46/07/17
لو أفسد الأجير حجّه/فصل في النيابة /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في النيابة /لو أفسد الأجير حجّه
فرع: لو أفسد الحاجّ عن نفسه حجّة الإسلام فيجب عليه الحجّ من قابل، وهل يجتزئ به عن حجّة الإسلام ولا يجب عليه الحجّ ثالثاً؟
قال المحقّق الخوئي (قده) لا إشكال في الإجتزاء والاكتفاء بما حجّ ثانياً، ولا يجب عليه الحجّ ثالثاً؛ وذلك لظهور الروايات[1] في الاكتفاء بحجّ واحد؛ لأنّ التعبير بأنّ عليه الحجّ من قابل (أو التعبير عليهما الحجّ من قابل) مع كون الروايات في مقام البيان والسكوت عن وجوب حجّ ثالث يقتضي الاكتفاء بالحجّ الثاني عن الحجّ الواجب بالاستطاعة، وبتعبير المحقّق الخوئي (قده)؛ لأنّ الحجّ الأوّل هو الفرض، وقد أتى به فيجزي عن حجّة الإسلام، ويجب عليه الحجّ في القابل عقوبة، ولا يجب عليه الحجّ ثالثاً؛ وذلك لظهور الروايات في الاكتفاء بحجّ، وأوضح من ذلك كلّه صحيح زرارة المتقدّم، فإنّ المرتكز في ذهن زرارة أنّه إذا فسد حجّه يجب عليه حجّ واحد، ولم يتعرّض للحجّ ثالثاً أصلاً وقد قررة الإمام (عليه السلام) على ذلك[2] .
أقول كمناقشة للمحقّق الخوئي (قده): لماذا لم يأت المحقّق الخوئي (قده) بهذا الكلام فيمَن حجّ نيابة عن الغير وأفسد حجّه؟ فإنّ الإمام (عليه السلام) قال: عليه الحجّة من قابل، فهو في مقام البيان، ولم يتعرّض لحجّة ثالثة، فينبغي أن يقال بعدم الحاجة إلى حجّة ثالثة، ولكن المحقّق الخوئي (قده) قال فيمَن حجّ عن الغير نيابة بحجّة ثالثة عن المنوب عنه، فلاحظ.
وأمّا إذا كان حجّه الأوّل الذي أفسده غير حجّة الإسلام، كما لو كان حجّاً مستحبّاً أو منذوراً، ثمّ استطاع بعد ذلك، فهل يتداخل الحجّ الثاني في العام القابل مع حجّ الإسلام أم لا؟
ذهب المحقّق الخوئي (قده) إلى أنّ الظاهر تداخل الحجّتين، فلا يجب الإتيان بحجّ ثالث بعنوان حجّ الإسلام؛ وذلك لأنّ التداخل وإن كان على خلاف القاعدة؛ لأنّ كلّ أمر ظاهر في حدوث وجوب عند حدوث سببه، إلّا أنّ هذا فيما إذا كان متعلّق كلّ منهما قابلاً للتكرار (التعدّد)، كما في قوله (عليه السلام): «إذا أفطرت في شهر رمضان متعمّداً فأعتق رقبة»، وقوله (عليه السلام): «إذا ظاهرت فأعتق رقبة»، وكلّ سبب له مسبّب، فالأمر ظاهر في التأسيس، ولذا يجب عليه كفّارتان للإفطار العمدي في شهر رمضان وللظهار؛ لأنّ تعدّد السبب يقتضي تعدّد المسبّب، فإنّ كلّ أمر ظاهر في حدوث الوجوب عند حدوث سببه فيما إذا كان المسبّب والمأمور به أمراً واحداً قابلاً للتكرار.
أمّا إذا كان المأمور به واحداً غير قابل للتكرار، كما هو الحال في المقام، فإنّه لا بدّ من القول بالتداخل؛ لأنّ الحاجّ الذي أفسد حجّه الندبي بالجماع قبل المشعر الحرام فإنّه يجب عليه الحجّ في السنة الثانية عقوبة لإفساد الحجّ الأوّل، وإذا استطاع للحجّ في نفس تلك السنة فإنّه يجب عليه أيضاً حجّ الإسلام فوراً وفي سنة الاستطاعة، وبما أنّ الحجّ في السنة الثانية غير قابل للتكرار لأنّ كلّ سنة لا يقع فيها إلّا حجّ واحد، فيتداخل الأمر بالحجّ الندبي مع الأمر بحجّ الإسلام، وحينئذ يكفي الإتيان بحجّ واحد لكلا الأمرين.
ويُلاحظ عليه: إنّ الواجب على المستطيع إتيان حجّ الإسلام فوراً، لكن ذلك لا يعني إتيان الحجّ في سنة الاستطاعة نفسها؛ لأنّ الأمر الوارد في الروايات الدالّة على وجوب حجّ الإسلام لا يدلّ على الفور ولا على التراخي، بل ورد النهي فيها عن تسويف الحجّ وإهماله، ولذا إنّ الفورية هنا تعني عدم تسويف الحجّ وإهماله، وبالتالي يتمكّن المستطيع أن يأتي بحجّ الإسلام بعد السنة الأُولى من الاستطاعة، ولم يعدّ ذلك تسويفاً للحجّ. وبالتالي، مَن أفسد حجّه الاستحبابي أو النذري بالجماع قبل المشعر الحرام فإنّه يجب عليه الحجّ من قابل عقوبة لإفساده الحجّ الأوّل، ثمّ يأتي بحجّ الإسلام في السنة الثالثة من دون أن يكون ذلك تسويفاً محرّماً.
ولكن بناء على ذهاب القوم إلى وجوب الفوريّة في سنة الاستطاعة فيكون كلام القوم صحيحاً.
وأمّا إذا كان الحجّ الأوّل الذي أفسده هو إجارة معيّنة للحجّ عن ميّت أو حيّ مستطيع ماليّاً لا بدنيّاً في سنة معيّنة فأفسد حجّه بالجماع قبل المشعر الحرام، ثمّ استطاع بعد ذلك في نفس تلك السنة، فعلي الرغم من أنّ السبب والأمر بالحجّ متعدّد، والمسبّب والمأمور به واحد غير قابل للتعدّد والتكرار، ولكن لا يتداخل الأمر بالحجّ عن الغير مع الأمر بوجوب الحجّ عن نفسه بعد تحقّق الاستطاعة؛ وذلك لأنّ المسبّب والمأمور به لكلّ من الأمرين يباين الآخر، فإنّ وجوب الحجّ عن الغير بالإجارة يباين وجوب الحجّ عن نفسه بالاستطاعة، ولذا لا يمكن القول بالتداخل والإتيان بحجّ واحد لتباين المسبّبين.
أمّا لو كان المسبّب والمأمور به لكلّ من الأمرين غير مباين للآخر، كما لو كان يحجّ عن نفسه حجّاً استحبابيّاً أو نذريّاً فأفسد حجّه بالجماع كذلك، ثمّ استطاع بعد ذلك لحجّ إسلام نفسه، فإنّ الأمر بالحجّ الاستحبابي أو النذري عن نفسه يتداخل مع الأمر بالحجّ الواجب عن نفسه بالاستطاعة؛ وذلك لأنّ المسبّبين غير متباينين (أي: لم يقيّد الحجّة الأُولى بأنّها غير الحجّة الثانية ولا العكس).