« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/08/02

بسم الله الرحمن الرحيم

إطلاق الإجارة يقتضي المباشرة .../فصل في النيابة /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في النيابة /إطلاق الإجارة يقتضي المباشرة ...

 

مناقشة لما ذكره المحقّق الخوئي (قده) في عدم إمكان رواية المتأخّر عن المتقدّم:

وقد نقول بناء على وجود أبي جعفر الأحول في سند هذه الرواية: إنّ رواية المتأخّر، أي: رواية يعقوب بن يزيد الذي هو من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام)، عن المتقدّم وهو أبو جعفر الأحول المعروف بـ «مؤمن الطاق» الذي من الطبقة الخامسة ومن أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، أمر ممكن، فإنّه على الرغم من أنّ الفاصل الزمني بينهما كثير جدّاً، ورغم أنّ رواية المتأخّر عن المتقدّم تعدّ بعيدة وغير مألوفة في كتب الرجال، إلّا أنّ ذلك ليس مستحيلاً؛ فإنّ مؤمن الطاق يمكن أن يكون قد عمّر طويلاً حتّى أدرك زمن الإمام الهادي (عليه السلام)، وبالتالي روى عنه يعقوب بن يزيد.

كما أنّ رواية أبي جعفر الأحول عن عثمان بن عيسى الذي هو من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) وإن كانت بعيدة وغير مألوفة في كتب الرجال، ولكنّها ليست غير ممكنة إذا فُرض أنّ أبا جعفر الأحول عاش عمراً طويلاً وأدرك زمن الإمام الرضا (عليه السلام)، وبالتالي روى عن عثمان بن عيسى.

ويُستشهد على ذلك أنّ حبابة الوالبيّة بنت جعفر الأسديّة التي تُكنّى بأُمّ الندى، هي من روات الحديث، ومعروفة بإيمانها وولائها لآل البيت (عليهم السلام)، وقد رأت الإمام عليّاً (عليه السلام)، ثمّ رأت الإمام الحسن والحسين (عليهما السلام)، حتّى أدركت الإمام الرضا (عليه السلام)، وتوفّيت في عصره، وقد كفّنها الإمام الرضا (عليه السلام) في قميصه. وهذا يدلّ على إمكانية أن يعاصر الراوي عدّة من الأئمّة (عليهم السلام). وقد روى عنها ثابت الثُمالي، وأعدّها البرقي في رجاله من الراويات عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، وقال الشيخ الطوسي (قده) بأنّها من أصحاب الإمام الحسن والإمام الباقر (عليهما السلام)، وقال ابن داوود في القسم الأوّل من كتابه في باب الأسماء بأنّها من أصحاب الإمام الحسن والحسين وعلي بن الحسين (عليهم السلام)، فليكن أبو جعفر الأحول أيضاً كذلك فإنّه عاصر عدداً من الأئمّة (عليهم السلام) حتّى أدرك زمن الإمام الرضا (عليه السلام) وزمن الإمام الهادي (عليه السلام). إذن لا استحالة في رواية المتأخّر عن المتقدّم، وإن كان بعيداً.

