« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/10/13

بسم الله الرحمن الرحيم

لو أوصى بصرف مقدار معيّن في الحجّ سنين معيّنة .../فصل في الوصيّة بالحجّ /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الوصيّة بالحجّ /لو أوصى بصرف مقدار معيّن في الحجّ سنين معيّنة ...

وأمّا الوجه الثالث وهو الأخذ بظهور حال الموصي فإنّه لا بأس به فيما ذُكر من أنّ الموصي إذا تخيّل أو اعتقد كفاية ذلك المبلغ المعيّن لأداء الحجّ عنه سنين معيّنه لكلّ سنة مبلغ معيّن، ثمّ تبيّن عدم كفاية ذلك المبلغ، ففي هذه الصورة يُؤخذ به ويُجمع نصيب السنين الآتية ويُصرف للحجّ عنه في السنين المتقدّمة، أمّا لو كان الموصي يعلم باختلاف أُجرة الحجّ باختلاف السنين، ومع ذلك أوصى أن يُحجّ عنه سنين معيّنة لكلّ سنة مبلغ معيّن ثمّ اتّفق عدم كفاية ذلك المبلغ في السنين الآتية، فإنّ هذا الظهور لا يمكن أن يكون دليلاً للمسألة المطلقة. وعليه، فإنّ الظهور يمكن الأخذ به في بعض الموارد فيما إذا كان الظاهر من حاله ذلك، ولا يمكن الأخذ به في جميع الموارد.

وأمّا الوجه الرابع فهو النص، والنص هو عبارة عن روايتين، فإنّ الشيخ (قده) قد رواهما عن إبراهيم بن مهزيار.

فالأُولى: ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب، عن إبراهيم بن مهزيار قال: «كتب إليه علي بن محمّد الحضيني أنّ ابن عمي أوصى أن يحجّ‌ عنه بخمسة عشر ديناراً في كلّ‌ سنة، و ليس يكفي، ما تأمرني في ذلك؟ فكتب (عليه السلام): يجعل حجّتين في حجّة، فإن الله تعالى عالم بذلك»[1] .

والثانية: ما رواه الشيخ أيضاً بنفس الإسناد قال: «وكتبت إليه (عليه السلام): إنّ مولاك علي بن مهزيار أوصى أن يحجّ عنه من ضيعة صيّر ربعها لك في كلّ سنة حجّة إلى عشرين ديناراً وإنّه قد انقطع طريق البصرة، فتضاعف المؤن على الناس، فليس يكتفون بعشرين ديناراً، وكذلك أوصى عدّة من مواليك في حججهم، فكتب (عليه السلام) : يجعل ثلاث حجج حجّتين، إن شاء الله»[2] .

وقد نسب المصنّف (قده) الرواية الأُولى إلى علي بن محمّد الحضيني، وهو غير صحيح، فإنّ الحضيني كان كاتباً للإمام (عليه السلام) لا راوياً عنه، بل الراوي هو إبراهيم بن مهزيار.

وما ذُكر في الروايتين من التعبير بأنّه «يجعل حجّتين في حجّة» و«يجعل ثلاث حجج حجّتين» إنّما هو من باب المثال، فيجوز التعدّي منه إلى غيره كأن يجعل أُجرة ستّة حجج مثلاً في حجّة واحدة.

وأمّا الكلام في سند هاتين الروايتين، فإنّ الكليني (قده) رواهما مرسلاً، إلّا أنّ الصدوق والشيخ (قدّس سرّهما) رواهما مسنداً، وطريقهما إلى إبراهيم بن مهزيار صحيح، وإنّما الإشكال في إبراهيم نفسه؛ إذ لم يصرّح بوثاقته في كتب الرجال، ولأجل ذلك ذكر السيّد (قده) في المدارك أنّ في الروايتين ضعفاً، ولعلّه يشير إلى طريق الكليني (قده)، وقد اعترض عليه صاحب الحدائق (قده)[3] بأنّ طريق الصدوق (قده) إلى إبراهيم بن مهزيار صحيح، وهو في أعلى مراتب الصحّة (وهو يشير إلى طريق الشيخ والصدوق المسندين).

