« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/05/21

بسم الله الرحمن الرحيم

لا بأس باستنابة الصرورة/فصل في النيابة /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في النيابة /لا بأس باستنابة الصرورة

 

(مسألة6): لا بأس باستنابة الصرورة رجلاً كان أو امرأة عن رجل أو امرأة، والقول بعدم جواز استنابة المرأة الصرورة مطلقاً أو مع كون المنوب عنه رجلاً ضعيف. نعم، يكره ذلك خصوصاً مع كون المنوب عنه رجلاً، بل لا يبعد كراهة استئجار الصرورة ولو كان رجلاً عن رجل.

قال صاحب العروة (قده): إنّ الصرورة سواء كان رجلاً أو امرأة، فإنّه يجوز له أن يحجّ عن رجل أو امرأة، سواء كان المنوب عنه صرورة أو لا، وعلى الرغم من أنّ الحكم في هذه المسألة داخل في جزء من المسألة المتقدّمة ـ لأنّ المذكور في المسألة المتقدّمة عدم اشتراط المماثلة، فإنّ الصرورة إذا كان رجلاً وحجّ عن رجل أو حجّ عن امرأة سواء تحقّقت المماثلة بين النائب والمنوب عنه أو لم تتحقّق المماثلة بينهما، وكذا إذا كان الصرورة امرأة وحجّت عن رجل أو امرأة سواء تحقّقت المماثلة أو لم تتحقّق ـ لكنّه اقتضى الأمر من قبل المصنّف (قده) أن ينبّه على جواز نيابة الصرورة مطلقاً عن رجل أو عن امرأة؛ وذلك إمّا لوجود روايات تدلّ على عدم جواز نيابة الصرورة، مع أنّ هذه الروايات كلّها ضعيفة، أو لوجود حكم ثاني هنا وهو كراهة استنابة الصرورة مطلقاً حتّى لو كان رجلاً ويحجّ عن رجل آخر، أو لوجود حكم ثالث وهو أن يكون النائب صرورة في الحجّ عن الحيّ المتمكّن ماديّاً لا بدنيّاً.

ومن الروايات التي استدلّ بها على عدم جواز نيابة الصرورة، هي رواية علي بن أحمد بن أشيم، عن سليمان بن جعفر، قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن امرأة صرورة حجّت عن امرأة صرورة؟ فقال: لا ينبغي»[1] ، بناء على إرادة الحرمة والمنع وعدم الصحّة والاستحالة العقليّة من كلمة «لا ينبغي» كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [مريم: 19]، وإذا لم تصحّ نيابة المرأة الصرورة عن امرأة، فإنّه بالأولويّة لا تصحّ نيابتها عن رجل، ولكنّ الرواية ضعيفة بعلي بن أحمد بن أشيم.

ومنها: رواية مصادف برواية الكليني (قده) في الكافي عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن ابن رئاب، عن مصادف، عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المرأة تحجّ عن الرجل الصرورة، فقال: إن كانت قد حجّت وكانت مسلمة فقيهة، فربّ امرأة أفقه من رجل»[2] ، فإنّ مفهوم هذه الرواية يدلّ على عدم جواز نيابة المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة.

ومنها: رواية مصادف الأُخرى برواية الشيخ الطوسي (قده) في الاستبصار عن موسى بن القاسم، عن الحسن الؤلؤي، عن الحسن بن محبوب، عن مصادف، قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): أتحجّ المرأة عن الرجل؟ قال: نعم، إذا كانت فقيهة مسلمة، وكانت قد حجّت، ربّ امرأة خير من رجل»[3] ، فإنّ مفهوم هذه الرواية يدلّ على عدم جواز النيابة المرأة الصرورة عن الرجل أيضاً.

والظاهر وحدة هاتين الروايتين؛ لأنّ الراوي في كلّ واحد منهما مصادف، وهو يروي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ولأنّ لسانهما لسان واحد، إلّا أنّ لهذه الرواية طريقين، ولكنّها ضعيفة بمصادف وسهل بن زياد في الرواية الأُولى، وبمصادف في الرواية الثانية.

ومنها: رواية زيد الشحّام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال «سمعته يقول: يحجّ الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة، ولا تحجّ المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة»[4] ، وهي ضعيفة السند أيضاً لوجود المفضّل بن صالح الذي هو كذّاب ويضع الحديث.

