« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/04/09

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا علم أنّ على الميّت حجّاً ولم يعلم أنّه حجّة الإسلام أو حجّ النذر .../فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /إذا علم أنّ على الميّت حجّاً ولم يعلم أنّه حجّة الإسلام أو حجّ النذر ...

 

وذكر المحقّق الخوئي (قده) أنّه بناء على مبنى صاحب العروة (قده) من أنّ وجوب الكفّارة دَين ولم يسقط بالموت، وهو من قبيل الواجب المالي الذي يخرج من أصل التركة، فإنّه يحصل هنا علم إجمالي آخر غير العلم الإجمالي المتقدّم حتّى لو لم يجب قضاء حجّة النذر؛ لأنّه حينئذ يُعلم إجمالاً إمّا بوجوب قضاء حجّة عن الميّت فيما إذا كان الفائت حجّة الإسلام أو بوجوب كفّارة عليه فيما إذا كان الفائت حجّة النذر، ولا طريق لنا إلى إثبات أحدهما إلّا بالقرعة [1] .

أقول: هذا العلم الإجمالي يكون منجّزاً، وبعد تنجّزه يجب الاحتياط، ومقتضاه وجوب قضاء حجّة الإسلام ووجوب كفّارة حنث النذر معاً، كما لو كان المكلّف يعلم بأنّ الواجب عليه إمّا ذبح ذبيحة في اليوم السابع من محرّم وفاء لنذره أو إعطاء مبلغ معيّن للخطيب الذي يقرأ في هذا اليوم، فإنّه يجب عليه الاحتياط والإتيان بالعملين معاً، أي: ذبح الذبيحة وإعطاء المبلغ؛ لأنّه لا يعلم بأحدهما على التعيين، مع أنّه يعلم بوجوب أحدهما عليه.

ومع هذا لم يذهب المحقّق الخوئي (قده) إلى الاحتياط بل قال بالقرعة؛ وذلك لأنّ الاحتياط يجري فيما إذا شكّ المكلّف في التكليف المتوجّه إليه، وأمّا الشكّ هنا فهو في التكليف المتوجّه إلى الميّت، وتكليفه عمل واحد حيث إنّ الواجب علىه إمّا وجوب قضاء حجّة الإسلام أو وجوب أداء الكفّارة، فلا يجوز التصرّف في مال الميّت أكثر ممّا وجب عليه، ولذا لا يمكن الجمع بين العملين والإتيان بهما معاً، ولهذا قال المحقّق الخوئي (قده) لا بدّ في تعيين أحدهما من الرجوع إلى القرعة. وكأنّه يعتقد أنّ مقتضى القاعدة هنا هو الاحتياط ووجوب الإتيان بالعملين معاً، ولكن بما أنّه لا يجوز لنا التصرّف في مال الميّت بأكثر ممّا وجب عليه، ولا يجب عليه إلّا وجوباً واحداً ـ إمّا وجوب قضاء حجّة الإسلام أو وجوب الكفّارة ـ فلا يمكن الإتيان بالعملين بل يجب الإتيان بعمل واحد، ويتعيّن بالقرعة.

هذا كلّه بناء على مبنى صاحب العروة (قده) من أنّ الكفارة دَين وتخرج من أصل المال، وأمّا بناء على ما ذهبنا إليه من أنّ الكفّارة ليست بدَين؛ لأنّ الواجب فيها هو الفعل والعمل وهو ليس مالاً، بل هي من جملة الواجبات التي تسقط بموت صاحبها، فالعلم الإجمالي لم يتنجّز؛ لأنّ وجوب الكفّارة سقط بالموت، ووجوب القضاء عن حجّة الإسلام مشكوك يُنفى بأصل البراءة.

الفرع الثاني: إذا عُلم أنّ على الميّت حجّاً، ولكن لم يُعلم تفصيلاً أنّه حجّة النذر أو حجّة الحلف، فإنّ صاحب العروة (قده) ذهب إلى وجوب القضاء والكفّارة عنه؛ لأنّ حكم النذر والعهد واليمين واحد إلّا أن يأتي دليل على اختلاف الحكم في هذه الأمور الثلاثة.

إذن، بناء على القول بوجوب قضاء حجّة النذر وكذا العهد واليمين كما عليه صاحب العروة (قده)، فإنّه يجب قضاء حجّة عن الميّت من غير تعيين أنّها حجّة النذر أو حجّة الحلف بل يُؤتى بها بقصد الأمر المتوجّه إليه؛ لأنّ ذمّة الميّت مشغولة بوجود تكليف قضائي على كلّ تقدير، وبالتالي يتنجّز العلم الإجمالي، ويجب القضاء عنه لأجل تفريغ الذمّة.

وتجب الكفّارة أيضاً بناء على ثبوتها بعد الموت؛ لأنّها دَين، والدَّين يخرج من أصل التركة، والمفروض هنا ثبوت الكفّارة على الميّت إمّا بسبب مخالفته للنذر أو الحلف.

