« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/04/17

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يجوز لمن نذر الحجّ ماشياً أو المشي في حجّه أن يركب البحر ... و إذا نذر المشي فخالف نذره فحجّ راكباً .../فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /لا يجوز لمن نذر الحجّ ماشياً أو المشي في حجّه أن يركب البحر ... و إذا نذر المشي فخالف نذره فحجّ راكباً ...

 

الفرع الرابع: إذا نذر الحجّ ماشياً أو المشي في الحجّ وكان في طريقه نهر أو شط لا يمكنه العبور منه إلّا بمركب فالمشهور أنّه يقوم في المركب ولا يجلس فيه.

وذكر المحقّق الخوئي (قده) أنّه استدلّ على ذلك بوجهين:

الوجه الأوّل: قاعدة الميسور؛ لأنّ الميسور من المشي هو الذي يصدر حال القيام.

وفيه: أوّلاً: هذه القاعدة غير ثابتة، وأدلّتها غير صحيحة، فإنّ القيام ليس بميسور المشي بل هو أمر مغاير للمشي، وإن كان المشي يلازم القيام.

وثانياً: هذه القاعدة مخدوشة من ناحية الصغرى؛ لأنّ ميسور المشي هو القيام مع التحرّك في المركب لا القيام.

الوجه الثاني: خبر السكوني عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه: «أنّ‌ عليّاً (عليه السلام) سُئل عن رجل نذر أن يمشي إلى البيت فعبر في المعبر، قال: فليقم في المعبر قائماً حتّى يجوز» [1] .

وقد ذهب صاحب العروة (قده) هنا إلى أنّ الأقوى عدم وجوب القيام، وأشكل على هذا الخبر بالضعف من حيث السند لوجود النوفلي، ولكن على مبنى المحقّق الخوئي (قده) من توثيق رجال كامل الزيارات فقد يتّصف هذا الخبر بالصحّة، وعليه لا بدّ من العمل بالخبر خصوصاً مع عدم إعراض الأصحاب عنه، ولذا قال: إنّ ما ذهب إليه المشهور من القيام هو الأقوى [2] .

ونحن نقول بصحّة هذا الخبر أيضاً على غير مبنى توثيق رجال كامل الزيارات، وهو عمل الطائفة برواية السكوني الذي يروي غالباً عن طريق النوفلي، فإنّ عملهم برواية السكوني يلازم العمل برواية النوفلي أيضاً، وهذه شهادة من الطائفة على اعتبار النوفلي.

إذن هذا الخبر معتبر إمّا بناء على وثاقة رجال كامل الزيارات أو بناء على عمل الطائفة بخبر السكوني عن النوفلي، فلا شكّ في اعتباره ولا يكون ضعيفاً.

وبناء على ذلك لو نذر الحجّ ماشياً أو المشي في الحجّ، وكان في طريقه نهر أو شط، وقلنا باعتبار خبر السكوني فلا بدّ من التعبّد به، والالتزام بالقيام في السفينة التي يركب فيها، ولكن إذا قلنا بأنّ الناذر لم يقصد المشي في النهر من الأوّل حيث إنّ المشي فيه غير ممكن، فإنّه يجوز له الجلوس في السفينة ولا يجب عليه القيام فيها، مع أنّ الخبر المذكور يدلّ على وجوب القيام، وبالتالي نردّ علم هذا الخبر إلى أهله.

(مسألة31): إذا نذر المشي فخالف نذره فحجّ راكباً، فإن كان المنذور الحجّ ماشياً من غير تقييد بسنة معيّنة وجب عليه الإعادة، ولا كفّارة إلّا إذا تركها أيضاً. وإن كان المنذور الحجّ ماشياً في سنة معيّنة فخالف وأتى به راكباً وجب عليه القضاء والكفّارة. وإذا كان المنذور المشي في حجّ معيّن وجبت الكفارة دون القضاء لفوات محلّ النذر.

والحجّ صحيح في جميع الصور، خصوصاً الأخيرة؛ لأنّ النذر لا يوجب شرطية المشي في أصل الحجّ، وعدم الصحّة من حيث النذر لا يوجب عدمها من حيث الأصل، فيكفي في صحّته الإتيان به بقصد القربة ... [3]

في هذه المسألة فروع:

الفرع الأوّل: إذا نذر الحجّ ماشياً من غير تقييد بسنة معيّنة فخالف نذره وحجّ راكباً، فلا يسقط نذره ويبقى في ذمّته؛ لأنّ المأتي به غير المنذور، فيجب عليه الإتيان بالمنذور، أي: الحجّ ماشياً في الأعوام المقبلة لأجل الوفاء بنذره حيث إنّ النذرلم يكن مقيّداً بسنة معيّنة فيجب عليه الإتيان به في أيّ سنة من السنين، ولا كفّارة عليه لعدم تحقّق حنث النذر الذي كان موسّعاً.

ولا يخفى ما في تعبير المصنّف (قده) هنا بوجوب الإعادة من المسامحة، فإنّ الناذر لم يأت بالمنذور فيجب عليه الإتيان به في أيّ سنة من السنين، ولا معنى للتعبير بالإعادة، كما لو نذر شخص أن يعطي درهماً إلى جاره ولكنّه أعطاه إلى شخص آخر، فإنّه يجب عليه أن يعطيه درهماً لأجل الوفاء بنذره، لا أنّه يجب عليه الإعادة في إعطائه درهماً.

