46/07/11
لو أفسد الأجير حجّه ... /فصل في النيابة /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في النيابة /لو أفسد الأجير حجّه ...
وذهب جماعة من العلماء ومنهم صاحب الجواهر (قده)[1] إلى أنّ الحجّ الأوّل فاسد، وأنّ إتمامه يكون عقوبة علىه، والواجب الأصلي هو الحجّ الثاني الذي يأتي به في العام القابل، ولذا لا يستحقّ الأجير الأُجرة إذا أفسد حجّه بالجماع[2] ؛ وذلك لدلالة الفساد الوارد في الروايات على المعنى الحقيقي، ولا موجب لحمله على المعني المجازي، ومن تلك النصوص صحيحة سليمان بن خالد حيث قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: في الجدال شاة، وفي السُباب والفسوق بقرة، والرفث فساد الحجّ»[3] ، وفي صحيحة علي بن جعفر قال: «سألت أخي موسى (عليه السلام) عن الرفث والفسوق والجدال ما هو؟ وما على مَن فعله؟ فقال الرفث: جماع النساء، والفسوق: الكذب والمفاخرة، والجدال: قول الرجل: لا والله وبلي والله ... الحديث»[4] .
وعليه، فإنّ الرفث وهو جماع النساء ـ في هذه الصحية وفي غيرها ـ يكون سبباً لفساد الحجّ وبطلانه، فيبطل الحجّ الأوّل الذي واقع فيه زوجته، غاية الأمر يقيّد هذا الحكم بالجماع الواقع بعد الإحرام وقبل المشعر الحرام، كما أنّ التعبير الوارد في الروايات من أنّ عليه الحجّ في العام القابل ظاهره إعادة الحجّ، وعدم إجزاء الحجّ الأوّل عن المنوب عنه.
ولكنّنا نخالف ذلك، فنقول: على الرغم من أنّ الروايات عبّرت بأنّ الرفث فساد الحجّ، وأمرت الروايات بالحجّ في السنة الثانية، إلّا أنّ ذلك لا يستلزم بطلان الحجّ الأوّل؛ لأنّ هناك قرينتين واضحتين على صحّة الحجّ الأوّل.
القرينة الأُولى: أمر الشارع بإتمام الحجّ الأوّل، فإنّ مقتضى ذلك صحّة الحجّ الأوّل حيث لا يأمر الشارع بإتمام الحجّ الباطل.
والقرينة الثانية: عدم الأمر بالخروج من الإحرام بالعمرة المفردة، فإنّ الحجّ لو كان باطلاً لوجب على الحاجّ عن نفسه أو عن غيره الخروج من إحرامه بعمرة مفردة، كما هو الحال في مَن لم يدرك الوقوفين بعرفات وبالمزدلفة فإنّه يجب عليه الخروج من الإحرام بعمرة مفردة، بينما لم تدلّ الروايات على وجوب الخروج بالعمرة المفردة، بل تدلّ على إكمال الحجّ الأوّل.
وتدلّ روايات متعدّدة وصريحة أيضاً على صحّة الحجّ الأوّل وأنّه الحجّ الأصلي، والحجّ الثاني عقوبة، وهذه الروايات بعضها فيمَن يحجّ عن نفسه، وبعضها فيمَن يحجّ عن غيره. وبناء على ذلك، يكون المراد من فساد الحجّ الأوّل وقوع الخلل في هذا الحجّ، يوجب عليه الحجّ من قابل، وتجب عليه بدنة، ويفرّق بينه وبين زوجته إذا وصلا إلى المكان الذي أحدثا فيه ما يوجب الفساد. إذن، ما ذهب إليه صاحب الجواهر (قده) من فساد الحجّ الأوّل لا يكون صحيحاً.
ولهذا ذهب صاحب العروة والمحقّق الخوئي وغيرهما (قدّس سرّهم)، بل صاحب الجواهر (قده) نفسه في مبحث الكفّارات إلى أنّ الحجّ الأوّل هو الفرض وأنّه الواجب الأصلي، والحجّ الثاني عقوبة، وهذا يدلّ على تراجعه عمّا ذكره في كتاب الحجّ. وعليه، لا بدّ من حمل الفساد على المعنى المجازي، أي: حصول الخلل في الحجّ الأوّل مما يترتّب عليه بعض الأحكام، لكنّه يكون صحيحاً وتفرغ ذمّته بالحجّ الأوّل إذا كان يحجّ عن نفسه، كما تفرغ ذمّة المنوب عنه بالحجّ الأوّل إذا كان يحجّ عن غيره.