وقد استُدلّ على وثاقته بعدّة وجوه، أحدها: ما ذكره السيّد ابن طاووس (قده) في كتاب ربيع الشيعة من أنّ إبراهيم بن مهزيار من سفراء الصاحب (عجلّ الله تعالى فرجه الشريف) والأبواب المعروفين الذين لا تختلف الاثنا عشريّة فيهم، وتبعه غير واحد كالعلّامة والفاضل المجلسي.

وقد ناقش ذلك المحقّق الخوئي (قده) فقال: «إنّ هذا اجتهاد منه استنبطه من بعض الروايات، ولو كان سفيراً لذكره الشيخ في كتاب الغيبة الذي تصدّى فيه لذكر السفراء، وكذلك النجاشي، وغيرهما ممن تقدّم على ابن طاوس، مع شدّة اهتمامهم بذكر السفراء والأبواب.

نعم، ذكر الصدوق في كتاب إكمال الدِّين في الباب السابع والأربعين في ذكر من شاهد القائم (عليه السلام) حديثاً عن إبراهيم بن مهزيار وتشرّفه بخدمة الصاحب (عليه السلام)، وفيه: دلالة على جلالة قدر الرجل ووثاقته و علوّ مقامه، ولكن راوي الرواية هو إبراهيم نفسه، ولا يمكن إثبات وثاقة شخص بقول نفسه. على أنّ هذه الرواية مشتملة على أمر مقطوع البطلان والكذب وهو إخباره عن وجود أخ للحجّة (عليه السلام) مسمّى بموسى وقد رآه إبراهيم، وهذا ممّا لا يمكن تصديقه أبداً، والعمدة في وثاقته أنّه من رجال كامل الزيارات، فالرواية معتبرة والدلالة واضحة، فلا ينبغي الريب في الحكم المذكور»[4] .

وقد يقال في الجواب عن هذا الاستدلال: إنّه يمكن إثبات وثاقة إبراهيم بن مهزيار برواية أُخرى، وهي ما رواه الشيخ (قده) عن محمّد بن إبراهيم بن مهزيار أنّ بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام)، توجّه إبراهيم بن مهزيار إلى بغداد؛ ليسلّم أموالاً كانت معه إلى الإمام (عليه السلام)، لكن مرض أثناء الطريق وتوفّي، فأوصى إلى ابنه محمّد أن يوصل تلك الأموال للإمام (عليه السلام)، فتوجّه محمّد إلى العراق، وهو شاكّ مرتاب حول وصي الإمام العسكري (عليه السلام)، فعند قدومه إلى العراق، جاء رسول الإمام (عليه السلام) ومعه رقعة، وأخبره بما عنده من الأموال، فسلّم إليه ما طلب منه، ثمّ صدر توقيع من الإمام الحجّة (عليه السلام): «قد أقمناك مكان أبيك، فاحمد الله»[5] .

ويروي الشيخ الصدوق (قده) أنّ الإمام الحجّة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) أكّد في توقيعه لمحمّد بن إبراهيم على استمرار الارتباط بين الله والخلق منذ خلق آدم حتّى يوم القيامة، وقال: «يا محمّد بن إبراهيم! لا يدخلك الشكّ فيما قدمت له؛ فإنّ الله عزّ وجلّ لا يخلي الأرض من حجة»[6] .

