« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/10/27

بسم الله الرحمن الرحيم

لو أوصى بأن يحجّ عنه ماشياً أو حافياً ... وإذا أوصى بحجّتين أو أزيد ... ولو مات الوصي بعد ما قبض من التركة أُجرة الاستئجار .../فصل في الوصیة بالحجّ /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الوصیة بالحجّ /لو أوصى بأن يحجّ عنه ماشياً أو حافياً ... وإذا أوصى بحجّتين أو أزيد ... ولو مات الوصي بعد ما قبض من التركة أُجرة الاستئجار ...

 

ثمّ ذكر المصنّف (قده) أنّ الحجّ المنذور لو كان مقيّداً بالمشي أو الحفاء ببدنه، أي: لو كان الحجّ مع المشي أو الحفاء مقيّداً ويكون الغرض صدور الحجّ مباشرة من الناذر نفسه دون أن يكون على نحو التسبيب، فحينئذ يمكن القول بعدم وجوب الاستئجار عنه؛ وذلك لأنّ المنذور هو المشي أو الحفاء ببدنه، وقد تعذّر ذلك بالموت فيسقط وجوبه ولا يجب القضاء. أمّا لو كان الحجّ المنذور مورداً للمشي أو الحفاء بنحو المباشرة أو التسبيب، فإنّه يجب القضاء ويُستأجر مَن يحجّ عنه ماشياً أو حافياً.

وقد ناقش المحقّق الخوئي (قده) هذا الفرق فذهب إلى عدم صحّته؛ وذلك لأنّ النذر إذا تعلّق بالحجّ ماشياً فلا محالة كان الواجب عليه هو المشي ببدنه؛ لاستحالة المشي ببدن غيره، فالتقييد وعدمه سيّان من هذه الجهة، فإذا وجب القضاء مع عدم التقييد وجب مع التقييد أيضاً[1] .

وفيه: إنّ هناك فرقاً بين ما إذا كان الناذر يريد الحجّ ماشياً أو حافياً على نحو وحدة المطلوب، وبين ما إذا كان يريده على نحو تعدّد المطلوب، فإن كان النذر على نحو وحدة المطلوب، بمعنى أنّ الناذر يريد شيئاً واحداً وهو الحجّ ماشياً أو حافياً بنفسه، ففي هذه الحالة إذا تعذّر المشي أو الحفاء بالموت لا يجب القضاء، وأمّا إذا كان النذر على نحو تعدّد المطلوب، بمعنى أنّ الناذر يريد شيئين، أحدهما: الحجّ، والآخر: أن يكون الحجّ ماشياً أو حافياً، ففي هذه الحالة إذا تعذّر المشي أو الحفاء، وقلنا بوجوب الحجّ المنذور، يجب القضاء بأن يُستأجر مَن يحجّ عنه ماشياً أو حافياً.

(مسألة12): إذا أوصى بحجّتين أو أزيد، وقال إنّها واجبة عليه صُدّق وتخرج من أصل التركة. نعم، لو كان إقراره بالوجوب عليه في مرض الموت، وكان متّهماً في إقراره، فالظاهر أنّه كالإقرار بالدَّين فيه في خروجه من الثلث إذا كان متّهماً على ما هو الأقوى.

هذه المسألة فيها جهات:

الجهة الأُولى: إذا أوصى بأنّ عليه حجّتين أو أكثر، وقال بأنّها واجبة عليه، يُصدّق في قوله، وتخرج الأُجرة من أصل التركة.

قال المحقّق الخوئي (قده): إذا كانت إحدى الحجّتين حجّة الإسلام، والأُخرى حجّة استئجاريّة من دون شرط المباشرة ومن دون تقييدها بسنة معيّنة، فإنّ أُجرة الحجّتين تخرج من الأصل، أمّا أُجرة حجّة الإسلام فواضحة؛ لأنّ‌ الإيصاء والإخبار بها إقرار بالدّين حقيقة أو تنزيلاً، وكذلك بالنسبة إلى أُجرة الحجّة الاستئجاريّة؛ لأنّ‌ الإخبار بها إقرار بالدّين حقيقة، ولا ريب في نفوذ الإقرار بالنسبة إلى الدَّين وغيره؛ لاستقرار السيرة العقلائيّة عليه[2] . مضافاً إلى ما يستفاد من النصوص الكثيرة المنتشرة في أبواب متفرقة كالروايات في باب الأموال والرقية والزوجية، وتستنتج منها قاعدة كليّة وهي نفوذ الاعتراف والإقرار بالنسبة إلى ما عليه. وأمّا النبوي المعروف «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»[3] فضعيف السند جدّاً، وكذا مرسل العطار قال: «المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمناً عليه»[4] .

