« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/07/04

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا صد الأجير أو أحصر .../فصل في النيابة /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في النيابة /إذا صد الأجير أو أحصر ...

 

(مسألة17): إذا صدّ الأجير أو أحصر كان حكمه كالحاجّ عن نفسه فيما عليه من الأعمال، وتنفسخ الإجارة مع كونها مقيّدة بتلك السنة ويبقى الحجّ في ذمّته مع الإطلاق، وللمستأجِر خيار التخلّف إذا كان اعتبار تلك السنة على وجه الشرط في ضمن العقد، ولا يجزى عن المنوب عنه وإن كان بعد الإحرام ودخول الحرم، لأنّ ذلك كان في خصوص الموت من جهة الأخبار، والقياس عليه لا وجه له، ولو ضمن المؤجر الحجّ في المستقبل في صورة التقييد لم تجب إجابته، والقول بوجوبه ضعيف وظاهرهم استحقاق الأجرة بالنسبة إلى ما أتى به من الأعمال، وهو مشكل لأنّ المفروض عدم إتيانه للعمل المستأجر عليه وعدم فائدة فيما أتى به، فهو نظير الانفساخ في الأثناء لعذر غير الصدّ والحصر، وكالانفساخ في أثناء سائر الأعمال المرتبطة لعذر في إتمامها وقاعدة احترام عمل المسلم لا تجري، لعدم الاستناد إلى المستأجر، فلا يستحقّ أجرة المثل أيضاً [1] .

المصدود هو الذي يمنعه العدوّ من إكمال مناسك الحجّ أو العمرة، بينما المحصور هو الذي يمنعه المرض أو شبهه مثل الكسر من إتمام المناسك بعد التلبّس بالإحرام، فإذا صدّ الحاجّ الذي يحجّ عن نفسه من قبل عدوّ فإنه يذبح هدياً في مكان الصدّ، ويتحلّل عن إحرامه ويحلّ له كلّ شيء حتّى النساء، أمّا إذا أُحصر الحاجّ الذي يحجّ عن نفسه بسبب مرض أو كسر في رجله، فإنّه يبعث هدياً للجهة المتوجّه إليها، فاذا كان محصوراً في عمرة التمتّع أو العمرة المفردة يبعث هدياً مع أصحابه إلى مكّة ويتواعد معهم لوقت الذبح ليتحلّل عن إحرامه بعد الذبح، ولو كان محصوراً في حجّ التمتع أو حجّ الإفراد أو القران وكان متوجّهاً إلى منى وهو مكان الذبح، يبعث هدياً إلى تلك الجهة ويتحلّل عن إحرامه بعد الذبح، ولكنّ المحصور لا يتحلّل من النساء إلى أن يأتي بعمرة مفردة بنفسه.

والكلام في هذه المسألة حول حكم الأجير في حالة الصدّ أو الحصر:

أوّلاً: إذا صُدّ الأجير أو أُحصر بعد التلبّس بالإحرام، فهل يكون حكمه حكم الحاجّ عن نفسه في أحكام الصدّ أو الحصر أم لا؟

وثانياً: إذا صُدّ أو أُحصر فهل تنفسخ الإجارة إذا كانت مقيّدة بسنة الإحصار أو الصدّ أو لا؟ وإذا كانت الإجارة مشروطة بالحجّ في تلك السنة، وتخلّف الأجير عن الشرط، فهل يثبت الخيار للمستأجِر أو لا؟ وإذا كانت الإجارة مطلقة فهل يبقى الحجّ المستأجر عليه في ذمّة الأجير ويجب عليه الإتيان به بعد تلك السنة أو لا؟

وثالثاً: إذا صدّ أو أُحصر بعد تلبّسه بالإحرام ودخول الحرم فهل يجزي عن حجّ المنوب عنه أو لا؟ وهل يصحّ الحجّ عن نفسه لو كان حاجّاً عن نفسه؟

ورابعاً: لو ضمن الأجير أن يأتي بالحجّ في سنة أُخرى فهل تجب الإجابة على المتسأجِر أو لا؟

وخامساً: هل يستحقّ الأجير شيئاً من الأُجرة بالنبسة لما أتى به من الأعمال أو لا يستحقّ شيئاً منها؟

الأوّل: الظاهر لو صُدّ الأجير أو أُحصر فحكمه حكم الحاجّ عن نفسه فيما عليه من الأحكام؛ وذلك لأنّ أدلّة أحكام الصدّ والحصر مطلقة وغير مقيّدة بالحاجّ الذي يحجّ عن نفسه فقط، فإنّ هذه الأحكام كما تشمل مَن يحجّ عن نفسه فإنّها تشمل النائب الذي يحجّ عن غيره أيضاً، وبالتالي تشمل عنوانين، أحدها: الحاجّ عن نفسه، والآخر: الحاجّ عن غيره، ويدلّ على ذلك إطلاق ما روى الصدوق بإسناده عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) حيث قال: «المحصور غير المصدود، وقال: المحصور هو المريض، والمصدود هو الذي يردّه المشركون كما ردّوا رسول الله (صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله) ليس من مرض، والمصدود تحلّ له النساء، والمحصور لا تحلّ له النساء»[2] .

