« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/04/22

بسم الله الرحمن الرحيم

لو عجز عن المشي بعد انعقاد نذره/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /لو عجز عن المشي بعد انعقاد نذره

 

(مسألة33): لو عجز عن المشي بعد انعقاد نذره لتمكّنه منه أو رجائه سقط، وهل يبقى حينئذ وجوب الحجّ راكباً أو لا بل يسقط أيضاً؟ فيه أقوال: أحدها: وجوبه راكباً مع سياق بدنة. الثاني: وجوبه بلا سياق. الثالث: سقوطه إذا كان الحجّ مقيّداً بسنة معيّنة، أو كان مطلقاً مع اليأس عن التمكّن بعد ذلك وتوقّع المُكنة مع الإطلاق وعدم اليأس. الرابع: وجوب الركوب مع تعيين السنة أو اليأس في صورة الإطلاق، وتوقّع الُمكنة مع عدم اليأس. الخامس: وجوب الركوب إذا كان بعد الدخول في الإحرام، وإذا كان قبله فالسقوط مع التعيين، وتوقّع المُكنة مع الإطلاق ...[1]

لو نذر الحجّ ماشياً وهو مشلول مُقعد فلا ينعقد نذره من الأوّل؛ لأنّ النذر مشروط بالقدرة العقلية، وهو غير قادر على إتيان متعلّق النذر.

وأمّا لو انعقد نذره في الحجّ ماشياً لتمكّنه منه ثمّ عجز عن المشي فلا ريب في سقوط المشي؛ لطروّ العجز المانع من إتيان المتعلّق حين العمل، ولكن هل يجب عليه الحجّ حينئذ راكباً أو لا؟

وقد ذكر صاحب العروة (قده) صوراً ثلاثة:

الأُولى: إذا كان نذر الحجّ ماشياً مقيّداً بسنة معيّنة، وكان متمكّناً من الحجّ في هذه السنة المعيّنة، ثمّ عجز عن المشي فإنّ هذا النذر يسقط؛ لعدم القدرة عليه حين العمل، ولا يجب عليه الحجّ ماشياً حينئذ.

الثانية: إذا كان نذر الحجّ ماشياً مطلقاً من دون تقييده بسنة معيّنة ثمّ عجز عن المشي مع اليأس عن التمكّن بإتيانه ماشياً، فهذا النذر أيضاً يسقط، ولا يجب عليه الحجّ ماشياً؛ لعدم القدرة عليه حين العمل.

الثالثة: إذا نذر الحجّ ماشياً مطلقاً من دون تقييده بسنة معيّنة ثمّ عجز عن المشي ولكنّه كان يتوقّع المُكنة وعدم اليأس من الإتيان به ماشياً، فقد قال صاحب العروة (قده) بأنّ نذره لا يسقط ويجب عليه الحجّ ماشياً.

وقد فرّق صاحب العروة (قده) بين الصورة الأُولى والثانية وبين الصورة الثالثة، فإنّه ذهب إلى عدم وجوب الحجّ ماشياً في الأُولى والثانية، وذهب إلى وجوبه في الثالثة، إلّا أنّ مقتضى القاعدة عدم الوجوب في الصور الثلاث؛ لأنّ نذر الحجّ ماشياً في الصورة الثالثة مطلق أيضاً، وهو غير قادر على إتيانه ماشياً حين العمل فيسقط وجوبه.

الرابعة (وهي صورة لم يذكرها صاحب العروة (قده)): إذا نذر الحجّ ماشياً ثمّ عجز عن المشي في أثناء الأعمال بعد الإحرام، فإنّه يجب عليه أن يُتمّ الحجّ راكباً، ولا يجوز له رفع اليد عن الحجّ والإحرام الذي بدأ فيه بشكل صحيح، ولهذا يجب عليه إتمام الحجّ والعمرة، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ [البقرة: 196]، ولأنّنا ذكرنا بأنّ النذر لا يوجب تقييداً في الأمر بالحجّ، ولذا لو نذر أن يحجّ ماشياً، فإنّه يوجد هنا أمران، أحدهما: الأمر التوصّلي بوجوب الوفاء بالنذر (فِ بالنذر)، والثاني: الأمر بالحجّ الاستحبابي، وعليه فإن لم يتمكّن من المشي والوفاء بالنذر فقد يسقط هذا الأمر النذري، ولكن يبقى الأمر الثاني وهو الأمر بالحجّ الاستحبابي فيجب عليه أن يأتي به راكباً.

إذن يسقط الحجّ ماشياً في الصور الأربعة كلّها بعد العجز عن المشي. هذا كلّه هو مقتضى القاعدة.

وأمّا مقتضى الروايات في المقام، فإنّها تدلّ على وجوب الحجّ راكباً في جميع الصور على خلاف القاعدة، وهي على طائفتين:

الطائفة الأولى: ما يدلّ على وجوب الحجّ راكباً مع سوق بدنة أو هدي، منها: صحيحة الحلبي، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله وعجز عن المشي؟ قال: فليركب وليسق بدنة، فإنّ ذلك يجزي عنه إذا عرف الله منه الجهد» [2] .

ومنها: صحيحة ذريح المحاربي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حلف ليحجّن ماشياً فعجز عن ذلك فلم يطقه؟ قال: فليركب وليسق الهدي» [3] .

وهذان الصحيحتان مطلقتان وتشملان جميع الصور المتقدّمة سواء نذر الحجّ ماشياً في سنة معيّنة ثمّ عجز عن المشي أو كان نذره مطلقاً من غير تقييد بسنة معيّنة ثمّ عجز مع اليأس عن التمكّن، أو كان نذره مطلقاً ثمّ عجز وتوقّع المُكنة، أو حجّ ماشياً ثمّ عجز في الأثناء بعد الإحرام، وعليه لم يبطل نذره بل يجب عليه الحجّ راكباً في جميع الصور المذكورة.