وقد روى الكليني (قده) بإسناده عن علي بن محمّد، عن أبي علي محمّد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أحمد بن القاسم العجلي، عن أحمد بن يحيى المعروف بكرد، عن محمّد بن خداهي، عن عبد الله بن أيوب، عن عبد الله بن هاشم، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن حبابة الوالبيّة قالت: «رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في شرطة الخميس ومعه درّة، لها سبابتان يضرب بها بياعي الجري، والمارماهي، والزمار، ويقول لهم: يا بياعي مسوخ بني إسرائيل، وجند بني مروان، فقام إليه فرات بن أحنف، فقال: يا أمير المؤمنين وما جند بني مروان؟ قال: فقال له: أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمسخوا، فلم أر ناطقاً أحسن نطقاً منه، ثمّ أتبعته فلم أزل أقفو أثره حتّى قعد في رحبة المسجد، فقلت: له يا أمير المؤمنين ما دلالة الإمامة يرحمك الله: قالت: فقال ائتيني بتلك الحصاة وأشار بيده إلى حصاة، فأتيته بها فطبع لي فيها بخاتمه، ثمّ قال لي: يا حبابة! إذا إدّعى مدّع الإمامة، فقدر أن يطبع كما رأيت فاعلمي أنّه إمام مفترض الطاعة، والإمام لا يعزب عنه شئ يريده، قالت: ثمّ انصرفت حتّى قبض أمير المؤمنين (عليه السلام)، فجئت إلى الحسن (عليه السلام) وهو في مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) والناس يسألونه، فقال: يا حبابة الوالبية، فقلت: نعم يا مولاي، فقال: هاتي ما معك، قالت: فأعطيته فطبع فيها كما طبع أمير المؤمنين (عليه السلام)، قالت: ثمّ أتيت الحسين (عليه السلام) وهو في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقرب ورحب، ثمّ قال لي: إنّ في الدلالة دليلاً على ما تريدين، أفتريدين دلالة الإمامة؟ فقلت: نعم يا سيدي، فقال: هاتي ما معك، فناولته الحصاة فطبع لي فيها، قالت: ثمّ أتيت علي بن الحسين (عليهما السلام) وقد بلغ بي الكبر إلى أن أرعشت وأنا أعدّ يومئذ مائة وثلاث عشرة سنة فرأيته راكعاً وساجداً ومشغولاً بالعبادة فيئست من الدلالة، فأومئ إليّ بالسبابة، فعاد إليّ شبابي، قالت: فقلت: يا سيدي كم مضى من الدنيا وكم بقي؟ فقال: أمّا ما مضى فنعم، وأمّا ما بقي فلا، قالت: ثمّ قال لي: هاتي ما معك فأعطيته الحصاة فطبع لي فيها، ثمّ أتيت أبا جعفر (عليه السلام) فطبع لي فيها، ثمّ أتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فطبع لي فيها، ثمّ أتيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) فطبع لي فيها، ثمّ أتيت الرضا (عليه السلام) فطبع لي فيها. وعاشت حبابة بعد ذلك تسعة أشهر على ما ذكر محمّد بن هشام»[1] .

ونقل الشيخ الطوسي (قده) هذه الرواية في الغيبة[2] ، ذكر حبابة الكشيُّ[3] ، وذكر أنّها من المعمّرات من دون ذكر رجوعها شابّة. وبالتالي، هي من المعمّرين ومن النساء الراويات للحديث، وعاصرت عدّة من الأئمة (عليهم السلام)، وعليه فليكن أبو جعفر الأحول أيضاً كذلك فإنّه عاصر عدداً من الأئمّة حتّى أدرك زمن الإمام الرضا (عليه السلام) فروى عن عثمان بن عيسى، وأدرك زمن الإمام الهادي (عليه السلام) فروى يعقوب بن يزيد عنه. وبالتالي، لا استحالة في رواية المتأخّر عن المتقدّم، وإن كان بعيداً.

ولكن يُلاحظ على هذا بأنّ التأريخ لم يثبت أنّ مؤمن الطاق كان من المعمّرين، وعاصر عدداً من الأئمّة، وعمّر إلى زمن الإمام الرضا والهادي (عليهما السلام)، بل ذكر الأصحاب أنّه كان من أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) فقط، وكان من الطبقة الخامسة، بخلاف حبابة الوالبيّة، حيث ذكر العلماء أنّها كانت من المعمّرات، وأدركت عدداً من الأئمّة (عليهم السلام)، كما أنّ هناك في الرواية نوعاً من الإعجاز، وهو رجوعها شابّة بإشارة الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) إذا ثبت ذلك.

إذن، لم يبق إلّا البُعد وعدم وجود لفظة أبي جعفر الأحول في التهذيب وبقيّة الإشكالات المتقدّمة.

 


logo