46/04/30
يشترط في النائب أمور/فصل في النيابة /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في النيابة /يشترط في النائب أمور
والحاصل: إنّ الإطلاق في صحيحة معاوية بن عمّار ورواية يحيى الأزرق المتقدّمتين يدلّ على صحّة نيابة الصبي عن الميّت في الحجّ الاستحبابي وصحّة نيابته عن الحيّ كذلك، إلّا أنّ هذا الإطلاق يُقيّد بصحيحة حكم بن حكيم التي ورد فيها تصحيح النيابة، وهي ناظرة إلى مَن ينوب في العمل فحدّدته في ثلاثة موارد، وهي: حجّ الرجل عن المرأة، وحجّ المرأة عن الرجل، وحجّ المرأة عن المرأة، وأمّا حجّ الرجل عن الرجل فلم تذكره الصحيحة ولكنّه واضح؛ لأنّ المغروس في ذهن السائل احتمال اتّحاد الجنس بين النائب والمنوب عنه فحجّ الرجل عن الرجل واضح الصحّة وإن لم تذكره الصحيحة، ولم يُذكر في الصحيحة صحّة نيابة الصبي عن المنوب عنه الميّت أو الحيّ. وعليه لا دليل على صحّة نيابة الصبي عن الحيّ وعن الميّت في المستحبّات أيضاً.
نعم، يصحّ أن يأتي الصبي بالحجّ عن نفسه؛ للأدلّة التي تدل على أنّ عباداته شرعيّة وليست تمرينيّة.
إذن لا دليل على صحة نيابة الصبي عن الميّت في الواجبات بنحو يوجب سقوط التكليف عن ذمّة المنوب عنه، كما لا دليل على صحّة نيابته عن الحيّ والميّت في المستحبّات أيضاً.
تنبيه: قال المحقّق الخوئي (قده) بأنّه على تقدير صحّة نيابة الصبي في الحجّ المستحبّي عن الميّت أو الحيّ لا بدّ من تقييد هذه الأدلّة بما إذا كان حجّه بإذن الولي أو إذا لم يستلزم حجّه صرف المال.
ويلاحظ عليه: إنّ تقييد السفر إلى الحجّ بإذن الولي لا بأس به، ولكن إذا كان الصبي مصاحباً لوليّه في السفر، وتكفّل الولي بنفقته، ثمّ أراد الصبي أن يحجّ عن الميّت أو الحيّ حجّ الإفراد الذي لا يتضمّن بذل المال للهدي أو أراد أن يعتمر عنه فلا حاجة لإذن الولي، وهكذا لو آجر نفسه بالقيمة السوقيّة أو بأكثر منها لأداء حجّ الإفراد أو العمرة فلا يحتاج إلى إذن من وليّه؛ لأنّ حجّه في هذا الحال ليس تصرّفاً في أمواله التي منع من التصرّف فيها، فيصحّ حجّه حينئذ من دون إذن الولي.
الثاني: العقل فلا تصحّ نيابة المجنون الذي لا يتحقّق منه القصد مطبقاً كان جنونه أو أدواريّاً في دور جنونه ولا بأس بنيابة السفيه [1] .
الأمر الثاني الذي يُشترط في النائب هو العقل، وقد ذكر صاحب العروة (قده) بأنّه لا تصحّ نيابة المجنون الذي لا يتحقّق منه القصد مطبقاً كان جنونه أو أدواريّاً في دور جنونه، ولا بأس بنيابة السفية.
وقد ذكر المحقّق الخوئي (قده) بأنّ المجنون كالحيوان، ولا يتحقّق منه القصد.
وفيه: ليس كلّ مجنون كالحيوان لم يكن له قصد أصلاً، بل له قصد، ولكنّ المُشترط في الحجّ هو القصد الخاص بأن يأتي بالفعل قربة إلى الله تعالى ويقصد التوجّه إلى الأمر العبادي، وهذا القصد الخاص مفقود في المجنون.
وأمّا السفيه، فإنّه يتمكّن من أن ينوب في الحجّ عن الميّت أو الحيّ؛ لإطلاق أدلّة النيابة حيث ينطبق عليه عنوان الرجل أيضاً، فتشمله أدلّة النيابة، ويتحقّق منه القصد الخاص، ولا ينافي ذلك كونه محجوراً عن التصرّف في أمواله وتصرّفاته الماليّة لعدم المنافاة بين صحّة نيابته في الحجّ وبين الحجر في الأموال.