فإنّه يقال: إنّ هذه الرواية وإن كانت تدلّ على أنّ إبراهيم بن مهزيار الأهوازي كان من محدّثي الشيعة في القرن الثالث الهجري ومن أصحاب الإمامين الهادي والجواد (عليهما السلام)، ومن وكلاء الإمام العكسري (عليه السلام)، وأنّ الأموال كانت تجتمع عنده ويقوم بتسليمها إلى الإمام، إلّا أنّ الذي أخبر بذلك هو ابنه محمّد، وهو ضعيف في نفسه. ويضاف إلى ذلك أنّ محمّد بن إبراهيم في هذه الرواية يمدح نفسه وأباه، فلا يمكن الاستدلال على وثاقة شخص بقول نفسه. كما أنّ هذه الرواية لا تثبت أنّ إبراهيم بن مهزيار كان من وكلاء الإمام (عليه السلام)؛ إذ من المحتمل أن يكون المال المذكور ملكاً لإبراهيم نفسه وقد أراد تسليمه إلى الإمام، من دون أن يكون وكيلاً للإمام (عليه السلام). ثمّ إذا ثبت أنّ إبراهيم بن مهزيار كان وكيلاً للإمام (عليه السلام)، فإنّ الوكيل ليس سفيراً للإمام (عليه السلام)، ولا باباً من أبوابه؛ لأنّ السفارة أخصّ من الوكالة.

وما ذكره المحقّق الخوئي (قده) من أنّ العمدة في وثاقة إبراهيم بن مهزيار أنّه من رجال كامل الزيارات، فإنّه لا يتمّ؛ لأنّه تراجع في أواخر حياته عن مبنى التوثيقات العامّة لمشايخ ابن قولويه في كتاب كامل الزيارات، فلا تثبت الوثاقة بذلك. نعم، ذكر المحقّق الخوئي (قده) في معجم رجال الحديث أنّ إبراهيم بن مهزيار هو أبو إسحاق الأهوازي، وله كتاب، وهو من أصحاب الإمامين الجواد والهادي (عليهما السلام)، وقد روى في تفسير القمّي، فيشمله التوثيقات العامّة لمشايخ علي بن إبراهيم القمّي حيث لم يتراجع عن هذا المبنى.

وعليه، تكون هذه الرواية معتبرة وفق مباني المحقّق الخوئي (قده)؛ لأنّ إبراهيم بن مهزيار من رجال تفسير القمّي.

ولو سلّمنا أنّ التوثيقات العامّة لمشايخ علي بن إبراهيم القمّي غير معتبرة، فإنّ إبراهيم بن مهزيار وإن لم يرد فيه توثيق صريح إلّا أنّه رجل معروف وممدوح، وعليه تكون الرواية حسنة، ولو لم يثبت ذلك وكانت الرواية ضعيفة، فإنّ عمل المشهور بها، بل عمل الجميع بها؛ نظراً للإجماع الذي تقدّم ذكره في صدر المسألة، يجبر ضعفها وتكون الرواية معتبرة حسب مبنانا المختار في الأصول.

ونضيف وجهاً خامساً كدليل لهذه المسألة ونقول: لا نحتاج إلى وجود روايات لإثبات الحكم في الفرع الأوّل من هذه المسألة، وذلك لأنّ الموصي قد أوصى بثلث ماله في أمور، منها: أن يُحجّ عنه سنين معيّنة وعيّن مبلغاً معيّناً لكلّ سنة، وعليه فإنّ هذا المقدار من المال لم ينتقل إلى الورثة، بل خرج عن ملكهم بالوصيّة، ويجب صرفه في الحجّ كما عيّن الموصي ذلك، لكن نظراً لارتفاع تكاليف الحجّ لا يمكن تنفيذ الوصيّة إلّا بجعل أُجرة سنتين في سنة واحدة، أو ثلاث سنين في سنتين، وهذا الحكم موافق لمقتضى القاعدة، ولا يمكن صرف هذا المال في وجوه البرّ؛ لأنّ المال يكف لأداء الحجّ بالطريق المذكورة بأن يُجعل حجّتين في حجّة واحدة أو ثلاث حجج في حجّتين، وإذا لم يكف المال لأداء الحجّ بأيّ وجه فإنّه يُصرف في وجوه البرّ أو يرجع إلى الورثة، وسيأتي ذلك قريباً فانتظر.

 


logo