ويُلاحظ عليه: إنّ الكلام في المقام ليس في باب الإقرار حتّى يستدلّ على حجّيته بالسيرة العقلائيّة، بل هو في باب الوصيّة، وعليه، فإنّ الصحيح أن يُستدلّ في المقام بالنصوص التي تدلّ على أنّ الميّت إذا أوصى ولم يكن في مرض الموت، أو كان فيه ولم يكن متّهماً، فإنّ وصيّته تخرج من أصل التركة، أمّا إذا كان في مرض الموت وكان متّهماً فتخرج من الثلث. ومن ثمّ يتبيّن أنّ الصحيح إنّما هو الاستدلال على الحكم المذكور بالنصوص، دون الحاجة إلى إثبات حجّية الإقرار.

الجهة الثانية: قال المحقّق الخوئي (قده) بأنّه إذا كان الحجّ المُقرّ به واجباً نذرياً، فإنّه بناء على مختار المصنّف (قده) يخرج من الأصل، وبناء على مختار المحقّق الخوئي (قده) يخرج من الثلث، حيث لا دليل على خروج كلّ حجّ واجب من الأصل.

ويُلاحظ عليه: إنّ المسألة مفروضة في الحجّ الموصى به كما هو عنوان هذه المسألة، لا الحجّ المُقر به.

الجهة الثالثة: إذا كان الإقرار بوجوب الحجّ المالي في مرض الموت، وكان المقرّ متّهماً في إقراره، فقد ذهب المصنّف (قده) إلى أنّ الوصيّة بالحجّ كالإقرار بالدَّين، فإن كان الإقرار بالدَّين في مرض الموت وكان متّهماً فيخرج من الثلث، وإن كان الإقرار في مرض الموت ولم يكن متّهماً أو لم يكن في مرض الموت فيخرج من الأصل؛ وذلك لعدم الفرق في الإقرار بين العين والعمل، كما لا فرق بين أن يكون الإقرار لله تعالى أو للناس، فإنّ الروايات تدلّ على أنّ الحجّ كالدَّين.

ويُلاحظ عليه: إنّ هذه المسألة مفروضة في باب الوصيّة بالحجّ المالي، لا في باب الإقرار. ويضاف إلى ذلك، أنّ الأدلّة الدالّة على حجّية الإقرار ونفوذه إنّما تختصّ بما إذا كان الإقرار يتضمّن ضرراً على المُقرّ نفسه، لا على غيره. وعليه، فإذا كانت الوصيّة بالحجّ كالإقرار بالدَّين، وكان الموصي متّهماً، فإنّ ذلك يكون إقراراً في حقّ الغير؛ لما فيه من تفويت حقّ الورثة، فلا يكون نافذاً.

إذن، لو كانت هذه المسألة في الإقرار، لقلنا بعدم نفوذ هذا الإقرار إذا كان يتضمّن ضرراً على الآخرين، كما لو أقرّ شخص بأنّ له دَين على الآخرين، فإنّ مثل هذا الإقرار لا يكون نافذاً؛ إذ لا يتضمّن ضرراً على المقرّ نفسه، بل يتضمّن نفعاً له.

(مسألة13): لو مات الوصي بعد ما قبض من التركة أُجرة الاستئجار، وشكّ في أنّه استأجر الحجّ قبل موته أو لا، فإن مضت مدّة يمكن الاستئجار فيها فالظاهر حمل أمره على الصحّة مع كون الوجوب فورياً منه، ومع كونه موسّعاً إشكال، وإن لم تمض مدّة يمكن الاستئجار فيها وجب الاستئجار من بقية التركة إذا كان الحجّ واجباً، ومن بقية الثلث إذا كان مندوباً، وفي ضمانه لما قبض وعدمه لاحتمال تلفه عنده بلا ضمان وجهان.

