« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/05/01

بسم الله الرحمن الرحيم

يشترط في النائب أمور/فصل في النيابة /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في النيابة /يشترط في النائب أمور

 

والحاصل: يُشترط الإيمان في صحّة عمل النائب فلا يصحّ عمل المخالف، وإن كان معتقداً بوجوب العمل وأتى به وفق مذهب الإماميّة، وحصل منه نيّة القربة؛ وذلك لأجل دلالة روايات كثيرة في المقام على اشتراط الإيمان في صحّة الأعمال وبطلان عبادة المخالف المنكر لولاية الأئمّة الإثني عشر (عليهم السلام)، ولذا ذهب جمع من العلماء (قدّس سرّهم) إلى اشتراط الإيمان في صحّة نيابة المخالف للحجّ عن الميّت أو الحيّ. هذا إذا كان عمل المخالف وفق مذهب الإماميّة.

وأمّا لو كان عمله مخالفاً لمذهب الإماميّة فلا إشكال في بطلان عمله وعدم صحّة نيابته من جهة كونه مخالفاً للحقّ وللمأمور به، وأيضاً من جهة فقدان الولاية، وعليه لا يجزي عمله الباطل حينئذ نيابة عن غيره؛ لأنّ إجزاء العمل عن المنوب عنه وسقوط التكليف عن ذمّته متوقّف على صحّة العمل.

ولكنّ أكثر العلماء منهم صاحب شرائع الإسلام، وصاحب قواعد الأحكام، وصاحب تذكرة الفقهاء، وصاحب مسالك الأفهام (قدّس سرّهم) وغيرهم، لم يذكروا شرطيّة الإيمان في صحّة العمل العبادي، ولعلّ الوجه في عدم ذكرهم لهذا الشرط هو بطلان عمل المخالف من جهة بطلان الوضوء الذي يوجب بطلان الطواف وصلاته، وليس عدم ذكرهم لشرطيّة الإيمان دليلاً على عدم اشتراطه في صحّة النيابة.

ولكن نحن نتكلّم فيما إذا جاء المخالف بالحجّ طبق الرأي الإمامي وبجميع شروطه وأجزائه فهل هو كاف في صحّة العمل عن المنوب عنه الإمامي؟ فلعلّ عدم ذكرهم لشرط أن يكون مؤمناً بالأئمّة الأثني عشر (عليهم السلام) إنّما هو لعدم اعتبار هذا الشرط عندهم، فلاحظ.

وقد يقال: إنّ مَن لم يعتقد الإمامة ليس بمسلم حيث جعل بعض العلماء (وهو المشهور) أنّ أصول الدِّين خمسة ومنها الإمامة.

ولكن نقول: إنّ أصول الدِّين ثلاثة، وأمّا الإمامة فهي من أصول المذهب وليست من أصول الدِّين.

وقد يقال: إنّ المخالف أيضاً يعتقد بالإمامة والولاية في كلّ زمان، وإنّما يختلف معنا في مصداق الإمام، فإنّه يعتقد أنّ لكلّ جماعة من المسلمين في أيّ دولة إماماً، وهو الحاكم لتلك الدولة، ولكنّنا نعتقد أنّ الإمام هو المعصوم (عليه السلام) ومن بعده الحاكم الشرعي العادل.

فإنّه يقال: إنّ الروايات تدلّ على أنّ أئمّة الجور ليسوا بأئمّة، مع أنّ المخالف يعتقد بظلم هؤلاء الحكّام، مضافاً إلى أنّ إمام المسلمين شخص واحد، وليس للمسلمين أئمّة متعدّدة في زمان واحد بحيث يكون لكلّ جماعة منهم إمام.

نقول: ولكن هناك قول آخر يقول بعدم كون الإيمان شرطاً في صحّة عمل المخالف بل إنّ الإيمان هو شرط القبول، وليس شرط الصحّة، حيث إنّ هناك فرقاً بين الصحّة والقبول، فإنّ صحّة العمل هو أن يأتي المكلّف بالعمل التام الذي يستوفي جميع الأجزاء والشرائط المعتبرة بحيث يوجب سقوط التكليف المتوجّه إليه، وأمّا قبول العمل فهو فوق مرتبة الصحّة، ويترتّب عليه استحقاق الأجر والثواب، وعليه فإنّ الإيمان بالأئمّة الإثني عشر (عليهم السلام) إنّما هو شرط القبول الذي يتضمّن استحقاق الثواب، وليس شرط الصحّة.

