« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/05/09

بسم الله الرحمن الرحيم

يشترط في المنوب عنه الإسلام .../فصل في النيابة /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في النيابة /يشترط في المنوب عنه الإسلام ...

 

وقد بيّن المحقّق الخوئي (قده) بأنّ الكلام تارة يقع في الكافر المشرك أو الملحد، وأمّا المشرك فهو مَن يشرك غير الله مع الله في العبادة، كمَن يؤمن بوجود آلهة متعدّدة كإله الخير وإله الشرّ ونحو ذلك مع الإيمان بوجود الخالق، أو مَن يعبد الأوثان أو النجوم مع اعترافه بعبادة الله سبحانه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[1] ، وأمّا الملحد لوجود الخالق فهو أسوأ حالاً من المشرك، وأُخرى يقع الكلام في غير المشرك من أصناف الكفّار كاليهود والنصارى بل المجوس على أنّهم من أهل الكتاب، وأُخرى يقع الكلام عن المسلم الكافر كالناصبي.

وأمّا الكلام في المشرك أو مَن هو أعظم قبحاً منه كالملحد، فإنّه لا تجوز نيابة المسلم عنه مطلقاً في الواجبات والمندوبات، واستدلّوا له بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾[2] [3] .، وبقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[4]

ويرد عليه: إنّ الكلام في المقام حول صحّة نيابة المسلم عن الكافر في الحجّ، وهو حكم وضعي، وليس البحث في جواز النيابة أو عدم الجواز الذي هو حكم تكليفي، كما أنّ النيابة المبحوث عنها في المقام ليست بمعنى الاستغفار المنهي عنه في الآية الشريفة، فإنّ حرمة الاستغفار للكافر لا إشكال فيها فهي حكم تكليفي، بينما الكلام في الصحّة الوضعيّة، والنهي عن الاستغفار لا يدلّ على بطلان حجّ المسلم عن الكافر أو صحّته. وأمّا الآية الثانية فإنّها تدلّ على أنّ المشرك من أهل النار، ولا إشكال في ذلك أيضاً، ولكن هل تصحّ نيابة المسلم عنه حتّى يخفّف من عذابه وعقابه أو لا تصحّ النيابة عنه؟

وأمّا غير المشرك من أصناف الكفّار كاليهود والنصارى والمجوس والصابئة، فقد ذكر المحقّق الخوئي (قده) بأنّ الكلام فيه يقع في موردين:

الأوّل: لزوم النيابة عنه في الحجّ الواجب إذا كان الوارث مسلماً.

والثاني: النيابة عنه في الحجّ الندبي سواء كان الكافر ميّتاً أو حيّاً عاجزاً عن الحجّ.

أمّا الأوّل: فإن قلنا بعدم تكليف الكفّار بالفروع كما هو المختار فالأمر واضح لعدم كون الحجّ واجباً عليه ليُستناب عنه، فلا موجب لإخراج الحجّ من التركة، وإن قلنا بأنّهم مكلّفون بالفروع كما هو المشهور فأدلّة وجوب النيابة منصرفة عن الكافر؛ لأنّ‌ الظاهر من الأسئلة الواردة في روايات النيابة إنّما هو السؤال عمّن يتوقّع منه الحجّ ولم يحجّ، فإنّ قول السائل: «مات و لم يحج و لم يوص» ونحو ذلك ينصرف إلى المسلم ولا يشمل الكافر الذي لا يتوقّع منه الحجّ، بل لا يبعد جريان السيرة على عدم الاستنابة للكافر من زمن النبيّ‌ (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام)؛ لأنّ‌ آباء كثير من المسلمين كانوا من الكفّار خصوصاً في أوائل الإسلام، و لم يُعهد أنّ‌ النبيّ‌ (صلّى الله عليه وآله) أو أحداً من الأئمّة (عليهم السلام) أمرهم بالنيابة عن والديهم [5] .

