« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/10/21

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا صالحه على داره مثلاً وشرط عليه أن يحجّ عنه بعد موته .../فصل في الوصیّة بالحجّ /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الوصیّة بالحجّ /إذا صالحه على داره مثلاً وشرط عليه أن يحجّ عنه بعد موته ...

 

ثمّ أشكل المصنّف (قده) على ما ذكره المحقّق القمّي (قده) فقال: إن الوصيّة على قسمين.

الأوّل: إنّ الميّت قد يملك الحجّ مطلقاً، أي: يملك نوع الحجّ في ذمّة شخص آخر، ثمّ يوصى أن يكون هذا الحجّ عنه، فإنّ هذا يدخل في باب الوصيّة ـ كما ذكره المحقّق القمّي (قده) ـ ويعامل معاملة الأموال أو الحقوق المتروكة؛ لأنّ الحجّ عمل له أُجرة، ولذا ينتقل من الميّت إلى الوارث، ويترتّب عليه حكم الوصيّة ويخرج ثمنه من الثلث.

الثاني: إنّ الميّت قد يملك الحجّ عن نفسه في ذمّة شخص آخر بالشرط (أي: يملك الشارط على المشروط عليه الحجّ عن الشارط)، فإنّ هذا لا يدخل في باب الوصيّة ولا يعامل معاملة الأموال أو الحقوق المتروكة، ولا يمكن أن يتصرّف الميّت بهذا الشرط (الحجّ) بأن يبيعه أو يسقطه أو يبرأه؛ لأنّ هذا الحجّ لا يكون مالاً حتّى يملكه الوارث بعد الموت، ولا يكون تمليكاً ولا يكون وصيّة، بل إنّما هو عمل وجب أداؤه على المشروط عليه بالشرط، وهو تمليك على نحو خاص لا ينتقل إلى الورثة، ويخرج ثمنه من الأصل، والمقام هو من قبيل القسم الثاني[1] .

وقد ناقش المحقّق الخوئي (قده) ما ذكره المصنّف (قده) من التفصيل في ملكيّة الحجّ على ذمّة عمرو (المشروط عليه) مطلقاً ومن ملكيّة الحجّ على عمرو عن زيد، فقال: لو سلّمنا أنّ الحجّ ملك للميّت فإنّه لا مانع من انتقاله إلى الوارث؛ وذلك لأنّ ما ترك الميّت من حقّ أو مال فهو لوارثه، فصار الحجّ تركة، من دون فرق بين أن يملك الميّت على المشروط عليه طبيعي الحجّ أو يملك الميّت على المشروط عليه الحجّ عنه، ففي كلا الصورتين إذا مات الشارط وهو البائع، ينتقل الحجّ إلى الوارث، فيكون للوارث حقّ الإبراء والإسقاط وإيقاع مصالحة جديدة عليه، كما يكون له مطالبة المشروط عليه بإتيان الحجّ عن الميّت[2] .

إذن، تفريق المصنّف (قده) في مناقشة ما ذكره المحقّق القمّي (قده) غير صحيح.

ثمّ هناك مناقشة لما ذكره المحقّق القمّي (قده) من أنّ قيمة الحجّ تحسب من الثلث، فنقول: إنّ‌ الحج المشروط بعقد الصلح ليس مالاً؛ لأنّ الميّت اشترط على المشروط عليه عملاً، وليس ملكاً للميّت لينتقل إلى الوارث؛ لأنّ الاشتراط يعني التزام المشروط عليه بالعمل، وهذا لا يوجب أن يكون الشرط ملكاً للشارط، فإنّ الشرط يوجد حكماً تكليفيّاً بوجوب العمل على المشروط عليه للشارط، فإن لم يعمل المشروط عليه بالشرط فإنّ الشارط يتمكّن من الفسخ.

وعليه، فإنّ الاشتراط لا يوجب ملكيّة الشرط للشارط، ولا يملك الشارط على المشروط عليه العمل بالشرط حتّى ينتقل إلى الورثة، وإنّما يترتّب على الاشتراط الإلزام من الشارط والالتزام بالشرط من المشروط عليه، وهذا يوجب حكماً تكليفيّاً على المشروط عليه بأن يعمل للشارط. وعليه، فإنّ الحجّ المشروط في المقام ليس ممّا تركه الميّت حتّى يتنازع في خروجه من الثلث أو من الأصل، وإنّما يجب على المشروط عليه الإتيان بالحجّ مجّاناً بمقتضى الوفاء بالشرط، فإن وفى بالشرط وأتى بالحجّ فقد أتى بما وجب عليه، ولو تخلّف وترك الحجّ يثبت الخيار؛ لتخلّف الشرط.

