« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/06/12

بسم الله الرحمن الرحيم

يجب في الإجارة تعيين نوع الحجّ .../فصل في النيابة /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في النيابة /يجب في الإجارة تعيين نوع الحجّ ...

 

وأمّا المقام الثاني وهو مقتضى النص، فإنّه يدلّ على جواز العدول إلى الأفضل، كالعدول إلى حجّ التمتّع تعبّداً من الشارع؛ ويستدلّ على ذلك بصحيحة أبي بصير ـ يعني المرادي ـ ، عن أحدهما (عليهما السلام): «في رجل أعطى رجلاً دراهم يحجّ بها حجّة مفردة، فيجوز له أن يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ؟ قال: نعم، إنّما خالف إلى الفضل»[1] ، والرواية معتبرة سنداً، ويستفاد منها جواز العدول مطلقاً رضي المستأجِر أو لم يرض.

ولكنّ الإشكال في دلالة هذه الرواية حيث إنّ جواز العدول فيها ليس مطلقاً بل معلّل بقوله (عليه السلام): «إنّما خالف إلى الفضل»، يعني أنّ المخالفة إلى الفضل تكون في صورة موافقة المستأجِر ورضاه بذلك، ولا تجوز المخالفة في صورة عدم الرضا، فإنّ التعليل المذكور في الرواية ليس تعبّديّاً بمعنى جواز المخالفة إلى الفضل مطلقاً رضي المستأجِر أو لا، بل هو تعليل ارتكازي طبعي بأنّ المستأجِر إذا استأجر شخصاً على إتيان عمل لأجل حصوله على الثواب، فيجوز العدول إلى الأفضل لأنّ ثوابه أكثر.

إذن ليس التعليل المذكور في الرواية مطلقاً بحيث يستفاد منه جواز العدول ولو من دون رضا المستأجِر، بل يشير التعليل إلى قضيّة ارتكازيّة في طبع الإنسان، وهو أنّ المستأجِر إذا كان يريد الثواب فيجوز للأجير العدول عمّا عيّنه إلى الأفضل لأنّ ثواب المعدول إليه أكثر، فعلى سبيل المثال لو أراد شخص إعطاء ماله لمجموعة معيّنة من المؤمنين الذين يعيشون بتقشّف وظروف معيشتهم سيّئة، وكان غرضه من ذلك نيل الثواب، ثمّ جائت مجموعة أُخرى من المؤمنين المهجّرين الذين لا يملكون شيئاً يتعيّشون به فإنّه يجوز إعطائهم هذه الأموال؛ لأنّ ثوابه أكثر وحاجتهم أشدّ من المجموعة الأُولى، كما لو استأجر شخصاً على إتيان ركعتين من الصلاة في البيت فيجوز للأجير العدول إلى الأفضل بأن يصلّي في المسجد لأنّ ثواب الصلاة المستحبّة فيها أكثر.

إذن التعليل المذكور يقيّد الإطلاق ويزيله، والمستفاد من الرواية حينئذ جواز العدول إلى الأفضل بشرط رضا المستأجِر، وذلك فيما لو كان الاستئجار على فعل مستحب لأجل الثواب، ففي هذه الصورة يجوز العدول إلى الأفضل لأنّ ثواب المعدول إليه أكثر، فتُحمل الرواية على صورة العلم برضا المستأجِر في الموارد التي يريد فيها حصول الثواب.

وأمّا إذا كان على المستأجِر نوع خاصّ من الحجّ مثل حجّ القران أو الإفراد، فإنّه لا يجوز العدول إلى الأفضل مثل حجّ التمتّع مع عدم رضاه، كما لا يجوز العدول إلى الأفضل لو كان المستأجِر حيّاً متمكّناً ماليّاً لا بدنيّاً وكان الواجب عليه حجّ القران أو الإفراد لأنّه من أهل مكّة؛ وذلك لأنّ المعدول إليه، أي: حجّ التمتّع لا يجزي عن المنوب عنه الذي وجب عليه القران أو الإفراد، وإن كان التمتّع أفضل.

والحاصل: ليست الرواية مطلقة بل مقيّدة برضا المستأجِر، ولذا لو استُؤجر شخص على إتيان عمل مفضول لأجل الثواب، فيجوز العدول إلى الأفضل مع إحراز رضا المستأجِر؛ لأنّ ثواب المعدول إليه أكثر، وبما أنّه يريد الثواب فيكون راضياً بالتبديل قطعاً، ويكون حجّ الإفراد المذكور في الرواية من باب المثال لأجل الحصول على الثواب، ولذلك قال (عليه السلام): يجوز العدول إلى حجّ التمتّع لأنّ ثوابه أكثر. وكذا لو استُؤجر شخص على توزيع الخيرات وإعطائها للمارّة لأجل الثواب، فإنّه يجوز العدول إلى الأفضل، وهو توزيع هذه الخيرات على الفقراء لأنّ ثوابه أكثر من إعطاء المارّة، فإنّ إعطاء المارّة قد يقع بيد الغني وقد لا يقع بيد الفقير.

