46/05/20
تجوز النيابة عن الصبي المميّز ... ولا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه .../فصل في النيابة /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في النيابة /تجوز النيابة عن الصبي المميّز ... ولا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه ...
(مسألة4): تجوز النيابة عن الصبي المميّز والمجنون بل يجب الاستئجار عن المجنون إذا استقرّ عليه حال إفاقته ثمّ مات مجنوناً[1] .
في هذه المسألة فرعان:
الأوّل: قال صاحب العروة (قده): تجوز النيابة عن الصبي المميّز والمجنون.
أمّا بالنسبة إلى الصبي فإنّه تجوز النيابة عنه؛ لأنّ الصبي المميّز يُتوقّع منه الحجّ، ولا إشكال في مشروعيّة الحجّ واستحبابه له، فتشمله أدلّة النيابة عن كلّ مَن يُتوقّع منه الحجّ ولم يحجّ، ولذا تصحّ النيابة عنه في الحجّ، وعدم تكليف الصبي لا يمنع من شمول إطلاق أدلّة النيابة عنه. وأمّا قاعدة رفع قلم التشريع عن الصبي حتّى يحتلم، فإنّها خُصّصت بما دلّ على مشروعيّة عبادات الصبي وعدم كونها تمرينيّة، فإنّ قاعدة رفع القلم عن الصبي قاعدة شرعيّة وقد خصّصها الشارع بتشريع العبادات للصبي، ولذا رفع عن الصبي قلم التشريع ولا يستحقّ الثواب والعقاب على أفعاله إلّا في العبادت المستحبّة لقيام الدليل على قبولها من الصبي ويُثاب عليها، ولذا تصحّ النيابة عنه في الحجّ المستحبّي، كما يدلّ على ذلك صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول مرّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) برويثة وهو حاج فقامت إليه امرأة ومعها صبي لها، فقالت: يا رسول الله أيحج عن مثل هذا؟ قال: نعم، ولك أجره»[2] .
ولكن ينبغي تقييد صحّة النيابة عنه في الحجّ بأن يكون الصبي مسلماً حيث لا تصحّ النيابة عن الصبي الكافر، وعليه فإنّ ما ذكره المصنّف (قده) على إطلاقه غير صحيح.
وأمّا بالنسبة إلى المجنون الذي لم يستقرّ عليه الحجّ فالنيابة عنه محلّ إشكال؛ لأنّ المجنون لا يُتوقّع منه الحجّ فلا تشمله أدلّة النيابة فلا تصحّ النيابة عنه.
وقد يقال: إنّ أدلّة النيابة في الحجّ منصرفة إلى مَن يُتوقّع منه الحجّ، ولكنّ المجنون ليس كذلك، فإنّه يشبه البهائم من حيث فقدانه للقوّة العاقلة، ومع ذلك لم يُكلّف بالحجّ، وهو ممّن لا يُتوقّع منه الحجّ أصلاً، ولا يتحقّق منه قصد الحجّ، فلا تشمله أدلّة النيابة ولذا لا تصحّ النيابة عنه في الحجّ.
ولكنّ الصحيح هو أنّ عدم صحّة النيابة عن المجنون لأجل عدم وجود أيّ رواية تدلّ على صحّة هذه النيابة، وليس ذلك بسبب خروجه عن الدائرة الإنسانيّة، بل لأنّ القصد المعتبر في الحجّ لا يتحقّق من المجنون، فإنّه على الرغم من اختلاف مراتب الجنون إلّا أنّ المجانين لا يتحقّق منهم القصد الذي يُعتبر من العاقل، وهو التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى. وعليه يكون المجنون خارجاً عن دائرة التكاليف الإلهيّة؛ لاشتراط قصد العاقل في التكاليف، لا أنّ المجنون ليس له قصد أصلاً، ولذا دلّت الروايات على أنّ الاستحقاق للثواب والعقاب عند الله مبني على وجود العقل، وهو مفقود عند المجنون فلا يُثاب على أفعاله ولا يُعاقب.
