« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/08/25

بسم الله الرحمن الرحيم

هل اللازم في تعيين أُجرة المثل ... و لو أوصى بالحجّ وعيّن المرّة أو التكرار .../فصل في الوصيّة بالحجّ /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الوصيّة بالحجّ /هل اللازم في تعيين أُجرة المثل ... و لو أوصى بالحجّ وعيّن المرّة أو التكرار ...

 

ثمّ إنّنا نقول: إنّ الأدلّة تدلّ على إخراج مصارف الحجّ من التركة، لكنّها لم تدلّ على أنّ اللازم في تعيين الأُجرة ملاحظة شأن الميّت في شرفه وضِعته، وبما أنّ مقتضى الإيصاء بالحجّ هو الإتيان بطبيعي الحجّ عن الميّت، فإنّ الطبيعي يتحقّق باستئجار أقلّ الناس أُجرة ما لم يكن في ذلك هتك لشأن الميّت. نعم، لو كان الأقل موجباً لهتك الميّت، كما لو استُؤجر شخص وضيع لأداء الحجّ عن الميّت وكان استئجاره موجباً لهتك الميّت وغير مناسب لشأنه، فلا يجوز ذلك، أمّا لو لم يكن الأقل موجباً لهتك الميّت، كما لو استُؤجر شخص متّقي عابد، حتّى لو لم يكن عالماً مساوياً لشأن الميّت، فيجوز ذلك ولا مانع من استئجاره.

فإنّ الأولى ما ذكره المصنّف (قده) من أنّ اللازم في تعيين أُجرة المثل هو الاقتصار على أقلّ الناس أُجرة ما لم يكن في ذلك هتك للميّت، أمّا إذا كان فيه هتك للميّت فلا يجوز.

وقد يقال: إذا دار أمر الاستئجار بين الأقل أو الأكثر، فإنّ الأقل متيقّن، بينما الأكثر مشكوك فيُنفى بأصالة البراءة.

فإنّه يقال: إنّ جريان البراءة عن الأكثر يكون فيما إذا كان امتثال الأقل مستقلّاً عن امتثال الأكثر، كما لو كان مديناً إمّا بمائة دينار أو بمائة وخمسين، فإنّ امتثال الأقل ليس متوقّفاً على امتثال الأكثر على تقدير ثبوته واقعاً، بل يسقط الواجب بمقدار الأقل وتفرغ الذمّة بالنسبة إليه، ويبقى الأكثر مشكوكاً فيُنفى بالبراءة.

أمّا المقام فإنّه ليس كذلك؛ لأنّ الأمر ليس دائراً بين الأقل والأكثر، بحيث لو أتى بالأقل يسقط الواجب وتفرغ الذمّة بالنسبة إليه، حيث إنّ الواجب هنا إمّا استئجار الأقل (الاستئجار بأقل من أُجرة المثل) وهو حجّ غير الوضيع عن الميّت إذا لم يكن فيه ذلك هتك للميّت، أو استئجار الأكثر (الاستئجار بأكثر من أُجرة المثل) وهو حجّ الشريف عن الميّت إذا وجب ملاحظة شأن الميّت في تعيين الأُجرة، وهما متباينان، فالأقل ليس متيقّن الوجوب وأداؤه لا يُعدّ امتثالاً حتّى يسقط الواجب بالنسبة إلىه؛ لاحتمال وجوب الشأنيّة واستئجار الأكثر. وبالتالي، مع أداء الأقل (أي: استئجار الأقل) يُشكّ في امتثال الواجب والوفاء به؛ لاحتمال وجوب الشأنيّة، ولذا لا يكون الأقل متيقّن الوجوب والأكثر مشكوكاً ليجري فيه البراءة.