ثمّ إذا تخلّف المشروط عليه عن الوفاء بالشرط، فإنّ الخيار (وهو الحكم الوضعي) هل يثبت للوارث أو الوصي أو الحاكم الشرعي؟

ذهب المصنّف (قده) إلى أنّ حقّ الشرط ينتقل إلى الوارث، فلو لم يعمل المشروط عليه بما شرط عليه يجوز للوارث أن يفسخ المعاملة.

وفيه: إنّ الحجّ كما لا ينتقل إلى الوارث؛ لعدم كونه ملكاً للميّت، فإنّ حقّ الخيار بتخلّف الشرط لا ينتقل إلى الوارث أيضاً، وفي توضيح ذلك نقول: إنّ الخيار على نوعين.

الأوّل: خيار ينتفع به الوارث، فإنّ هذا النوع من الخيار ينتقل إلى الوارث؛ وذلك لأنّ الشرط يرجع نفعه إلى الوارث، فالخيار المترتّب على تخلّف هذا الشرط يكون داخلاً فيما تركه الميّت فينتقل إلى الوارث، كما لو باع شيئاً واشترط على المشتري بناء داره، ثمّ مات الشارط (البائع) وتخلّف المشتري عن العمل بالشرط، فالخيار ينتقل إلى الورثة؛ إذ يصدق على الشرط الذي هو بناء الدار أنّه شيء تركه الميّت، ويصدق على الخيار الذي في صورة عدم بناء الدار أنّه مما تركه الميّت فينتقل إلى الورثة.

الثاني: خيار لا ينتفع به الوارث كما هو الحال في المقام، فإنّ هذا النوع من الخيار لا ينتقل إلى الوارث؛ وذلك لأنّ الشرط (الحجّ) لا يرجع نفعه إلى الوارث، فالخيار المترتّب على تخلّفه لا يكون داخلاً فيما تركه الميّت فلا ينتقل إلى الوارث. نعم، ينتفع الميّت بهذا الشرط (الحجّ) فكذلك يكون الخيار المترتّب على تخلّفه، فهو خيار يختصّ به الميّت، وأمّا الورثة فهم أجنبيّون عن هذا الخيار، وبما أنّ الميّت لا يتمكّن من إعمال الخيار فللوصي أو الحاكم إعمال الخيار عند تخلّف الشرط[3] .

فحينئذ إذا عمل المشروط عليه بالشرط فهو، وإلّا يتمكّن الحاكم أو الوصي من الزام المشروط عليه بالشرط، ويتمكّن الحاكم أو الوصي من فسخ المعاملة، فالمال الذي يحصل عليه الحاكم أو الوصي يُصرف في الحجّ باستئجار شخص آخر.

أقول: لأنّ هذا المال حصل عليه الميّت بعد موته (لأنّه مال حصل عليه الميّت بعد فسخ المعاملة من زمن الفسخ) فلا يصدق عليه أنّه ممّا تركه الميّت حتّى يكون للورثة، ولا دليل على رجوعه إرثاً كما في الدّية التي حصل عليها بعد قتله خطأً مثلاً. إذن، يكون هذا المال ملكاً للميّت فيُصرف فيما أراده من الشرط وهو الحجّ عنه.

 


[1] أقول: إنّ هذه الوصيّة في القسم الثاني مثل الدّية التي تُعطى عند الاعتداء على الميّت بعد وفاته من التمثيل به، فقد ورد النص أنّها ملك للميّت وتصرف عليه ولا تكون إرثاً؛ لأنّها ليست مملوكة للميّت بحيث يتمكّن أن يتصرّف بها في حياته أو يبيعها أو يهبها أو يأكلها، فليست ملك للميّت حال حياته ويجوز له كلّ تصرّف. إذن، هي ملكه بعد موته ولا ترجع إلى الورثة.وقد يقال: إنّ هذا الكلام لماذا لم نقله بالنسبة إلى دية الميّت في القتل؟الجواب: هناك نصّ على أنّها للورثة.
[3] أقول: قد يكون الشرط على الوارث فكيف يكون الخيار للوارث؟إذن، الخيار يبقى للميّت يُعمله الحاكم أو الوصي لولايتهما على الميّت؛ لأنّ الخيار يكون لمن ينتفع بالشرط، والمنتفع بالشرط هو الميّت فالخيار له.ولكن هنا قال السيّد الحكيم (قده) بأنّه إذا فسخ الحاكم عقد الصلح أو فسخ الوصي عقد الصلح، رجع المال إلى الميّت فيكون للورثة، ولا يجب صرفه فيما شرط على المصالَح.أقول: إذا حصل الفسخ الآن، فمن الآن ملك الميّت المال، فلا يصدق على هذا المال أنّه ممّا تركه الميّت حتّى يكون للورثة، ولا دليل على إرجاعه للورثة، بل يُصرف فيما أراده الميّت من الحجّ بالشرط.
logo