ويضاف إلى ذلك أنّ المجنون إذا لم يكن لديه قصد العاقل في الحجّ، فإنّه لا يتوجّه نحو العبادات ولا يلتفت إليها كما يفعله العقلاء، وبالتالي لا يتمكّن من قصد التقرّب بأعماله وأفعاله، ولذا لا تصحّ النيابة عنه؛ لأنّها خلاف القاعدة، ولا تشمله أدلّة النيابة حينئذ، كما لا توجد أيّ رواية تدلّ على صحّة النيابة عن المجنون بخلاف الصبي.
إذن نخالف ما ذهب إليه المصنّف (قده) فنقول: تصحّ النيابة عن الصبي المميّز؛ لأنّه يُتوقّع منه الحجّ ويقصد الحجّ كما يقصده العاقل فتشمله أدلّة النيابة، ولكن لا تصحّ النيابة عن المجنون؛ لأنّه لا يُتوقّع منه الحجّ، ولا يتحقّق منه القصد المعتبر فيه، فلا تشمله أدلّة النيابة.
وقد وافق المحقّق الحكيم في المستمسك ما ذهب إليه صاحب العروة (قدّس سرّهما) حيث قال: تصحّ النيابة عن الصبي والمجنون، واستدلّ على ذلك بأنّ إطلاق أدلّة التكليف كقوله تعالى: ﴿وَلِله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] يشمل الصبي والمجنون أيضاً؛ لأنّهما من الناس، وأمّا حديث رفع القلم فإنّه يقتضي رفع الإلزام والتكليف عنهما فقط، ولا يقضتي رفع الملاك ولا رفع المشروعيّة والجواز الذي هو من جملة الأحكام التكليفيّة الخمسة، وعليه تصحّ النيابة عن المجنون كما تصحّ النيابة عن الصبي[3] .
وقد يقال في الجواب عمّا أفاده في المستمسك بأنّ أدلّة التكليف منصرفة إلى خصوص العاقل أو مقيّده به، ويدلّ علىه أخبار كثيرة، فمنها ما روي أنّ أوّل ما خلق الله العقل، ومنها ما يدلّ على انحصار جعل الأمر والنهي والثواب والعقاب على العقل كما روي محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) حيث قال: «لمّا خلق الله العقل استنطقه ثمّ قال له: أقبل فأقبل، ثمّ قال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ منك، ولا أكملتك إلّا فيمَن أحبّ، أما إنّي إيّاك آمر وإيّاك أنهى، وإيّاك أعاقب، وإيّاك أثيب»[4] ، وعليه فإنّ أدلّة التكليف لا تشمل المجنون.
ولكن نقول: لا يمكن الاستدلال بهذه الروايات التي تقول بأنّ أوّل ما خلق الله العقل؛ لأنّ في مقابلها روايات أُخرى تقول بأنّ أوّل ما خلق الله هو الماء أو العرش أو نور النبي (صلى الله عليه وآله) أو روح النبي (صلى الله عليه وآله)، ونحو ذلك.
والصحيح في الجواب أن يقال: لا دليل على أنّ حديث رفع القلم يقتضي رفع التكليف والإلزام فقط، فإنّ المستفاد منه رفع قلم التشريع والحقوق الإلهيّة عن الصبي والمجنون، ولا دليل على تخصيصه برفع قلم التكليف، ولكن قد خُصّص هذا الحديث بالنسبة إلى الصبي لدلالة الروايات على صحّة عباداته وأنّها تشريعيّة لا تمرينيّة، بخلاف المجنون فإنّه لم يرد دليل على الصحّة أعماله العباديّة.
على أنّ مورد الأسئلة الواقعة في النيابة هو النيابة عن الميّت أو الرجل العاقل، ولا دليل ولو رواية واحدة تدلّ على جواز النيابة عن الميّت المجنون أو الحيّ المجنون.
والحاصل: إنّ أدلّة النيابة التي هي على خلاف القاعدة تشمل النيابة عن الصبي في الحجّ فتصحّ النيابة عنه، ولا تشمل المجنون فلا تصحّ النيابة عنه.
الثاني: قال صاحب العروة (قده): يجب الاستئجار عن المجنون إذا استقرّ عليه الحجّ حال إفاقته ثمّ مات مجنوناً؛ لأنّ الحجّ صار دَيناً عليه فيجب أداؤه إذا كانت له تركة، والجنون ليس من مسقطات الدَّين، غاية الأمر أنّ الجنون يوجب سقوط مباشرة الحجّ بنفسه، كما يسقط وجوب بعثه رجلاً ليحجّ عنه إذا كان عاجزاً، فإنّه لا يتمكّن من بعث رجل يحجّ عنه؛ لأنّه ممنوع من التصرّف في ماله.