وما روي عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه ‌السلام) ـ في حديث ـ قال: «إنّ الحسين بن علي خرج معتمراً فمرض في الطريق فبلغ عليّاً (عليه ‌السلام) وهو بالمدينة، فخرج في طلبه فأدركه في السُقيا وهو مريض بها، فقال: يا بُنيّ ما تشتكي؟ فقال: أشتكي رأسي، فدعا عليّ ببدنة فنحرها وحلق رأسه وردّه إلى المدينة، فلمّا برأ من وجعه اعتمر، فقلت: أرأيت حين برأ من وجعه أُحلّ له النساء؟ فقال: لا تحلّ له النساء حتّى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فقلت: فما بال النبي (صلّى ‌الله ‌عليه ‌وآله) حين رجع إلى المدينة حلّ له النساء ولم يطف بالبيت؟ فقال: ليس هذا مثل هذا، النبي (صلّى ‌الله ‌عليه ‌وآله) كان مصدوداً والحسين (عليه ‌السلام) محصوراً»[3] ، فهذه الرواية تدلّ على أنّ المحصور يذبح هدياً في محلّه ويتحلّل من إحرامه إلّا النساء حتّى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، أمّا ما ذُكر من أنّ المحصور يرسل هدياً إلى الجهة المتوجّه إليها فهو إذا كان يمكنه فعل ذلك، مثل أن يكون معه جماعة فيرسل معهم هدياً أو يخصّص مالاً لشراء الهدي لتلك الجهة المتوجّه إليها، وأمّا إذا تعذّر إرسال الهدي أو إعطاء المال لشراء الهدي، كما لو لم يكن معه أحد، فإنّه يذبح الهدي في محلّه.

وعليه، فإنّ الحكم بوجوب إرسال الهدي إلى الجهة المتوجّه إليها يختصّ بما إذا تمكّن المحصور من ذلك، أمّا في حال عدم التمكّن فيذبح الهدي في مكان الحصر.

الثاني: إذا كانت الإجارة مقيّدة بالسنة التي صُدّ أو أُحصر فيها الأجير، ولم يتمكّن من إتيان الحجّ المستأجر عليه في تلك السنة أو كانت الإجارة مقيّدة بشهر معيّن وصدّ أو أُحصر فيه ولم يتمكّن من إتيان العمرة المستأجر عليها في ذلك الشهر، فإنّ الإجارة تنفسخ بلا إشكال؛ وذلك لعدم القدرة على تسليم العمل المستأجر عليه (بناء على مسلك المشهور)، أو لعدم القدرة على الوفاء بالتزامه بناء على مسلكنا، حيث مع الصدّ أو الحصر ينكشف عدم تمكّن الأجير من الوفاء بالعمل المستأجر عليه، فتكون الإجارة باطلة وتنفسخ حينئذ؛ لأنّ المستأجِر يريد هذه الحصّة الخاصّة من الحجّ في هذه السنة التي صُدّ الأجير أو أُحصر فيها، ولا يريد غيرها.

وأمّا لو كانت الإجارة مشروطة بتلك السنة التي صُدّ أو أُحصر فيها، وتخلّف الأجير عن هذا الشرط، فإنّه يثبت الخيار للمستأجِر، فإن فسخ فهو وإلّا يأتي الأجير بالحجّ بعد تلك السنة.

نعم، لو كانت الإجارة مطلقة من دون تقييد أو اشتراط بتلك السنة التي صُدّ أو أُحصر فيها، تبقى الإجارة في ذمّته ويأتي الأجير بالحجّ بعد تلك السنة.

الثالث: تقدّم الكلام حول أنّ المستطيع إذا أحرم للحجّ عن نفسه ثمّ مات بعد الإحرام ودخول الحرم فإنّ عمله يجزي عن حجّة الإسلام، وكذلك إذا مات النائب في الحجّ عن غيره بعد الإحرام ودخول الحرم فإنّ عمله يجزي عن حجّ المنوب عنه، ولكن إذا صُدّ النائب أو أُحصر بعد الإحرام ودخول الحرم ولم يمت، فإنّ عمله هل يجزي عن حجّ المنوب عنه أو لا؟ فالظاهر عدم الإجزاء عن المنوب عنه، وإن كان أجيراً على تفريغ ذمّة الميّت؛ وذلك لأنّ الإجزاء على خلاف القاعدة، ويختصّ بموت الحاجّ عن نفسه أو الحاجّ عن غيره بعد الإحرام ودخول الحرم، فلا دليل على التعدّي إلى غيره، ولا يقاس صدّ النائب أو حصره بعد الإحرام ودخول الحرم بموت الحاجّ عن نفسه أو الحاجّ عن غيره. وبالتالي، فإنّ مقتضى القاعدة عدم الإجزاء عن المنوب عنه.

