمّن الإقرار نفعاً له، كأن يدّعي أنّ هذا المال الذي تحت يده يجوز له التصرّف فيه، أو يقرّ بأنّ هذا الماء الذي تحت يده كرّ، فإنّ دعواه لا يُسمع، إلّا إذا أثبت ذلك بدليل، وقد ذهب إليه المحقّق الخوئي (قده).
وكذا إخباره بأنّ الورثة أجازوا وصيّته، فإنّه إخبار عنهم يحتاج إلى شرط قبول الخبر، بل هو إقرار له بجواز التصرّف، وهو إقرار لنفسه لا على نفسه، فلاحظ.