(مسألة5): لو أوصى بالحجّ وعيّن المرة أو التكرار بعدد معيّن تعيّن، وإن لم يعيّن كفى حجّ واحد إلّا أن يعلم أنّه أراد التكرار، وعليه يحمل ما ورد في الأخبار من أنّه يحجّ عنه ما دام له مال، كما في خبرين ، أو ما بقي من ثلثه شيء كما في ثالث، بعد حمل الأوّلين على الأخير من إرادة الثلث من لفظ المال، فما عن الشيخ وجماعة من وجوب التكرار ما دام الثلث باقياً ضعيف، مع أنّه يمكن أن يكون المراد من الأخبار أنّه يجب الحجّ ما دام يمكن الإتيان به ببقاء شيء من الثلث بعد العمل بوصايا أخر، وعلى فرض ظهورها في إرادة التكرار ولو مع عدم العلم بإرادته لا بُدّ من طرحها لإعراض المشهور عنها، فلا ينبغي الإشكال في كفاية حجّ واحد مع عدم العلم بإرادة التكرار.

نعم، لو أوصى بإخراج الثلث ولم يذكر إلا الحجّ يمكن أن يقال: بوجوب صرف تمامه في الحجّ، كما لو لم يذكر إلّا المظالم أو إلّا الزكاة أو إلّا الخمس، ولو أوصى أن يحجّ عنه مكرّراً كفى مرّتان، لصدق التكرار معه[1] .

لو أوصى بالحجّ وعيّن المرّة أو التكرار، تعيّن ذلك؛ لوجوب العمل بالوصيّة، وإن لم يعيّن عدداً معيّناً وأطلق الأمر في الوصيّة فإنّه يكفي حجّ واحد؛ لأنّه أوصى بطبيعي الحجّ، والإطلاق ينصرف إلى إيجاد الطبيعة، وهي تتحقّق بإيجاد الفرد الأوّل. أمّا لو كان الموصي متردّداً بين الحجّ مرّة واحدة أو التكرار، فإنّ الأصل يقتضي عدم التكرار؛ لأنّ الطبيعة كما تتحقّق بإيجاد الفرد الأوّل كذلك تتحقّق بإيجاد الفرد الثاني والثالث، وحيث إنّ الأمر بالحجّ لا يقتضي المرّة أو التكرار فإنّ تردّد الموصي ينفع في الاقتصار على الأقل وإيجاد الطبيعة، فيُنفى الشكّ من الموصي بالزائد.

ولكن نُسب إلى الشيخ الطوسي (قده) وجوب التكرار ما دام الثلث باقياً، وتبعه جماعة منهم صاحب الحدائق (قده) وصاحب المستند (قده)، ويظهر من الحدائق أنّ وجوب التكرار موافق لمقتضى القاعدة حيث استدلّ على ذلك بأصالة الاشتغال، فإنّه إذا أتى بالحجّ عنه مرّة واحدة يُشكّ في فراغ ذمّة الوصي أو الوراث من وجوب العمل بالوصيّة، فأصالة الاشتغال تقتضي التكرار.

وفيه: إنّ الشكّ مردّد في محدوديّة اشتغال الوصي بين الأقل المتيقّن وهو الحجّ الواحد، أو الأكثر المشكوك وهو الحجّ الثاني أو الثالث، فهنا يُؤخذ بالأقل المتيقّن في وجوب امتثال الأمر بالوصيّة، ويُنفى الأكثر المشكوك بالبراءة، ولا مجرى لأصالة الاشتغال.

واستدلّ الشيخ الطوسي (قده) على وجوب التكرار بالروايات:

فالأُولى: ما رواه الشيخ بإسناده عن موسى بن القاسم، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن محمّد بن الحسن أنّه قال لأبي جعفر (عليه السلام): «جعلت فداك، قد اضطررت إلى مسألتك، فقال: هات، فقلت: سعد بن سعد أوصى حجّوا عني مبهماً، ولم يسمّ شيئاً، ولا يدرى كيف ذلك؟ فقال: يُحجّ عنه ما دام له مال»[2] .

والثانية: ما رواه بإسناده عن علي بن الحسن بن الفضّال، عن محمّد بن أُورمة، عن محمّد بن الحسن الأشعري مثله إلّا أنّه قال: «يُحجّ عنه ما دام له مال يحمله»[3] .

وهناك رواية ثالثة وهي: ما رواه الشيخ أيضاً عن محمّد بن علي بن محبوب، عن العباس، عن محمّد بن الحسن بن أبي خالد قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أوصى أن يحجّ عنه مبهماً؟ فقال: يحجّ عنه ما بقي من ثلثه شيء»[4] .