وبناء على ذلك تصحّ نيابة المخالف في الحجّ عن المنوب عنه الميّت أو الحيّ، ولكنّه لا يستحقّ الأجر والثواب على النيابة؛ لأنّ استحقاق الثواب متوقّف على قبول العمل، والقبول مشروط بالولاية لأهل البيت (عليهم السلام).

وتبنّى المحقّق الخميني (قده) هذا الرأي، واعتبره من المسلّمات عند الإمامية ومن ضروريّات المذهب، وقال بأنّ الدليل على هذا القول هو نفس الأدلّة المتقدّمة التي استُدّل بها على شرطيّة الإيمان في صحّة الأعمال، فإنّ المستفاد من هذه الأدلّة أنّ الإيمان شرط لقبول الأعمال وترتّب الثواب عليها، لا شرط صحّة الأعمال.

ولتوضيح الفرق بين الصحّة والقبول نذكر مثالاً وهو إذا قام شخص بأداء العبادات مثل الصلاة والصوم ونحوهما لفترة من الزمن بداعي كسب ثقة الآخرين وخداعهم، فإنّ هذه العبادات مع فرض تمشيّ قصد القربة منه صحيحة من الناحية الشرعيّة حيث أتى بها مستوفية لجميع الأجزاء والشرائط المعتبرة فيها، ولكن على الرغم من صحّتها فإنّه لا يستحقّ الثواب عليها؛ لأنّ الداعي وراء أدائها هو استخدام الحيلة لخداع الآخرين، وهذه الحيلة تجعل العمل بلا استحقاق للثواب وإن كان العمل في نفسه صحيحاً ومستوفياً لجميع الأجزاء والشرائط.

وعلى سبيل المثال إذا قامت مجموعة من طلّاب الجامعة بالإجابة الصحيحة على جميع الأسئلة في الإمتحان، ثمّ بعد ذلك تبيّن أنّهم قد حصلوا على جميع الأسئلة وإجاباتها من خلال المكر والحيلة أو حصلوا عليها عن واسطة شخص آخر، فإنّ إجابتهم على الأسئلة صحيحة، ولكنّ عملهم غير مقبول ولا يستحقّون عليه أي أجر وتقدير.

وهكذا الحال في النظر المحرّم إلى المرأة الأجنبية في أثناء الصلاة، فإنّ الصلاة صحيحة حتّى وإن اقترنت بفعل محرّم؛ لأنّ الصلاة عنوان والنظر إلى الأجنبية عنوان آخر مغاير للصلاة وقد اقترن أحدهما بالآخر، فالاتّحاد بين هذين العنوانين انضمامي، ولكنّ المصلّي لا يستحقّ الثواب على هذه الصلاة لأجل النظر المحرّم [1] .

والحاصل: نحن نفرّق بين الصحّة وبين القبول الذي يترتّب عليه استحقاق الثواب، وعليه يمكن أن يكون العمل صحيحاً ولكنّه غير مقبول فلا يستحقّ عليه الثواب، ولذا هذه الروايات الواردة في المقام تدلّ على أنّ عمل المخالف غير مقبول، وبالتالي لا يستحقّ عليه الثواب، ولم تدلّ على بطلان عمله.

ومن الروايات الواردة في المقام ما رواه الصدوق بسند صحيح عن أبي حمزة الثمالي، قال: «قال لنا علي بن الحسين (عليه السلام): أيّ البقاع أفضل؟ فقلنا: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، فقال لنا: أفضل البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أنّ رجلاً عمّر ما عمّر نوح في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاماً، يصوم النهار، ويقوم الليل في ذلك المكان، ثمّ لقى الله بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئاً»، فإنّ معنى قوله (عليه السلام) «لم ينفعه ذلك» هو عدم استحقاق الثواب إذا كان العمل على غير ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وليس معناه عدم الصحّة.

