46/04/24
إذا نذر الحجّ ماشياً فعرض مانع آخر غير العجز عن المشي .../فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين ، وفصل في النيابة ... /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين ، وفصل في النيابة ... /إذا نذر الحجّ ماشياً فعرض مانع آخر غير العجز عن المشي ...
(مسألة34): إذا نذر الحجّ ماشياً فعرض مانع آخر غير العجز عن المشي من مرض أو خوفه أو عدوّ أو نحو ذلك، فهل حكمه حكم العجز فيما ذكر أو لا، لكون الحكم على خلاف القاعدة؟ وجهان، ولا يبعد التفصيل بين المرض ومثل العدوّ باختيار الأوّل في الأوّل، والثاني في الثاني، وإن كان الأحوط الإلحاق مطلقاً[1] .
إذا نذر الحجّ ماشياً فعرض مانع آخر غير العجز عن المشي من مرض، أو خوف من البراري والصحارى والظُلمة، أو وجود عدوّ في الطريق، أو وجود نهر وبحر في الطريق، أو وجود شوك في الأرض يمنع المشي، أو حرّ وبرد شديد لا يتمكّن معه من المشي، أو نحو ذلك من الموانع، فهل هذه الموارد تُلحق بالعجز البدني عن المشي أو لا؟
قال صاحب العروة (قده): هذه الموانع لا تُلحق بالعجز عن المشي إلّا المرض، فإنّه يلحق بالعجز عن المشي، وعليه لو انعقد نذره في الحجّ ماشياً لتمكّنه من المشي حين النذر ثمّ عجز عن المشي بسبب المرض، فإنّه لا ريب في سقوط المشي بعد العجز عنه، ولكن يجب عليه الحجّ راكباً لدلالة الروايات على ذلك في العاجز عن المشي، وكذا الحكم في العاجز عنه بسبب المرض؛ لإلحاقه بالعجز عن المشي، ويستحبّ عليه أن يسوق بدنة بناء على مذهبه من حمل المقيّد على الاستحباب في المسألة المتقدّمة، وأمّا إذا عجز عن المشي بسبب الموانع الأُخرى غير المرض، فإنّ متقضى القاعدة سقوط نذره، ولا يجب عليه الحجّ أصلاً حتّى راكباً. ثمّ قال: إنّ الأحوط إلحاق هذه الموانع مطلقاً بالعجز عن المشي.
ولكنّنا نقول: إنّ العناوين المذكورة في الروايات على قسمين:
الأوّل: ما ذُكر فيها عنوان «التعب» كما في صحيحة رفاعة بن موسى قال «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله؟ قال: فليمش، قلت: فإنّه تعب؟ قال: فإذا تعب ركب» [2] ، ولكنّ هذا العنوان لا يصدق عرفاً على هذه الموانع المذكورة هنا.
الثاني: ما ذُكر فيها عنوان «العجز وعدم الاستطاعة من المشي» كما في صحيحة الحلبي قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله وعجز عن المشي؟ قال: فليركب وليسق بدنة، فإنّ ذلك يجزي عنه إذا عرف الله منه الجهد» [3] ، وصحيحة محمّد بن مسلم قال: «سألته عن رجل جعل عليه مشياً إلى بيت الله، فلم يستطع، قال: يحجّ راكباً» [4] ، وهذا العنوان يشمل عدم التمكّن من المشي والعجز عنه لأيّ سبب من الأسباب، سواء كان العجز عن المشي بدنيّاً مثل مرض وجرح وكسر ووجع في بدنه، أو كان العجز عن المشي غير بدني مثل وجود حرّ وبرد شديد، أو وجود نهر وبحر في الطريق، أو وجود شوك في الأرض يمنع من المشي، وكلّ ذلك لصدق العجز عن المشي على هذه الموانع عرفاً.
وأمّا بالنسبة إلى وجود عدوّ في الطريق أو خوف من الصحاري والبراري والظُلمة، فإنّ هذه الموارد هي حالات نفسانيّة وليست من موارد العجز عن المشي عرفاً، ولا يصدق على ذلك أنّه عجز عن المشي، إذن الروايات لم تشمل الخوف من عدوّ أو ظُلمة أو الخوف من البراري والصحاري، والمتعيّن هنا الرجوع إلى القاعدة، فإنّ مقتضاها سقوط النذر، ولا يجب عليه الحجّ حتّى راكباً، إلّا إذا كان النذر مطلقاً من دون تقييد بسنة معيّنة وكان يرجو التمكّن.