ثمّ أجاب المصنّف (قده) عن الروايات بوجهين:

الأوّل: حمل الروايات على ما إذا عُلم أنّ الموصي يريد التكرار.

وفيه: إنّ هذا الحمل غير صحيح؛ لأنّ مورد الروايات أنّ الحجّ الموصى به مبهم، حيث ورد فيها: «حجّوا عنّي مبهماً، ولم يسمّ شيئاً»، و«أوصى أن يحجّ عنه مبهماً»، ولذا لا يمكن حملها على صورة العلم بإرادة التكرار من الموصي.

الثاني: إعراض الأصحاب عن الروايات ممّا يؤدّي إلى سقوطها عن الحجيّة.

وقد ذكر المحقّق الخوئي (قده) بأنّ الإعراض لا يوجب سقوط الرواية عن الحجيّة، خصوصاً إعراض المتأخّرين. وعليه، فإنّ الصحيح في الجواب أن يقال: إنّ الروايات في نفسها ضعيفة غير قابلة للاعتماد؛ لأنّ الراوي في جميع الروايات محمّد بن الحسن كما في التهذيب، المعبّر عنه بمحمّد بن الحسن الأشعري، أو محمّد بن الحسن بن أبي خالد، أو محمّد بن الحسن أبي خالد الأشعري، وقد يضاف إليه القمّي، وقد يعبّر عنه بمحمّد بن الحسن بن أبي خالد شنبوله، وروى عنه الشيخ في الاستبصار إلّا أنّ فيه محمّد بن الحسين بن أبي خالد والصحيح ما في التهذيب، و على كلّ تقدير لم تثبت وثاقته[5] .

وقال السيّد الحكيم بأنّ هناك تأمّلاً ظاهراً في كون دعوى الإعراض المذكور هنا موجباً للوهن والسقوط عن الحجيّة؛ وذلك لأنّ المحقّق النراقي ذكر في المستند بأنّه لا يظهر رادّ لهذه الروايات من المتقدّمين عدا شاذ، وإعراض المتأخّرين لا يجدي بعد عمل القدماء[6] .

إذن، ينجبر ضعف الروايات بعد عمل المتقدّمين بها.

ثمّ إنّنا نرى أنّ الظاهر هو إتّحاد الروايات المذكورة في المقام، وأنّها في الأصل رواية واحدة؛ وذلك لأنّ الراوي في جميعها محمّد بن الحسن بن أبي خالد الذي يُعبّر عنه أحياناً بمحمّد بن الحسن الاشعري، أو بمحمّد بن الحسن بن أبي خالد شنبولة، وهو لم يوثّق. وعليه، لا توجد في المقام روايتان كما ذكر الشيخ الطوسي (قده)، أو ثلاث روايات كما ذكره بعض آخر، بل الظاهر أنّ هذه الروايات متّحدة حيث سُئل الإمام (عليه السلام) بسؤال واحد، وأجاب (عليه السلام) بجواب واحد، والتعدّد في الروايات إنّما نشأ من تعدد نقل الراوي بالنسبة إلى مَن يروي ويأخذ الرواية عنه.

ولعلّ هذه الروايات تشير إلى فرض آخر، وهو أنّ الميّت أوصى بإخراج ثلث ماله، ثمّ لم يوص إلّا بالحجّ، ففي هذه الحالة يحجّ عنه من ثلثه ما دام له مال، كما هو الحال لو أوصى بإخراج الثلث ولم يوص إلّا بإطعام الفقراء أو بردّ المظالم، فيصرف كلّ الثلث في ذلك. إذن، يجب تكرار الحجّ عن الميّت حتّى يفنى الثلث، أمّا لو أوصى بالحجّ من دون وصيّة بإخراج الثلث، فإنّه يكفي أداء حجّ واحد عنه.

يوجد إشكال مهم وهو أنّ سعد بن سعد الذي أوصى لمحمّد بن الحسن الأشعري هو من أصحاب الإمام الرضا والجواد (عليهما السلام) فكيف يمكن لمحمّد بن الحسن السؤال عن حكم وصيّته عن الإمام الباقر (عليه السلام)؟ إذن، المراد من أبي جعفر هو أبو جعفر الثاني محمّد بن علي الجواد (عليه السلام).

 


logo