ومنها: ما روي في الخصال بالاسناد عن حفص بن غياث قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا خير في الدنيا إلّا لرجلين: رجل يزداد في كلّ‌ يوم إحساناً، ورجل يتدارك ذنبه بالتوبة، وأنّى له بالتوبة، والله، لو سجد حتّى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلّا بولايتنا أهل البيت» [2] ، فقد ورد في هذه الرواية «ما قبل الله منه»، أي: لا يستحقّ الثواب على عمله إلّا إذا كان العمل بولاية أهل البيت (عليهم السلام)، ولم يرد فيها عدم الصحّة.

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة التي استدل بها على أنّ الإيمان شرط الصحّة، فإنّه ورد فيها «كلّ مَن دان الله عزّ وجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول»، فإنّ معنى قوله (عليه السلام): «غير مقبول» ليس عدم الصحّة، بل معناه عدم استحقاق الثواب على العمل إذا لم يكن له إمام من الله، ولذا فإنّ عمل المخالف لا يتضمّن الأجر والثواب، ولم يرد فيها أنّ عمله غير صحيح.

ومنها: رواية السيّد ابن طاووس المتقدّمة بأنّ الصلاة والصوم الذي عن الميّت ـ وكذا الحجّ بناء على إلغاء خصوصيّة الصلاة والصوم ـ لا يقضيه إلّا مسلم عارف بالولاية، فإذا أُريد انتفاع الميّت بقضاء العبادات عنه لا بدّ أن يكون النائب مسلماً عارفاً بالولاية حيث إنّ غير العارف وإن كان عمله صحيحاً إلّا أنّه لا يستحقّ الثواب عليه، فلا ينتفع به الميّت حينئذ. وعليه لا تدلّ هذه الرواية أيضاً على بطلان عمل غير العارف.

وهكذا الحال في سائر الروايات، فإنّها تدلّ على أنّ عمل المخالف غير مقبول، ولذا لا يترتّب عليه استحقاق الثواب، ولم تدلّ على أنّ عمله غير صحيح.

ويضاف إلى ذلك أنّ علماءنا أفتوا بجواز الصلاة خلف أهل السنّة على اختلاف حول وجوب قراءة الحمد والسورة معهم كما ذهب إليه المحقّق الخوئي (قده)، وعدم القراءة كما ذهب إليه المحقّق الخميني (قده)، فإذا كان عمل أهل السنّة باطلاً لما كان هناك أمر بالصلاة خلف مَن كان عمله غير صحيح. فهذه فتوى بجواز الصلاة خلفهم من قِبل جميع الإماميّة والقول بأنّ مَن صلّى خلفهم كأنّه صلّى في الصف الأوّل خلف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليست بمعنى بطلان عمل المخالفين، بل هذه الفتوى تناسب القول بصحّة عملهم، ولكنّهم لا يستحقّون الثواب علىه من جهة عدم اعتقادهم بالولاية، بخلاف المؤمن، فإنّ عمله صحيح ويستحقّ عليه الثواب أيضاً.

وبالجملة: إنّ الإيمان شرط القبول الذي يترتّب عليه استحقاق الثواب، وليس شرط الصحّة، ولذا اكتفى أكثر علمائنا بذكر شرط الإسلام في صحّة العمل، ولم يذكروا شرطيّة الإيمان.

وقد ورد في الدعاء عقيب الصلاة «اللّهم إنّي أعوذ بك من نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن علم لا ينفع، ومن صلاة لا تُرفع، ومن دعاء لا يُسمع» ، ومعنى «لا ترُفع» هو عدم قبول الصلاة وعدم ترتّب الثواب علىها، وليس معناه عدم صحّة الصلاة.

 


[1] وكذا إذا كان عمل المخالف طبق الأوامر الشرعية حسب قول الإماميّة إلّا أنّه خال من واجب آخر وهو اعتقاد الإمامة فصار العمل ملازماً لترك واجب وهو يوجب زوال الثواب.
logo