« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/06/21

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا آجر نفسه للحجّ عن شخص مباشرة .../فصل في النيابة /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في النيابة /إذا آجر نفسه للحجّ عن شخص مباشرة ...

 

الثامنة: وأمّا لو اقترنت الإجارتان، كما لو آجر نفسه للحجّ عن شخص مباشرة في سنة معيّنة، ثمّ آجر نفسه للحجّ عن شخص آخر مباشرة في تلك السنة، سواء كان الإيجابان متعاقبين أو متقارنين ولكنّ القبول من المستأجَر تمّ في وقت واحد حيث يتمّ العقد بالقبول، أو آجر نفسه للحجّ عن شخص مباشرة في سنة معيّنة، ثمّ آجره وكيله للحجّ عن شخص آخر كذلك ـ مباشرة في تلك السنة ـ في وقت واحد، أو آجره وكيلان مختلفان للحجّ عن شخصين كذلك في وقت واحد، فهنا ذهب العلماء إلى القول بطلان الإجارتين معاً.

وليس البطلان بسبب عدم إمكانيّة الجمع بين العقدين؛ إذ يمكن الجمع بينهما، وإنّما بسبب عدم إمكانيّة الوفاء بهما معاً في وقت واحد حيث إنّ الوقت يكفي لأداء حجّة واحد فقط. ومع ذلك، فإنّ عدم الوفاء لا يعني بطلان الحجّتين معاً، كما في المتزاحمين.

وبناء على ما ذهبنا إليه من أنّ الإجارة في الأعمال هو التزام المستأجَر بالعمل للمستأجِر فإنّه لا شكّ في إمكانيّة الالتزام بعملين مستقلّين لشخصين مختلفين في سنة واحدة، وبالتالي لا يقال ببطلان الالتزامين بالإضافة لعمل واحد في سنة واحدة، غاية الأمر أنّ المستأجَر لا يتمكّن من إتيان العملين المستأجر عليهما في وقت واحد. وعليه، إن تمّ الإجماع من العلماء الطبقة الأُولى على بطلان الإجارتين معاً فيتّبع؛ لأنّ الإجماع يكشف عن رأي الرواة، ورأيهم يكشف عن رأي الإمام (عليه السلام)، وإن لم يتمّ الإجماع فلا وجه للقول ببطلان الإجارتين معاً.

التاسعة: وأمّا لو آجره فضوليّان من شخصين مع اقتران الإجارتين أو تعاقبهما، فإن العقد الفضولي موقوف على إجازة المستأجَر، ولا يصحّ العقد الفضولي إلّا بإجازته، وله أن يجيز أيّ واحد منهما سواء أجاز العقد السابق أو اللاحق، والسبق واللحوق في العقدين الصادرين من الفضوليين أجنبيان عن إجازة المالك، فإذا أجاز أحدهما يستند العقد إليه؛ لأنّه إيجاب وقبول وإجازة لذلك العقد.

كما أنّ المستأجَر إذا أجاز العقدين، فإنّهما يصحّان معاً حيث توجد القدرة التكوينيّة على الإجارة الأُولى والثانية، ولو كانت القدرة على الإجارة الثانية متحقّقة بعصيان الأُولى؛ وذلك لأنّ الإجارة على الأعمال ـ بناء على ما ذهبنا إليه ـ تعني التزام الأجير بالعمل للمستأجِر، ولذا يمكن للأجير الالتزام بعملين لشخصين مختلفين، غاية الأمر لم يكن قادراً على إتيان العملين في سنة واحدة، وعدم قدرته على ذلك لا يؤثّر في صحّة العقدين، فإذا جاء بالعمل للمستأجِر الثاني بطلت الإجارة الأُولى، وإذا جاء بالعمل للمستأجِر الأوّل بطلت الإجارة الثانية.

إذن، لو آجره فضوليّان على أن يأتي بالحجّ عن شخصين مباشرة في سنة معيّنة، فإنّه لا دليل على بطلان الإجارتين الفضوليّتين.

العاشرة: إذا آجر نفسه للحجّ عن شخص مباشرة في سنة معيّنة، ثمّ علم أنّه آجره فضولي للحجّ عن شخص آخر كذلك، فقد ذكر المصنّف (قده) بأنّ المستأجَر ليس له إجازة العقد الفضولي، وإن كان متقدّماً على عقد نفسه، وعلّله صاحب العروة (قده) بانصراف أدلّة صحّة العقد الفضولي عن هذا المورد.

وقال المحقّق الخوئي (قده): هناك مسامحة في تعليل المصنّف (قده)، والأولى أن يكون التعليل لعدم إجازة العقد الفضولي هو أنّ أدلّة صحّة العقد الفضولي قاصرة عن شمول هذا المورد، لا أنّ أدلّة الصحّة مطلقة وشاملة لهذا المورد ولكنّها منصرفة إلى غيره، وتوضيح ذلك:

لو قلنا أنّ أدلّة صحّة العقد الفضولي هي النصوص الشرعيّة فهي غير شاملة للعقد الفضولي الذي سبقه عقد المالك بنفسه، كما هو الحال في المقام حيث إنّ العقد الفضولي لم يكمل بالإيجاب والقبول دون إجازة المستأجَر، فإنّ العقد الفضولي وإن كان متقدّماً بالألفاظ، أي: الإيجاب والقبول فقط، ولكنّه يتمّ بإجازة المستأجَر لذلك العقد، فإذا آجر نفسه قبل إجازة العقد الفضولي فلا يحقّ له أن يجيز العقد الفضولي بعد ذلك، فإنّ ما دلّ على صحّة نكاح الفضولي لا يشمل المورد الذي زوّجت المرأة نفسها لشخص آخر، وكذا لم يرد أيّ نصّ على صحّة البيع الفضولي وقابليّته للإجازه بعد أن باع المالك بيته بنفسه من شخص آخر. وعليه، أدلّة صحّة العقد الفضولي مختصّة بالمعاملة التي لم تسبقها معاملة المالك بنفسه، فلا حاجة إلى دعوى الانصراف، بل قصور الروايات وعدم شمولها لأمثال المقام يكفي في فساد الإجارة الثانية الفضوليّة.

وكذا إذا قلنا إنّ دليل صحّة العقد الفضولي هو القاعدة المستفادة من العمومات كقوله تعالى: ﴿أَحَلَّ الله البَيْعَ﴾ [البقرة: 275]، أو ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، فيكون المالك المجيز مشمولاً لوجوب الوفاء بالعقد؛ لأنّ العقد الفضولي يستند إلى المالك بإجازته، ويكون العقد عقداً له بإجازته، فنقول: إنّ المعاملة الفضوليّة الواقعة على بيع ملك المالك بعد صدور معاملة من نفس المالك غير قابلة للإجازة والاستناد إليه ثانياً؛ لأنّ المالك إذا باع مال نفسه لا يملك أمره بعده، وكذا المرأة إذا زوّجت نفسها من شخص فهي غير مالكة لأمرها حتّى تجيز عقد الفضولي السابق على زواج نفسها [1] .

 


logo