ويرد على مختار المحقّق الخوئي (قده) من عدم تكليف الكفّار بالفروع بأنّ الكلام ليس في تكليف الكافر بالفروع أو عدم تكليفه، فلو قلنا بعدم تكليفه بالفروع فمع هذا نبحث عن لزوم نيابة الوارث المسلم عنه في الحجّ.

وإذا رجع كلام المحقّق الخوئي (قده) إلى أنّ فعل النائب راجع إلى فعل المنوب عنه فنقول: إنّه إذا لم يكن مكلّفاً بالفروع وليس الحجّ واجباً عليه فإنّ هذا لا يلزم عدم وجوب النيابة عنه أو مشروعيّتها، وذلك لإمكان فقد المنوب عنه شرط الصحّة ووجدان النائب لشرط الصحّة كما في النيابة عن الحائض في الطواف أو صلاة الطواف.

وأمّا ما ذكره المحقّق الخوئي (قده) من أنّ أدلّة وجوب النيابة منصرفة عن نيابة المسلم للكافر بناء على ما ذهب إليه المشهور من أنّ الكفّار مكلّفون بالفروع، فهو كلام صحيح ونوافقه على ذلك (كما تقدّم ذلك منّا في أوّل هذه المسألة حينما استدلنا على عدم مشروعيّة نيابة المسلم عن الكافر في الحجّ)، ولكن لو لم نقل بالانصراف كما ناقش بعض طلّابنا فيه فيكفينا الدليل الثاني الذي ذكرناه لعدم الصحّة، ولو شككنا في مشروعيّة النيابة عن الكافر، فالأصل عدم مشروعيّة النيابة عن الكافر؛ لأنّ النيابة على خلاف القاعدة والعمل لا ينسب إلّا إلى مَن يصدر منه بالمباشرة، ولا ينسب إلى الكافر المنوب عنه.

وأمّا الثاني: وهو النيابة عنه في المندوبات سواء كان حيّاً أو ميّتاً، فقد ذكر المحقّق الخوئي (قده) بأنّه يجوز نيابة الوارث المسلم عن الكافر؛ إذ لا مانع من الإحسان إليه بالحجّ فينتفع، كما لا مانع من الإحسان إليه بالصدقات والأعمال الخيريّة، لإمكان التخفيف عن عقابه وعذابه[6] .

ويردّ عليه أيضاً: إنّ الكلام ليس في جواز الإحسان إليه حتّى يقال بعدم المانع، بل الكلام في أنّ أدلّة النيابة التي هي على خلاف القاعدة هل تشمل هذه الصورة، أي: أن يحجّ الوارث المسلم عنه، أو لا تشمل هذه الصورة؟ فإنّه لا إشكال في جواز الإحسان إلىه، وقد دلّ قوله تعالى على ذلك: ﴿لا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[7] ولكن هل تصحّ النيابة عنه أو لا تصحّ؟ وهل أدلّة مشروعيّة النيابة التي هي على خلاف القاعدة تشمل هذه الصورة أو لا تشمل؟

على أنّ التعبير الصحيح الدقيق هو أن نقول: يُدفع الضرر عن الكافر وتُدفع زيادة العقاب لا أن نقول ينتفع.

ثمّ ذكر المحقّق الخوئي (قده) بأنّ جواز نيابة المسلم عنه تكون إذا لم يكن معانداً لأهل البيت (عليهم السلام) كالكثير منهم خصوصاً المستضعفين منهم بل بعضهم يوالي أهل البيت (عليهم السلام)، وأمّا إذا كان معانداً فيدخل في الناصب الذي هو القسم الثالث في تقسيم المحقّق الخوئي (قده)، ولا يحجّ‌ عنه إلّا إذا كان أباً للنائب كما ورد ذلك في صحيحة وهب بن عبد ربّه حيث قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أيحجّ الرجل عن الناصب؟ فقال: لا، قلت: فإن كان أبي، قال: فإن كان أباك فنعم»[8] .

 


[5] نفس المصدر.
logo