نعم، لا يسلّم إليه المال إذا استؤجر للحجّ، ولا يتمكّن من التصرّف في ثمن الإجارة، ولكن هذا لا يمنع من صحّة نيابته في الحجّ عن المنوب عنه.
الثالث: الإيمان لعدم صحّة عمل غير المؤمن وإن كان معتقداً بوجوبه وحصل منه نيّة القربة، ودعوى أنّ ذلك في العمل لنفسه دون غيره كما ترى.
الأمر الثالث الذي يُشترط في النائب هو الإيمان، فلا يصحّ عمل غير المؤمن، وإن كان معتقداً بوجوبه وحصل منه نيّة القربة.
وقد ذهب جمع من العلماء منهم صاحب العروة، وصاحب المدارك، وصاحب مفاتيح الشرائع، وصاحب الحدائق الناضرة، وصاحب مستند الشيعة، وكذا المحقّق الخوئي في المعتمد في شرح العروة الوثقى (قدّس سرّهم)، وغيرهم إلى اشتراط الإيمان في صحّة النيابة للحجّ فلا يصحّ عمل المخالف حتّى لو كان يعتقد بفتوى الشيخ شلتوت الذي ذهب إلى أنّ المذهب الجعفري أحد المذاهب الإسلامية وجاء بالعمل على طبق المذهب الإمامي الجعفري؛ وذلك لأجل دلالة الروايات الكثيرة على اشتراط الإيمان في صحّة الأعمال وبطلان عبادة المخالف المنكر لولاية الأئمّة الإثني عشر (عليهم السلام)، وبالتالي، فإنّ عمل المخالف وفق مذهبه باطل من جهتين، الأولى: من جهة أنّ عمله ليس موافقاً للحق وللمأمور به، والثانية: من جهة فقدان الولاية المعتبرة في صحّة الأعمال، وأمّا بطلان عمل المخالف وفق مذهبنا فهو من جهة فقدان الولاية.
وقد ذهب المحقّق الحكيم (قده) في المستمسك إلى أنّ بطلان عبادة المخالف إنّما استفيدت من الأخبار، والظاهر منها بطلان عبادته لو كانت راجعة إلى نفسه، فلا تشمل ما نحن فيه، والظاهر من كلامه هذا أنّ عباداته لو كانت وفق مذهبنا فهي صحيحة [2] .
وفيه: هذه الدعوى لا دليل عليها، فإنّ الأخبار (كما قالوا) تدلّ على بطلان عمله لفقدان الولاية سواء كان عمله عن نفسه أو عن غيره.
والأخبار في المقام كثيرة، وهي تسعة عشرة رواية في باب التاسع والعشرين من أبواب مقدّمة العبادات وفي غير هذا الباب، منها: صحيحة محمّد بن مسلم قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كلّ من دان الله عزّ وجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، وهو ضالّ متحيّر، والله شانئ لأعماله ـ إلى أن قال ـ وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق، واعلم يا محمّد، أنّ أئمّة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دِين الله، قد ضلّوا وأضلّوا ، فأعمالهم التي يعملونها ﴿كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون ممّا كسبوا على شيء، ذلك هو الضلال البعيد﴾» [3] .
ومنها: ما رواه السيّد ابن طاووس في كتابه قبس من غياث سلطان الورى لسكّان الثرى عن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يكون عليه صلاة أو صوم هل يجوز له أن يقضيه غير عارف، قال: لا يقضيه إلّا مسلم عارف» [4] ، بناء على أنّ المراد من العارف في هذه الصحيحة هو العارف بالولاية لا العارف بأحكام الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات، وبناء على إلغاء خصوصيّة الصلاة والصوم فنتعدّى إلى الحجّ، وقد روى السيّد ابن طاووس هذه الرواية عن الشيخ الطوسي (قده) وسنده إلى الشيخ الطوسي معتبر، وكذا سند الشيخ الطوسي في كتبه إلى عمّار معتبر فتكون الرواية صحيحة.
ولكن مع هذا نقول: إنّ هذه الرواية غير صالحة للاحتجاج؛ وذلك لعدم وجودها في كتب الشيخ الطوسي، فطريق السيّد ابن طاووس إلى عمّار في غير ما روي في كتب الشيخ غير معروف في خصوص هذه الرواية؛ لأنّها لم تكن موجودة في كتب الشيخ.