« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/06/28

بسم الله الرحمن الرحيم

قد عرفت عدم صحّة الإجارة الثانية .../فصل في النيابة /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في النيابة /قد عرفت عدم صحّة الإجارة الثانية ...

(مسألة16): قد عرفت عدم صحّة الإجارة الثانية فيما إذا آجر نفسه من شخص في سنة معيّنة، ثمّ آجر من آخر في تلك السنة، فهل يمكن تصحيح الثانية بإجازة المستأجِر الأوّل أو لا؟ فيه تفصيل، وهو أنّه إن كانت الأُولى واقعة على العمل في الذمّة لا تصحّ الثانية بالإجازة لأنّه لا دخل للمستأجر بها إذا لم تقع على ماله حتّى تصحّ له إجازتها، وإن كانت واقعة على منفعة الأجير في تلك السنة بأن تكون منفعته من حيث الحجّ أو جميع منافعه له جاز له إجازة الثانية، لوقوعها على ماله، وكذا الحال في نظائر المقام، فلو آجر نفسه ليخيط لزيد في يوم معيّن ثمّ آجر نفسه ليخيط أو ليكتب لعمرو في ذلك اليوم ليس لزيد إجازة العقد الثاني، وأمّا إذا ملكة منفعته الخياطي فآجر نفسه للخياطة أو للكتابة لعمرو جاز له إجازة هذا العقد، لأنّه تصرّف في متعلّق حقّه، وإذا أجاز يكون مال الإجارة له، لا للمؤجر. نعم، لو ملك منفعة خاصة كخياطة ثوب معيّن أو الحجّ عن ميّت معيّن على وجه التقييد يكون كالأوّل في عدم إمكان إجازته[1] .

تقدّم في المسألة الرابعة عشر أنّه إذا آجر نفسه للحجّ عن شخص مباشرة في سنة معيّنة، ثمّ آجر نفسه للحجّ عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة أيضاً، تبطل الإجارة الثانية؛ لعدم القدرة على العمل بالإجارة الثانية بعد وجوب العمل بالإجارة الأُولى. ولكنّنا لم نقبل ذلك، فقلنا بصحّة الإجارة الثانية أيضاً لوجود القدرة التكوينيّة علىها ولو بعصيان الإجارة الأُولى، والأمر بوجوب العمل بالإجارة الأُولى لا يوجب حرمة العمل بالإجارة الثانية؛ لأنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، وغاية الأمر أنّ الأجير إمّا يعصي الإجارتين معاً أو يأتي بإحداهما ويعصي الأُخرى.

والكلام في هذه المسألة (على مباني القوم) هل يمكن تصحيح الإجارة الثانية بإجازة المستأجِر الأوّل ورضاه أو لا؟

ذكر صاحب العروة (قده) تفصيلاً في هذه المسألة حيث ذهب إلى القول بصحّة الإجارة الثانية إذا وقعت على ملك المستأجِر الأوّل فأجازها، وذهب إلى عدم صحّة الإجارة الثانية إذا وقعت على العمل في الذمّة، وتوضيح ذلك:

أمّا صحّة الإجارة الثانية فهي تتحقّق إذا وقعت الإجارة الأُولى على ملكيّة المستأجِر لعمل الأجير في الخارج، ووقعت الإجارة الثانية على ملكيّة العمل المملوك للمستأجِر الأوّل، كما لو آجر شخص نفسه بجميع منافعه أو بمنفعته الخاصّة مثل الخياطة لشخص فصار عمله ملكاً للمستأجِر الأوّل، ثمّ آجر نفسه كذلك لشخص آخر ليكون عمله الذي هو مملوك للمستأجِر الأوّل ملكاً للمستأجِر الثاني، فإنّ الإجارة الثانية تكون فضوليّة؛ لأنّ الأجير لا يملك عمل نفسه، بل يملكه المستأجِر الأوّل. وعليه، تصحّ الإجارة الثانية لو أجازها المستأجِر الأوّل، ويأخذ المستأجِر الأوّل الأُجرة المسمّاة للإجارة الثانية، ويعطي الأجير الأُجرة المسمّاة للإجارة الأُولى، فعلى سبيل المثال: لو كانت الإجارة الأُولى بمبلغ أربعة ملايين دينار، والثانية بمبلغ ستة ملايين دينار، فيأخذ المستأجِر الأوّل ستة ملايين دينار، أي: يأخذ الأُجرة للإجارة الثانية، ويدفع للأجير أربعة ملايين دينار (أُجرة الإجارة الأُولى).