والحاصل: لا دليل على منع حجّ الصرورة مطلقاً عن الرجل الصرورة أو عن المرأة الصرورة؛ لضعف الروايات الدالة على المنع كلّها، خصوصاً إذا نظرنا إلى صحيحة حكم بن حكيم المتقدّمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) «يحجّ الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل، والمرأة عن المرأة» [5] ، فإنّ هذه الرواية تدلّ على جواز نيابة المرأة في الحجّ عن الرجل أو المرأة، كما أنّها تدلّ على جواز نيابة الرجل عن المرأة، وأمّا حكم نيابة الرجل عن الرجل فإنّه واضح الجواز، وإطلاق هذه الصحيحة يشمل الصرورة، فكأنّ هذه الرواية رسمت خطّة النيابة في الحجّ، وهي ناظرة إلى جميع روايات النيابة وحاكمة عليها. وعليه تصحّ نيابة الصرورة مطلقاً عن الرجل أو المرأة، سواء كان المنوب عنه صرورة أو لا، ولا مقيّد لهذا الإطلاق.

ومع ذلك قال المحقّق الخوئي (قده) بوجود مقيّد لهذا الإطلاق في مورد واحد، وهو نيابة الرجل الصرورة عن الرجل الحيّ الذي لم يتمكّن من مباشرة الحجّ بنفسه وكان متمكّناً ماديّاً لا بدنياً، فإنّ اللازم كون النائب عنه رجلاً صرورة [6] ، ويدلّ على ذلك روايات:

منها: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : «إن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أمر شيخاً كبيراً لم يحج قط ولم يطق الحجّ لكبره أن يجهّز رجلاً يحجّ عنه»[7]

ومنها: صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنّ عليّاً (عليه السلام) رأى شيخاً لم يحجّ قط ولم يطق الحجّ من كبره فأمره أن يجهّز رجلاً فيحجّ عنه» [8]

ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «وإن كان موسراً وحال بينه وبين الحجّ مرض أو حصر أو أمر يعذره الله فيه فإنّ عليه أن يحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له»[9] .

ولكن على الرغم من وجود هذه الروايات فإنّ المحقّق الخوئي (قده) لا يفتي في المناسك بلزوم كون النائب في هذا المورد رجلاً صرورة، ولم يقيّد عدم اشتراط المماثلة بين النائب والمنوب عنه بهذا المورد، بل ذهب إلى الاحتياط الوجوبي، ولعلّ الوجه في ذلك أمران:

الأوّل: النظر إلى صحيحة حكم بن حكيم التي رسمت خطّة النيابة في الحجّ، وهي حاكمة على جميع روايات النيابة.

الثاني: حمل لفظ «الرجل» الوارد في صحيحة عبد الله بن سنان وصحيحة معاوية بن عمّار على سبيل المثال حيث لا خصوصيّة لهذا اللفظ إذا نظرنا إلى صحيحة حكم بن حكيم التي رسمت لنا قاعدة النيابة بل يراد منه الفرد، وإلّا فالمرأة كذلك.

أمّا الصرورة فإنّ هذا القيد خلاف المتسالم عليه؛ لأنّ جيمع الفقهاء لم يعملوا بهذا القيد، فإذا أعرض جميع الفقهاء عن الرواية الأعلائيّة ولم يعمل بها أحد، فإنّها تسقط عن الحجّية من هذه الناحية حتّى عند المحقّق الخوئي (قده).

كما أنّ أهل السنّة لا يشترطون أن يكون النائب عن الحيّ رجلاً أو صرورة.

على أنّ العمل على خلاف ذلك، فإنّه ورد في حديث ابن زرين عن ابن عباس عن امرأة من خثعم، قالت: «يا رسول الله إنّ فريضة الحجّ أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستيطع أن يثبت على الراحلة أفحجّ عنه، قال: نعم». وكذا ورد في رواية ابن مسلم «فحجّي عنه»، وكذلك ما ورد في بنت مَن لم يستطع فهي تحجّ عنه.

وبناء على ذلك، تجوز نيابة المرأة أو الرجل عن الحيّ المتمكّن ماديّاً لا بدنياً، سواء كان النائب صروة أو لا، وسواء كان النائب له مال أو لا.

 


logo