وقال الميرزا التبريزي (قده) بعد قبوله لإطلاق صحيحة أبي بصير ـ والحال أنّها ليست مطلقة كما ذكرنا ـ بأنّ هذه الصحيحة منزّلة على صورة العلم برضا المستأجِر بالتبديل، جمعاً بينها وبين رواية أُخرى تدلّ على عدم جواز العدول إلى الأفضل، وهي الرواية التي رواها الشيخ الطوسي (قده) في التهذيب[2] والاستبصار[3] باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن الهيثم النهدي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ (عليه السلام): «في رجل أعطى رجلاً دراهم يحجّ‌ بها عنه حجّة مفردة، قال: ليس له أن يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ، لا يخالف صاحب الدراهم»[4] ، فإنّ هذه الصحيحة تكون قرينة على حمل صحيحة أبي بصير على صورة علم الأجير برضا المستأجِر بالتبديل.

ولكنّ هذه الرواية ضعيفة بهيثم النهدي الذي يروي عن الحسن بن محبوب حيث لم يصرّح بتوثيقه. نعم، هو من رجال كتاب كامل الزيارات فتكون معتبرة بناء على مَن يقول بالتوثيق العام لجميع مَن ورد في أسانيد هذا الكتاب.

ثمّ الحسن بن محبوب من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) ومن الطبقة السادسة، فلا يمكن أن يروي عن الإمام علي (عليه السلام) من دون وسائط، فتكون الرواية مرسلة.

وقال ابن طاووس إنّ المراد من كلمة «علي» هو الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، وبالتالي أنّ الحسن بن محبوب يروي هذه الرواية عنه (عليه السلام)؛ ولكنّ هذا الحمل غير صحيح؛ لأنّ لفظ «علي» عند الإطلاق ينصرف إلى المولى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وليس المعهود في الروايات إطلاق كلمة «علي» على أبي الحسن الرضا (عليه السلام).

وقد صرّح الشيخ الطوسي نفسه في التهذيب بعد نقل هذا الحديث فقال: «فأوّل ما فيه أنّه حديث موقوف غير مسند إلى أحد من الأئمّة (عليهم السلام)، وما هذا حكمه من الأخبار لا يترك لأجله الأخبار المسندة، والحديث الأوّل مسند فالأخذ به أولى»[5] .

والظاهر أنّ المراد من «علي» هو علي بن رئاب؛ لكثرة رواية الحسن بن محبوب عنه، فيكون الحكم المذكور من فتاوي علي بن رئاب. وعليه، فإنّ هذه الفتوى لا تعارض صحيحة أبي بصير، بل يلزم الأخذ بمضمون الصحيحة فقط، ولذا بناء على ما ذكره الميرزا التبريزي وصاحب العروة (قدّس سرّهما) من القول بإطلاق الصحيحة فإنّه يُحكم بجواز العدول إلى الأفضل مطلقاً رضي المستأجِر أو لا.

وذهب المحقّق الخميني (قده) إلى إطلاق الصحيحة، وبما أنّه لا معارض لها فيجب العمل بمضمونها، ومع هذا لم يفت بجواز المخالفة إلى الأفضل؛ لأنّ الحكم بالجواز عنده مخالف لمقتضى القاعدة، ولذا ذهب إلى الاحتياط الوجوبي، وقال بلزوم التصالح على الأُجرة إذا عدل الأجير إلى الأفضل.

 

وأمّا بناء على المبني الذي اخترناه بأنّ الحسن بن محبوب من أصحاب الإجماع وإن صحّة الرواية عنه تصحّ فيما بعده من الروات، فإنّ هذا المبنى ينفع لو كانت هذه الرواية مرويّة عن أحد الأئمّة (عليهم السلام)، ولكنّ الظاهر أنّها ليست رواية بل من فتاوي علي بن رئاب، وفتواه ليست حجّة علينا.

وعلى تقدير كونها رواية عن الأئمّة (عليهم السلام) مع صحّة هذه الرواية، فإنّ مقتضى الجمع بينها وبين صحيحة أبي بصير هو حمل الصحية على القدر المتيقّن، وهو جواز العدول في صورة رضا المستأجِر بأنّه يريد الثواب، فإنّ ذلك حاصل بالحجّ الإفرادي وحجّ التمتّع، فإنّ الأجير يعلم برضا المستأجِر بالتبديل لأنّه مخيّر بين الإفراد والتمتّع بل إتيانه بالتمتّع إحسان إليه فهو جائز وإن لم يرض بالتبديل فكيف إذا رضي بذلك، بينما تُحمل الرواية التي رواها الحسن بن محبوب على القدر المتيقّن وهو تعيين الإفراد فيما ما لم يرض المستأجِر بتبديله.

والحاصل: مقتضى النص يتّفق مع مقتضى القاعدة حيث تدلّ القاعدة على عدم جواز العدول إلى الأفضل إلّا برضا المستأجِر، وهو ما يدلّ عليه النص أيضاً فلا يجوز العدول إلّا برضاه.

 


[2] التهذيب5: 416/ 1447.
[3] الاستبصار2: 323/ 1146.
logo