وهذا نظير البيع الفضولي، فإذا باع أحد بيته لشخص بملغ مائة مليون دينار، ثمّ باعه لشخص آخر بملبغ مائة وعشرون مليون دينار، فإنّ البيع الثاني يكون فضوليّاً ويصحّ بإجازة المشتري الأوّل، فإن أجازه يأخذ ثمن البيع الثاني، أي: مائة وعشرون مليون دينار، ويعطي للمالك الأصلي مائة مليون دينار (ثمن البيع الأوّل)، ففي المقام أيضا كذلك، فإنّ المستأجِر الأوّل ملك منفعة عمل الأجير كلّها، فحينئذ لو آجر الأجير نفسه من شخص آخر، فإنّ لازمه أنّ الإجارة الثانية وقعت على ملك المستأجِر الأوّل، فتكون الإجارة الثانية فضولية، وتصحّ بإجازة المستأجِر الأوّل؛ لأنّها وقعت في ملكه، فإن أجازها يأخذ الأُجرة للإجارة الثانية.

وأمّا عدم صحّة الإجارة الثانية فهي فيما إذا لم تقع الإجارة الثانية على ملكيّة المستأجِر الأوّل لمنفعة العمل الخارجي للأجير، بل وقعت على ذمّة الأجير، كما لو آجر نفسه للحجّ عن شخص مباشرة في هذه السنة فصار عمله ملكاً للمستأجِر الأوّل، ثمّ آجر نفسه للحجّ عن شخص آخر في الذمّة، والذمّة وعاء عقلائي للواجبات الاعتباريّة، فإنّ الحجّ المستأجر عليه ثانياً ليس مملوكاً للمستأجِر الأوّل، وليس له إجازته؛ لأنّ الإجارة الثانية للحجّ لم تقع على ملك المستأجِر الأوّل حتّى تكون صحيحة بإجازته، ولا ربط للمستأجِر الأوّل بصحّة الإجارة الثانية التي وقعت على ذمّة الأجير، نظير ما لو باع بيته في الخارج لشخص، ثمّ باع بيتاً كلّياً في الذمّة لشخص آخر، فإنّ المشتري الأوّل لا ربط له بإجازة البيع الثاني الذي وقع في الذمّة، بل البائع هو الذي يطبّق هذا الكلّي في الذمّة على مصداقه في الخارج.

وكذا إذا وقعت الإجارتان في الذمّة، فإنّ المستأجِر الأوّل لا علاقة له بإجازة الإجارة الثانية؛ وذلك لأنّ العمل المستأجر عليه ثانياً من شخص آخر ليس مملوكاً للمستأجِر الأوّل ولم يقع على ملكه حتّى يجيزه، فالإجارة الثانية وقعت على ذمّة الأجير، فلا ربط بالمستأجِر الأوّل بإجازة الإجارة الثانية.

ولذا لو استؤجر شخص لخياطة عباءة لشخص، ثمّ استؤجر لخياطة عباءة أُخرى لأشخاص آخرين في الذمّة، فإنّ الإجارة الأُولى لا ترتبط بالإجارة الثانية، وليس للمستأجِر الأوّل إجازة الإجارة الثانية أو إبطالها؛ لأنّ كلا الإجارتين تعلّقتا بالذمّة، وبالتالي يمكن للخيّاط قبول خياطة عباءات متعدّدة لعدّة أشخاص في يوم واحد؛ لأنّ تلك الإجارات تعلّقت بالذمّة، ولا يقول أحد ببطلان الإجارة التي تعلّقت بالعمل في الذمّة، ولذا لو قلنا ببطلان الإجارة الثانية (لعدم قدرته على العمل للمستأجِر الثاني في نفس اليوم) ، فلا تصحّ بإجازة المستأجِر الأوّل.

ويُلاحظ عليه: لا يعتبر في تصحيح العقد الثاني أن يكون المجيز مالكاً لمتعلّق العقد الثاني، بل يكفي أن يكون أمر العقد الثاني بيده نفياً وإثباتاً (بمعنى أنّ رفعه ونفيه أو إثباته وتصحيحه بيده) وإن لم يكن مملوكاً له، ولذا يصحّ بيع العين المرهونة بإجازة المرتهن وإن لم يكن مالكاً لها، ويصحّ بيع أموال المفلّس بإجازة الغرماء رغم أنّهم ليسوا مالكين لها.

ثمّ إنّ الإجارة الأُولى التي وقعت على إتيان الحجّ المقيد بالمباشرة، فإنّ هذا التعيين إمّا أن يكون على نحو القيديّة أو على نحو الشرطيّة، وعلى كلا التقديرين للمستأجِر الأوّل أن يرفع يده عن القيد أو الشرط فتصحّ الإجارة الثانية؛ لحصول القدرة على إتيان الحجّ عن المستأجِر الثاني، وإن تحقّقت القدرة بعد انعقاد الإجارة الثانية، ولا حاجة إلى تجديد العقد؛ لأنّ القعد ليس إلّا الإيجاب والقبول والقدرة على إتيان العمل.