الفرع الثاني: إذا نذر الحجّ ماشياً في سنة معيّنة فخالف نذره وحجّ راكباً، فقد ذكر صاحب العروة (قده) أنّه يجب عليه القضاء والكفّارة، وأمّا وجوب القضاء فهو مبني على ما ذهب إليه من وجوب القضاء في الحجّ النذري، وأمّا وجوب الكفّارة فلأجل تحقّق الحنث بمخالفة النذر المعيّن عمداً.

ولكن بناء على ما ذهبنا إليه من عدم وجوب القضاء في الحجّ النذري لعدم الدليل، فإنّه لا يجب القضاء عنه.

ويُلاحظ عليه: إنّ المنذور إذا كان الحجّ ماشياً فهو كما ذُكر من وجوب القضاء عنه على مذهب صاحب العروة (قده) وعدم الوجوب على مذهبنا، ولكنّ المنذور إذا كان المشي في الحجّ فلا دليل على وجوب القضاء عنه مطلقاً حتّى لو قيل بوجوب القضاء في الحجّ النذري؛ لأنّ الدليل على القضاء ـ على ما ادّعي ذلك ـ إنّما ورد في القضاء عن الحجّة المنذورة إذا لم يأت بها، ولم يرد أيّ دليل على القضاء عن نذر المشي في الحجّ إذا لم يأت به ماشياً.

إذن لو نذر المشي في الحجّ فخالف نذره وحجّ راكباً، فإنّه لا دليل على وجوب القضاء عنه كما هو تفصيل صاحب العروة (قده) في متن المسألة.

الفرع الثالث: إذا نذر المشي في حجّ معيّن ـ كحجّ نيابي أو حجّ الإسلام أو حجّ استحبابي ـ فخالف نذره وحجّ راكباً، فقد ذكر صاحب العروة (قده) وجبت الكفّارة دون القضاء لفوات المنذور، وأمّا الكفّارة فلتحقّق الحنث عمداً، وأمّا القضاء عن المشي فلا دليل على وجوبه لفوات المنذور، أي: المشي في إتيان الحجّ المعيّن.

هذا كلّه من ناحية القضاء والكفّارة.

وأمّا بالنسبة إلى صحّة الحجّ المأتيّ به راكباً فقد ذكر صاحب العروة (قده) أنّه صحيح في جميع هذه الفروع خصوصاً في الفرع الأخير؛ لأنّ النذر لا يوجب تقييد الحجّ بالمشي، بل يبقى الحجّ على إطلاقه ويصحّ الإتيان به بقصد القربة حتّى لو جاء به راكباً، وكذا عدم صحّة النذر والتخلّف عن المنذور ـ وهو المشي ـ لا يقتضي بطلان أصل الحجّ. إذن يكفي في صحّة الحجّ أن يأتي به بقصد القربة وإن كان مخالفاً لنذره وهو المشي.

وقال المحقّق الخوئي (قده): وأمّا تعبير صاحب العروة (قده) في الحكم بصحّة الحجّ في جميع الصور «خصوصاً الأخيرة» فهو سهو من قلمه الشريف؛ إذ لا خصوصيّة للصورة الأخيرة من حيث الصحّة، والصحيح أن يقال: «الحجّ صحيح في جميع الصور حتّى الأخيرة» [4] .

إذن يصحّ الحجّ راكباً في الفرع الأوّل وإن كان الركوب مخالفاً لنذره؛ لأنّ المنذور طبيعي الحجّ في أيّ سنة من السنين، ولا شكّ في صحّة الحجّ المأتيّ به راكباً، ولا موجب لتوهّم فساده.

وكذا يصحّ الحجّ راكباً في الفرع الثاني، وإن كان الركوب مخالفاً لنذره؛ لأنّ الحجّ محبوب في نفسه ومأمور به، ولا دليل على بطلانه بإتيانه راكباً من حيث مخالفة النذر، إلّا إذا قلنا بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، وعليه فالأمر بإتيان الحجّ ماشياً في هذه السنة المعيّنة يقتضي النهي عن إتيانه راكباً، ولكن ذكرنا في محلّه أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، مضافاً إلى أنّه لو سلّمنا ذلك فالمنهي عنه هو الركوب لا الحجّ؛ لأنّ ضدّ المشي هو الركوب، فالحجّ هنا لا يكون ضدّاً للمشي.

وكذلك يصحّ الحجّ راكباً في الفرع الثالث، وإن كان الركوب مخالفاً لنذره؛ لأنّ الحجّ المعيّن المأتيّ به مطلق، وهو طبيعي الحجّ ولم يقيّد بالمشي (وإن كان استحبابيّاً)، ونذر المشي في الحجّ المعيّن لا يوجب تقييداً في وجوب هذا الحجّ، وعليه لا مانع من انطباق الطبيعي على المأتيّ به وإن كان مخالفاً لنذره، فالقاعدة تقتضي صحّة العمل لانطباق الطبيعي عليه.

 


logo