ومن هذه النصوص صحيحة زرارة قال: «سألته عن محرم غشي امرأته وهي محرمة، قال: جاهلين أو عالمين؟ قلت: أجبني في الوجهين جميعاً، قال: إن كانا جاهلين استغفرا ربّهما، ومضيا على حجّهما وليس عليهما شيء، وإن كانا عالمين فُرّق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه، وعليهما بدنة، وعليهما الحجّ من قابل، فإذا بلغا المكان الذي أحدثا فيه فُرّق بينهما حتّى يقضيا نسكهما، ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، قلت: فأي الحجّتين لهما؟ قال: الأُولى التي أحدثا فيها ما أحدثا، والأُخرى عليهما عقوبة»[5] ،
ومنها روايتان في الأجير، الأُولى: صحيحة إسحاق بن عمّار قال: «سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجّة فيعطي رجل دراهم يحجّ بها عنه فيموت قبل أن يحجّ، ثمّ أعطى الدراهم غيره، فقال: إن مات في الطريق أو بمكّة قبل أن يقضي مناسكه فإنّه يجزي عن الأوّل، قلت: فإن ابتلي بشيء يُفسد عليه حجّه حتّى يصير عليه الحجّ من قابل، أيجزي عن الأوّل؟ قال: نعم، قلت: لأنّ الأجير ضامن للحجّ؟ قال: نعم»[6] ،
والثانية: صحيحة إسحاق الأُخرى عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في الرجل يحجّ عن آخر فاجترح في حجّه شيئاً يلزمه فيه الحجّ من قابل أو كفّارة؟ قال: هي للأوّل تامّة، وعلى هذا ما اجترح»[7] .
فإنّ هاتين الروايتين صريحتان في صحّة الحجّ الأوّل وأنّه الحجّ الأصلي، والحجّ الثاني عقوبة ، ولذا يستحقّ الأجير تمام الأُجرة وإن وجب عليه الحجّ من قابل، غاية الأمر أنّ الأجير ارتكب عملاً وأحدث خللاً في هذا الحجّ ممّا يترتّب عليه بعض الأحكام، مثل وجوب الحجّ من قابل، ووجوب ذبح بدنة، والتفرّق بينه وبين زوجته.
ثمّ ذكر صاحب العروة (قده) هل يجب على الأجير أن يأتي بالحجّ الثاني بالعنوان الذي أتى به الحجّ الأوّل، أي: يجب عليه أن يأتي بالحجّ الثاني بقصد النيابة عن المنوب عنه أو يجب عليه أن يأتي بالحجّ الثاني عن نفسه تعبّداً؟ وقد ذكر هنا وجهين:
الأوّل: إتيان الحجّ الثاني نيابة عن المنوب عنه، فيكون نظير القضاء؛ لأنّ الأجير في الحجّ الأوّل كان نائباً عن غيره، وهكذا يكون في الحجّ الثاني.
الثاني: إتيان الحجّ الثاني عن نفسه، لا عن المنوب عنه.
والصحيح هو الثاني؛ لأنّ الحجّ الأوّل وإن وقع فيه خلل، ولكنّه صحيح، وتفرغ ذمّة المنوب عنه به، وأمّا الحجّ الثاني فإنّه عقوبة لما ارتكبه من الخطيئة، كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة إسحاق: «وعلى هذا ما اجترح»، ولذا يأتي بالحجّ الثاني عن نفسه، والمنوب عنه أجنبي عنه.
هذا كلّه إذا كان الحجّ الأصلي هو الحجّ الأوّل، والحجّ الثاني عقوبة.
وأمّا لو كان الحجّ الأصلي هو الثاني، والحجّ الأوّل فاسد وإكماله عقوبة عليه، فإنّ الكلام يقع في جهات متعدّدة:
الأُولى: ذكر المحقّق الخوئي (قده) بأنّه يظهر من كلمات العلماء انفساخ الإجارة إذا كانت معيّنة ومقيّدة بهذه السنة، ولا يستحقّ الأُجرة، ويجب عليه الإتيان في القابل بلا أُجرة، أمّا إذا كانت الإجارة مطلقة فلا تنفسخ وتبقى ذمّة الأجير مشغولة بالحجّ المستأجر عليه إلى أن يأتي به.
ثمّ ناقش المحقّق الخوئي (قده) ذلك، فقال: لا موجب لانفساخ الإجارة في أمثال المقام؛ لأنّ مجرّد عدم الإتيان بالعمل المستأجر عليه اختياراً وعدم تسليمه غير موجب للانفساخ. نعم، إذا كان عاجزاً عن الإتيان به ينكشف بطلان الإجارة، فمَن استأجر شخصاً للصلاة مثلاً ولم يأت بها الأجير اختياراً أو أفسدها لا تبطل الإجارة، وإنّما يملك المستأجِر العمل في ذمّة الأجير، فإن سلّمه فهو وإلّا يثبت الخيار للمستأجِر، فإن فسخ يرجع إلى الأجر المسمّى، وإن لم يفسخ يرجع إلى قيمة العمل الثابت في ذمّة الأجير؛ لأنه فوّته على المستأجِر، وأمّا الأُجرة المسمّاة فيستحقّها الأجير حسب العقد وقد تختلفان كثرة وقلّة.
وبعبارة أُخرى: إن فسخ المستأجِر يرجع إلى الأجير في الأجر المسمّى ويطالبه بها، وإن لم يفسخ فللمستأجر مطالبة الأجير بأُجرة مثل العمل الفائت عليه، وقد تكون أكثر من المسمّى وقد تكون مساوية له وقد تكون أقل[8] .