نعم، ذهب الشيخ الطوسي (قده) (في الخلاف) إلى أنّ الصدّ النائب أو حصره بعد الإحرام ودخول الحرم يجزي عن المنوب عنه، وهو كموت المستطيع أو النائب في الحجّ عن غيره بعد الإحرام ودخول الحرم، وقد ادّعى الإجماع على ذلك، واعتبر المسألة منصوصة ولا خلاف فيها.

ولكنّنا نقول بأنّ النصوص تدلّ على الإجزاء فيمَن مات بعد الإحرام ودخول الحرم، سواء كان يحجّ عن نفسه أو يحجّ عن غيره، ولم يردّ نصّ يدلّ على الإجزاء في الصدّ والحصر ولو أحرم ودخل الحرم، فما ذكره (قده) سهو منه.

الرابع: لو ضمن الأجير المصدود أو المحصور بإتيان الحجّ المستأجر عليه في سنة أُخرى أو ضمن بإتيان العمرة المستأجر عليها في شهر آخر، فهل تجب الإجابة على المستأجِر أم لا؟ فنقول: إذا كانت الإجارة للحجّ مشروطة بهذه السنة التي صُدّ أو أُحصر فيها، وكان التعيين في الإجارة على نحو الشرط، فلا تجب الإجابة، بل يثبت للمستأجِر الخيار عند تخلّف الشرط، سواء كان التخلّف اختياريّاً أو اضطراريّاً. نعم، يختلف الحكم الشرعي بالحرمة وعدمها، فإذا كان التخلّف اختياريّاً فهو محرّم، وإذا كان التخلّف اضطراريّاً فإنّه ليس بحرام.

وأمّا إذا كانت الإجارة للحجّ مقيّدة بسنة معيّنة أو كانت الإجارة للعمرة المفردة مقيّدة بشهر معيّن، أي: إذا كان التعيين على نحو التقييد، فإنّه لم تجب الاجابة، ولا موضوع لوجوب الإجابة حينئذ، بل ينفسخ العقد؛ لأنّ المستأجِر يريد هذه الحصّة الخاصّة من الحجّ ولا يريد غيرها، فإذا لم يتمكّن من إتيان العمل المستأجر عليه ينفسخ العقد لعدم القدرة على إتيان هذه الحصّة بعد الصدّ والحصر.

إذن، لو ضمن الأجير بإتيان الحجّ في سنة أُخرى، أو ضمن بإتيان العمرة في شهر آخر، فإنّ هذا الضمان والتعهّد عقد جديد، ويحتاج إلى رضا المستأجِر، ولا تجب عليه الإجابة؛ لأنّ هذا الأمر الذي تعهّد به يباين ويغاير ما تعاقدا عليه سابقاً ولم يحصل.

نعم، لو كانت الإجارة مطلقة، ولم تكن مقيّدة أو مشروطة بسنة معيّنة، فلا تنفسخ الإجارة عند الصدّ والحصر، وليس للمستأجِر الفسخ؛ لأنّ عقده لازم، ويجب على الأجير إتيان الحجّ أو العمرة في سنة أُخرى أو في شهر آخر، ولكن هذا مطلب آخر؛ لأنّ التعيين هنا ليس شرطاً ولا قيداً.

الخامس: إذا صُدّ النائب أو أُحصر فهل تقسّط الأُجرة بالنبسة لما أتى به من الأعمال والمقدّمات؟ إنّ الحكم بالتقسيط مشكل؛ لأنّ الحجّ الذي استؤجر عليه عمل واحد مترابط الأجزاء، ولذا لا يستحقّ شيئاً من الأُجرة لو صُدّ أو أُحصر ولم يأت بالعمل الكامل، ولا تفرغ ذمّة الميّت إلّا بإتيان العمل الكامل لجميع الأجزاء والشرائط، ولا فائدة فيما أتى به من الأعمال والمقدّمات؛ لما تقدّم من أنّه لا دليل على إجزاء عمل المصدود أو المحصور عن المنوب عنه حتّى بعد الإحرام ودخول الحرم، فلا عبرة بالأعمال التي جاء بها ما لم يكمّل الحجّ أو العمرة، حيث إنّ ما أتى به يباين العمل المستأجر عليه، مثل ما لو استؤجر شخص على إتيان ركعتين بملبغ معيّن فمات في أثناء الصلاة أو مات في أثناء النهار لو استؤجر للصوم، فإنّه لا يستحقّ شيئاً من الأُجرة ما لم يأت بالعمل الكامل.

 


logo