كما أنّ للمستأجِر الأوّل التوسعة في وجوب الوفاء وتبديل الحجّ المستأجر عليه في السنة الأُولى بالمباشرة بحجّ آخر برضا المؤجَر، بحيث لا يكون الحجّ المستأجر عليه مقيّداً أو مشروطاً بكونه في هذه السنة، بل يكون الحجّ المستأجر عليه طبيعي الحجّ في أيّ سنة كان، فتصحّ الإجارة الثانية أيضاً، لحصول القدرة على إتيان الحجّ للمستأجِر الثاني.

وكما أنّ المستأجِر الأوّل إذا كان له الخيار ففسخ العقد الأوّل، فتصحّ الإجارة الثانية بلا تجديد للإيجاب والقبول؛ لحصول القدرة علىها. وكذلك إذا كان الخيار للمؤجَر ففسخ العقد، أو تقايل المستأجِر الأوّل مع المؤجَر ففسخا العقد الأوّل، فتصحّ الإجارة الثانية لحصول القدرة عليها.

والخلاصة أنّنا نقول: إذا كان أمر العقد الثاني بيد المستأجِر الأوّل نفياً أو إثباتاً، وإن لم يكن متعلّق العقد الثاني مملوكاً له، ولكنّه لو رفع يده عن القيد أو الشرط، أو وسّع في وجوب الوفاء، أو فسخ العقد الأوّل، تصحّ الإجارة الثانية؛ لتمكّن المؤجَر من إتيان الحجّ المستأجر عليه للمستأجِر الثاني.

إذن، يتمّ موضوع وجوب الوفاء بأحد هذه الأمور الثلاثة، وتصحّ الإجارة الثانية؛ لحصول القدرة عليها، والقدرة هي موضوع وجوب الوفاء بعقد الإجارة الثانية، فيشملها دليل (أوفوا بالعقود)، نظير بيع الكلّي في الذمّة الذي يتعاقد عليه المتعاقدان في بيع السلم، فإنّه لو باع طنّاً من الحديد مقابل مبلغ معيّن لمدّة شهر، فإنّ هذا البيع لا يتمّ ما لم يُقبض الثمن في مجلس العقد قبل الافتراق، فإن تمّ العقد بقبض الثمن يكون صحيحاً، ويشمله دليل (أوفوا بالعقود)، ففي المقام أيضاً كذلك، فإنّه لو كان الإيجاب والقبول في يوم السبت مثلاً، ولم يكن المؤجَر قادراً على إتيان الحجّ للمستأجِر الثاني لا يتمّ العقد، فإن حصلت القدرة في يوم الأربعاء تمّ العقد، فيشمله دليل (أوفوا بالعقود).

إذن هذه الامور الثلاثة ـ أي: رفع اليد عن القيد أو الشرط، أو التوسعة في وجوب الوفاء وتبديل الحجّ المستأجر عليه في السنة الأُولى بحجّ آخر برضا المؤجَر، أو فسخ العقد الأوّل ـ ليست متمّمة لموضوع وجوب الوفاء بالإجارة الثانية، بل المتمّم هو نفي ما لا يمكن معه الأمر بوفاء عقد الإجارة الثانية، فإنّ المؤجَر إذا لم يتمكّن من أداء الحجّ للمستأجِر الثاني فلا تكون الإجارة الثانية صحيحة، ولا تكون مشمولة لأدلّة وجوب الوفاء، ولكن إذا تمكّن المؤجَر من أداء الحجّ عن المستأجِر الثاني تصحّ الإجارة الثانية، وتكون مشمولة لأدلّة وجوب الوفاء، وتشمله دليل (أوفوا بالعقود)، فتكون ممضاة من قِبل الشارع.

والحاصل: إنّ هذه الأمور الثلاثة لم تكشف عن تماميّة الإجارة الثانية من حين وقوعها في يوم السبت، لا بالكشف الحقيقي ولا بالكشف الحكمي، بل هذه الأمور الثلاثة تدلّ على تماميّة عقد الإجارة الثانية من حين حصول القدرة على أداء الحجّ للمستأجِر الثاني في يوم الأربعاء. وعليه، يستحقّ المؤجَر هنا تمام الأجرة، بخلاف الصورة الأُولى التي ذهب صاحب العروة (قده) فيها إلى صحّة الإجارة الثانية، وهي ما إذا وقعت الإجارة الثانية على ملك المستأجِر الأوّل فأجازها، فإنّ المستأجِر الأوّل إذا أجاز الإجارة الثانية صحّت الإجارة لأنّها وقعت على ملكه، ولكنّه هو الذي يأخذ الأجرة المسمّاة للقعد الثاني، ويعطي للمؤجَر أجرة العقد الأوّل.


logo