وفيه: إنّ الكفّارة إنّما تترتّب على المخالفة العمديّة للنذر والحلف، وأمّا إذا كانت المخالفة غير عمديّة واحتملنا المعذورية فلا تجب؛ لعدم إحراز الحنث وهو المخالفة العمديّة. ويضاف إلى ذلك أنّ الكفّارة ليست بدَين بل الواجب فيها هو الفعل والعمل بأن يُطعم الفقراء أو يُعتق عبداً، ولذا تسقط الكفّارة بالموت، ولا تُخرج من أصل التركة.

ثمّ هل كفّارة النذر متّحدة مع كفّارة الحلف أو مختلفة؟

الظاهر أنّ كفّارة النذر متّحدة مع كفّارة الحلف، وهي مخيّرة ومرتّبة، فإنّ الواجب فيها إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة مؤمنة، فإن عجز عن كلّ واحد من هذه الأمور الثلاثة صام ثلاثة أيّام، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 89] .

إذن بناء على اتّحاد الكفّارتين تكفي كفّارة واحدة عن الميّت من أصل التركة، ومن دون تعيين أنّها لحنث النذر أو الحلف، بل يُقصد الأمر المتوجّه إلىه؛ لأنّ الكفّارة دَين، والدَّين لا يسقط بالموت.

وأمّا لو قلنا أنّ كفّارة النذر تختلف عن كفّارة الحلف، وكفّارة النذر هي كفّارة الإفطار في شهر رمضان مخيّرة بين الخصال الثلاث، أي: عتق الرقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكيناً، بينما كفّارة الحلف مخيّرة ومترتّبة وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة مؤمنة ثمّ صيام ثلاثة أيّام، فإنّ صاحب العروة (قده) ذهب في المقام إلى أنّه لا بدّ من الاحتياط؛ لأنّ الشكّ بين وجوب الكفّارتين هنا من قبيل الشكّ بين المتباينين الذي يجب فيه الاحتياط، ولكنّ الاحتياط هنا ليس بتكرار الكفّارة بل بمعنى كفاية إطعام ستّين مسكيناً؛ لأنّ فيه إطعام عشرة مساكين الذي هو كفّارة الحلف.

وفيه: إذا اختار الوصي عتق الرقبة الذي يكون مشتركاً بين الكفّارتين، كما لو كان العتق في ذلك الزمان أرخص من الإطعام، فإنّه يكفي عتق رقبة واحدة عن الميّت من دون تعيين، بل بقصد الأمر المتوجّه إليه، وحينئذ لا وجه للقول بوجوب الاحتياط. هذا أوّلاً.

وثانياً: إذا اختار الوصي الإطعام فلا وجه للقول بالاحتياط أيضاً؛ لأنّ الاحتياط يصحّ في أموال المكلّف لا في أموال الميّت، فإنّ الواجب على الميّت إذا كان إطعام عشرة مساكين لا يجوز للوصي أن يتصرّف في تركته ويطعم أكثر من ذلك، ولهذا إطعام ستّين مسكيناً عن الميّت وإخراج ثمنه من التركة قد يكون خلاف الاحتياط بل تصرّف غير جائز، إذن ما ذهب إليه صاحب العروة (قده) من القول بالاحتياط وكفاية إطعام ستّين مسكيناً غير صحيح، ولا يجوز التصرّف في مال الميّت أكثر ممّا وجب عليه. وبما أنّ على الميّت كفّارة واحدة، وهي إمّا إطعام عشرة مساكين أو ستّين مسكيناً، وحسب الفرض تختلف كفّارة النذر عن كفّارة الحلف، لا بدّ في تعيين أحدهما من الرجوع إلى القرعة.

وقد يقال: إنّ الشكّ في وجوب كفّارة النذر أو كفّارة الحلف في المقام ليس من قبيل الشكّ في المتباينين بل من قبيل الشكّ في الأقل والأكثر، فإنّ الواجب على الميّت إمّا الأقل وهو إطعام عشرة مساكين أو الأكثر، أي: إطعام ستّين مسكيناً، وبعد أن كان الأقل هو المتيقّن على كلّ تقدير ينحلّ العلم الإجمالي إلى يقين بوجوب الأقل وشكّ في وجوب الأكثر فيُنفى الأكثر بالبراءة.

وفيه: إنّ البراءة عن الأكثر في مسألة الشكّ بين الأقل والأكثر تجري في صورة العلم بكون الأقل مورداً للتكليف، ولكنّ المقام ليس كذلك حيث إنّ التكليف بالأقل فرد من أفراد الواجب التخييري وليس متيقّناً حتّى يُؤخذ به ويُنفى الزائد منه بالبراءة؛ لأنّ التكليف إمّا تعلّق بالجامع بين إطعام عشرة أو كسوتهم أو تحرير رقبة ثمّ صيام ثلاثة أيام، أو تعلّق بالجامع بين إطعام ستّين أو صوم شهرين متتابعين أو تحرير رقبة.

إذن الشكّ في وجوب الكفّارتين في المقام لا يكون من قبيل الشكّ بين الأقل والأكثر بل من قبيل الشكّ في المتباينين.

أقول: الصحيح هو أنّ الكفّارة ليست ديناً على الميّت؛ لأنّ الواجب هو عمل الإطعام وليس ديناً فلا يخرج من التركة.

 


logo