(مسألة5): لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والأنوثة فتصحّ نيابة المرأة عن الرجل كالعكس، نعم الأولى المماثلة[5] .
لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والأنوثة، فتصحّ نيابة كلّ من الرجل والمرأة عن الآخر. نعم، الأُولى المماثلة. وفي الجواهر أنّ هذا الحكم هو المشهور شهرة عظيمة، ونحوه عن المسالك والحدائق، ويدلّ على ذلك عدّة روايات:
فمنها: صحيحة حكم بن حكيم عن أبي عبد الله (عليه السلام) «يحجّ الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل، والمرأة عن المرأة» [6] ، وأمّا حجّ الرجل عن الرجل فلم تذكره الصحيحة لوضوح الحكم فيه.
ومنها: صحيحة معاوية بن عمّار، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يحجّ عن المرأة، والمرأة تحجّ عن الرجل؟ قال: لا بأس» [7] .
ومنها: صحيحة ابن أبى عمير عن أبي أيوب قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): امرأة من أهلنا مات أخوها فأوصى بحجّة وقد حجّت المرأة، فقالت: إن كان يصلح حججت أنا عن أخي، وكنت أنا أحقّ بها من غيري، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا بأس، بأن تحجّ عن أخيها، وإن كان لها مال فلتحج من مالها، فإنّه أعظم لأجرها»[8] .
ومنها: صحيحة رفاعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: «تحجّ المرأة عن أختها وعن أخيها، وقال: تحجّ المرأة عن أبيها»[9] ، وفي نسخه ثانية «تحجّ المرأة عن إبنها».
ولكن بإزائها موثّقة عبيد بن زرارة قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل الصرورة يوصي أن يحجّ عنه، هل تجزي عنه امرأة؟ قال: لا، كيف تجزي امرأة وشهادته شهادتان؟ قال: إنّما ينبغي أن تحجّ المرأة عن المرأة، والرجل عن الرجل، وقال: لا بأس أن يحجّ الرجل عن المرأة»[10] ، فإنّ صدر هذه الرواية يدلّ على عدم جواز حجّ المرأة عن الرجل، لكنّ ذيلها، أي عبارة: «إنّما ينبغي أن تحجّ المرأة عن الرجل» يدلّ على الجواز حيث إنّ كلمة «ينبغي» إن لم ترد عليها النفي تدلّ على الاستحباب والمحبوبيّة. ولذا حمل المحقّق الخوئي (قده) عدم الجواز في صدر هذه الرواية على الأفضليّة[11] .
وإن لم نأخذ بهذا الحمل وقلنا بأنّ الروايات متعارضة فنرجّح الطائفة الأُولى المجوّزة، فإنّ الطائفة الأُولى من الروايات التي تدلّ على عدم اشتراط المماثلة بين النائب والمنوب عنه تكفينا لأنّها أشهر، مضافاً إلى وجود شهرة فتوائيّة بين الإماميّة وأهل السنّة، فإنّ أهل السنّة أيضاً لا يشترطون المماثلة، وهذه الشهرة الفتوائية بين الفريقين توجب الاطمئنان على عدم الاشتراط.
قال ابن قدامة في المغني: يجوز أن ينوب الرجل عن الرجل والمرأة، والمرأة عن الرجل والمرأة في الحجّ في قول عامّة أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافاً إلّا من الحسن بن صالح، فإنّه كره حجّ المرأة عن الرجل.
وقال ابن المنذر ما ذهب إليه الحسن بن صالح فإنّه غفلة منه عن ظاهر السنّة، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أمر المرأة أن تحجّ عن أبيها، وعلى هذا الخبر النبوي يعتمد مَن أجاز حجّ المرأة عن الرجل، ويدل على ذلك أحاديث كثيرة مثل حديث أبي زرين وغيره[12] .
إذن عدم المماثلة بين النائب والمنوب عنه حكم متّفق عليه، وهذا يوجب الاطمئنان بعدم اشتراط التماثل.