والحاصل: لو انعقد نذره في الحجّ ماشياً لتمكّنه من المشي حين النذر ثمّ عجز عن المشي، فلا ريب في سقوط المشي حينئذ؛ لعدم القدرة على إتيان المتعلّق حين العمل، ولكن إذا صدق عنوان «التعب» أو «العجز وعدم الاستطاعة من المشي» فإنّه يجب عليه الحجّ راكباً لدلالة الروايات على ذلك، ويجب عليه أن يسوق بدنة بناء على ما ذهبنا إليه من حمل الروايات المطلقة على المقيّدة في المسألة المتقدّمة، وأمّا إذا لم يصدق هذان العنوانان كما في وجود عدوّ في الطريق أو الخوف من الصحاري والبراري والظُلمة فمقتضى القاعدة سقوط النذر ولم يجب عليه الحجّ حتّى راكباً.
ولكنّ المحقّق الخوئي (قده) ذهب إلى أنّ معتبرة عنبسة بن معصب [5] تشمل جميع هذه الموارد حتّى وجود العدوّ في الطريق والخوف من الصحاري والظُلمة؛ وذلك لأنّ المستفاد من قوله (عليه السلام): «بلغ جُهده» هو أنّ الميزان بلوغ هذا المقدار من الجهد، فيشمل جميع الموانع عن المشي، وعليه يسقط وجوب المشي خاصّة بعد تحقّق هذه الموانع، ولكن يبقى أصل وجوب الحجّ المنذور، ويأتي به راكباً [6] .
ويُردّ عليه: إنّ المراد من «بلغ جُهده» يعني عدم القدرة على المشي جسديّاً وبدنيّاً بسبب التعب أو العجز، وهذا لا يشمل جميع هذه الموانع حتّى لو وُجد عدوّ في الطريق أو حصل الخوف من البراري والصحاري والظُلمة، مضافاً إلى أنّ هذه الرواية ضعيفة؛ لأنّ عنبسة بن مصعب لم يرد فيه توثيق سوى وقوعه في أسانيد كامل الزيارات، وقد عدل عن توثيق رجال كامل الزيارات في أواخر حياته.
فصل في النيابة: لا إشكال في صحّة النيابة عن الميّت في الحجّ الواجب والمندوب، وعن الحيّ في المندوب مطلقاً، وفي الواجب في بعض الصور.
يصحّ الحجّ النيابي عن الميّت عند الإماميّة، سواء كان الحجّ عن الميّت واجباً كحجّة الإسلام أو مستحبّاً.
وكذا يصحّ الحجّ النيابي عن الحيّ في الحجّ المندوب مطلقاً، وفي الحجّ الوجب فيما إذا كان موسراً ومتمكّناً من الناحية الماديّة، ولكنّه لم يتمكّن من مباشرة الحجّ بنفسه لعدم الاستطاعة البدنيّة.
وجواز الاستنابة ومشروعيّتها عن الميّت في الواجبات والمستحبّات كالحجّ والصلاة والصوم من مختصّات الإماميّة، وتدلّ عليه نصوص كثيرة على خلاف مقتضى القاعدة؛ لأنّ مقتضاها أنّ الصلاة والصوم والحجّ وغيرهما من الواجبات أفعال لا تستند إلّا إلى فاعلها المكلّف بها.
وأمّا أهل السنّة فقد أقرّوا بالحجّ الاستنابي عن الميّت وهو الحجّ الواجب، وأقرّوا بالحجّ المستحبّي عن الميّت، وأقرّوا بالاستنابة عن الحيّ إذا كان متمكّناً مالياً لا بدنيّاً، وكلّ ذلك لدلالة رواياتهم على ذلك، ولكنّهم توقّفوا في الصلاة وذهبوا إلى عدم الاستنابة فيها لعدم قيام دليل عندهم على الجواز، ولكنّهم على الرغم من تجويزهم الاستنابة في الحجّ عن الميّت والحيّ في بعض الصور يشنّعون على الإماميّة بأنّهم كيف جوّزوا الاستنابة في الصلاة عن الميّت.