الطائفة الثانية: ما تدلّ على وجوب الحجّ راكباً من دون سوق بدنة أو هدي، منها: صحيحة رفاعة بن موسى قال «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله؟ قال: فليمش، قلت: فإنّه تعب؟ قال: فإذا تعب ركب» [4] ، وهذه الرواية تشير الى حصول العجز أثناء أعمال الحجّ.

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم، قال: «سألته عن رجل جعل عليه مشياً إلى بيت الله، فلم يستطع، قال: يحجّ راكباً» [5] .

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم الأُخرى بنفس المضمون، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل جعل عليه المشي إلى بيت الله، فلم يستطع؟ قال: فليحّج راكباً» [6] .

وهذه الطائفة أيضاً تدلّ على وجوب الحجّ راكباً في جميع الصور.

ويقع التعارض بين هاتين الطائفتين حيث تدلّ الطائفة الأُولى على وجوب الحجّ راكباً مع وجوب سوق بدنة أو هدي، بينما تدلّ الطائفة الثانية على وجوب الحجّ راكباً من دون سوق بدنة أو هدي، ولذا ذكر المصنّف (قده) بأنّ الجمع العرفي بينهما يقتضي حمل الأمر بسوق الهدي في بعض الأخبار على الاستحباب بقرينة السكوت عنه في بعضها الآخر، مع كون الإمام (عليه السلام) في مقام البيان.

وقد يقال في تأييد ما ذكره صاحب العروة (قده) من أنّ الحكم الواقعي إذا كان الإتيان بالحجّ راكباً مع سوق بدنة أو هدي لكان على الإمام (عليه السلام) بيان ذلك لئلّا يقع المكلّف في مخالفة الحكم الواقعي، ولكنّه لم يبيّن ذلك مع كونه في مقام البيان، وحيث إنّه سكت عن بيان هذا حكم ولم يبيّنه، فهذا السكوت قرينة على عدم وجوب السوق، وعليه لا بدّ من حمل الأمر بالسوق في الطائفة الأُولى من الروايات على الاستحباب بقرينة السكوت عنه في الطائفة الثانية، وإنّنا إن لم نحملها على الاستحباب لكان كلام الإمام (عليه السلام) سبباً لوقوع المكلّف في مخالفة الحكم الواقعي للمولى، وأنّ الإمام (عليه السلام) قد أخلّ ببيانه الذي يجب أن يبيّنه.

وفيه: ما ذُكر من حمل المقيّد هنا على الاستحباب جمعاً بين الروايات ينافي حمل المطلق على المقيّد في باب الإطلاق والتقييد، ولم يقل به أحد من علمائنا. إذن لا بدّ من إعادة النظر في ما ذهب إليه صاحب العروة (قده).

وقد ناقش المحقّق الخوئي (قده) حمل المقيّد هنا على الاستحباب، فقال: إنّ هذا الحمل ينافي ما ذُكر في الأصول بأنّ المطلق يُحمل على المقيّد، فإنّ الروايات التي لم تذكر سوق البدنة هي مطلقة لفظاً وهو لا ينافي التقييد بدليل آخر، فمقتضى القاعدة تقييد الإطلاق بالروايات الأُولى الدالّة على سوق الهدي، كما لو قال المولى: «أكرم عالماً»، ثمّ قال: «أكرم عالماً عادلاً»، فإنّ المطلق هنا يحمل على المقيّد إذا كان الحكم واحداً، ولذا يحكم بأنّ المراد من المطلق هو وجوب إكرام العالم العادل، ولا يحمل المقيّد على الاستحباب، وهكذا يكون الكلام في المقام، ولا بدّ من تقييد إطلاق الطائفة الثانية بالأُولى، فيحكم بأنّ المراد هو الحجّ راكباً مع سوق بدنة أو هدي.

ولكنّ المحقّق الخوئي (قده) ذهب إلى أنّ الأقوى هنا عدم وجوب سوق بدنة أو هدي، ولا بدّ من حمل الأمر في الطائفة الأُولى على استحباب السوق، وذلك لا من باب حمل المقيّد على الاستحباب ـ كما عليه المصنّف (قده) ـ بل من باب ظهور رواية عنبسة بن مصعب على عدم الوجوب حيث قال: «نذرت في ابن لي، إن عافاه الله أن أحجّ ماشياً، فمشيت حتّى بلغت العقبة، فاشتكيت، فركبت، ثمّ وجدت راحة، فمشيت، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك، فقال: إنّي أحبّ إن كنت مؤسراً أن تذبح بقرة، فقلت: معي نفقة، ولو شئت أن أذبح لفعلت، فقال: إنّي أحب إن كنت مؤسراً أن تذبح بقرة، فقلت: أشيء واجب افعله؟ فقال: لا، من جعل لله شيئاً فبلغ جهده فليس عليه شيء» [7] ، فقوله (عليه السلام): «إنّي أحبّ إن كنت موسراً أن تذبح بقرة» يدلّ على الاستحباب، والرواية معتبرة؛ لأنّ الشيخ رواها في كتاب النذر بطريق صحيح، وعنبسة ثقة لكونه من رجال كامل الزيارات [8] .

وهذه الرواية مطلقة وتشمل جميع الصور المذكورة، ولذا يجب عليه الحجّ راكباً ويستحبّ سوق بدنة أو هدي أو بقرة، ومنها يُعلم أن ذكر البدنة أو الهدي أو البقرة من باب المثال لجريان الدم، ولا خصوصيّة فيها.

 


logo