نعم، لو كان المال المقبوض موجوداً أخذ حتّى في الصورة الأُولى، وإن احتمل أن يكون استأجر من مال نفسه إذا كان ممّا يحتاج إلى بيعه وصرفه في الأُجرة، وتملّك ذلك المال بدلاً عمّا جعله أُجرة؛ لأصالة بقاء ذلك المال على ملك الميّت.

لو مات الوصي بعد ما قبض من التركة أُجرة الاستئجار، وشُكّ في أنّه استأجر الحجّ قبل موته أو لا، فحينئذ ذكر المصنّف (قده) صورتين أو ثلاث صور كما سيتّضح ذلك منّا:

الأُولى: إذا مضى زمان يتعذّر فيه الاستئجار، فإنّه لا إشكال في وجوب الاستئجار على ورثة الموصي من أصل التركة إذا كان الحجّ واجباً، ومن ثلث التركة إذا كان الحجّ مندوباً؛ وذلك لأنّ ذمّة الموصي مشغولة مع عدم الإستئجار، ولا تجري أصالة الصحّة هنا؛ لأنّها إنّما تجري فيما إذا صدر عمل وشكّ في صحّته، بينما المفروض عدم تحقّق الاستئجار، فلا موضوع لجريان أصالة الصحّة. ويُسترجع مال الإجارة من ورثة الوصي إذا كان المال موجوداً، وأمّا لو لم يكن المال موجوداً فلا ضمان على الوصي إذا لم يكن مفرّطاً؛ لأنّ‌ المال كان أمانة بيده، ولا ضمان على الأمين.

إذن، هنا لم يتحقّق الاستئجار قطعاً، وذمّة الميّت مشغولة قطعاً، ولا تجري أصالة الصحّة هنا؛ لأنّها إنّما تجري في صورة وجود عمل نشكّ في صحّته، أمّا هنا فلا يوجد استئجار.

الثانية: إذا مضى زمان يمكن فيه الاستئجار، ولم يكن المال موجوداً عند الوصي، وهي على قسمين:

القسم الأوّل: إذا كان وجوب الحجّ على الموصي فوريّاً، وشكّ في أنّ الوصي هل أدّى وظيفته واستأجر مَن يحجّ عن الموصي في هذه السنة أم لا، فقد ذهب المصنّف (قده) إلى أنّ الظاهر حمل فعل الوصي على الصحّة، بمعنى أنّه صرف المال في الاستئجار بالحجّ عن الميّت، فتفرغ ذمّة الميّت.

القسم الثاني: إذا كان وجوب الحجّ على الموصي موسّعاً وغير مقيّد بسنة خاصّة، فقد استشكل المصنّف (قده) في حمل فعل الوصي على الصحّة؛ لأنّه كما يجوز للوصي صرف المال في الاستئجار للحجّ، كذلك يجوز له صرف المال في غيره ممّا يرى مصلحة فيه (إذن، يشكل أصالة الصحّة).


[2] أقول: إذا كان هذا إقراراً فهو إقرار صحيح ويُؤخذ به، ولو كان متّهماً، إذا كان حال الصحّة أو عدم مرض الموت. ثمّ على رأي المحقّق الخوئي (قده) القائل بأنّ الإجارة على الأعمال (إذا أوصى أن يُستأجر للحجّ، أي: أوصى أن يعمل عملاً، ويملكه وله قيمة) توجب ملكيّة العمل وله قيمة، يمكن أخذها إذا لم يعمل المستأجَر. وأمّا بناء على ما ذهبنا إليه من أنّ الإجارة على العمل ليس سوى التزام من المستأجَر على العمل مقابل المال، والمستأجِر يملك نتيجة العمل، فهنا لا تخرج الحجّة المستأجرة من أصل مال الموصي، بل تخرج من ثلثه عند الوصيّة بها.
logo