46/04/01
إذا نذر حجّا في حال عدم الاستطاعة... وإذا نذر الحجّ وأطلق من غير تقييد بحجّة الإسلام ولا بغيره.../فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /إذا نذر حجّا في حال عدم الاستطاعة... وإذا نذر الحجّ وأطلق من غير تقييد بحجّة الإسلام ولا بغيره...
الفرع الثالث: إذا نذر حجّاً في حال عدم الاستطاعة وكان نذره موسّعاً، أي: غير مقيّد بسنة معيّنة، ثمّ حصلت الاستطاعة، فإنّ المصنّف (قده) ذهب إلى صحّة النذر وانعقاده، ولكن يجب عليه تقديم حجّة الإسلام؛ لأنّ وجوبها فوري بخلاف الحجّة المنذورة، فإنّ وجوبها موسّع من دون تقييد بسنة معيّنة، فيأتي بها في أيّ سنة شاء. وقد احتمل المصنّف (قده) هنا احتمالاً آخر وهو وجوب تقديم الحجّة المنذورة على حجّة الإسلام ولو كان النذر موسّعاً؛ لأنّ النذر دَين عليه، والدَّين يمنع عن تحقّق الاستطاعة لحجّة الإسلام، ولذا يجب عليه الوفاء بالنذر.
وقد ناقش المحقّق الخوئي (قده) ذلك، فقال: متعلّق النذر إذا كان حجّاً غير حجّة الإسلام ثمّ حصلت الاستطاعة فيقدّم حجّة الإسلام ثمّ بعد ذلك وفي السنة المتأخّرة يأتي بالحجّة المنذورة، كما ذهب إليه المصنّف (قده)، وأمّا متعلّق النذر إذا كان طبيعي الحجّ، أي: الجامع بين حجّة الإسلام وغيرها، فإنّه يكفي حجّة واحدة عن حجّة الإسلام والحجّة المنذورة، وهذه الحجّة الواحدة تكون امتثالاً للأمرين حتّى لو نوى الإتيان بها بداعي الأمر النذري [1] .
ويضاف إلى ذلك أنّ ما احتمله المصنّف (قده) من وجوب تقديم الحجّة المنذورة على حجّة الإسلام بدعوى أنّها دَين، والدَّين يمنع عن تحقّق الاستطاعة غير صحيح أيضاً؛ وذلك لأنّه تقدّم غير مرّة أنّ الحجّة المنذورة ليست دَيناً ولا تكون مانعة عن تحقّق الاستطاعة، والمنذور فيها إنّما هو الفعل والعمل، وهكذا الحال في الكفّارة، فإنّ الواجب فيها هو الفعل والعمل بمعنى أنّه يجب عليه أن يُعطم أو يُعتق، وكذلك حجّة الإسلام، فإنّ الواجب فيها هو الفعل والعمل ويجب على المستطيع أن يفعل المناسك المأمور بها، ولكنّه ورد دليل خاص على وجوب القضاء عنه إذا مات ولم يحجّ من أصل التركة.
إذن لا يصحّ ما ذهب إليه صاحب العروة (قده) من وجوب تقديم حجّة الإسلام مطلقاً، وكذا لا يصحّ الاحتمال الذي احتمله في آخر كلامه.
(مسألة19): إذا نذر الحجّ وأطلق من غير تقييد بحجّة الإسلام ولا بغيره، وكان مستطيعاً أو استطاع بعد ذلك، فهل يتداخلان فيكفي حجّ واحد عنهما، أو يجب التعدّد أو يكفي نيّة الحجّ النذري عن حجّة الإسلام دون العكس؟ أقوال أقواها: الثاني؛ لأصالة تعدّد المسبب بتعدّد السبب، والقول بأنّ الأصل هو التداخل ضعيف، واستدلّ للثالث بصحيحتي رفاعة ومحمّد بن مسلم «عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله فمشى، هل يجزيه عن حجّة الإسلام؟ قال (عليه السلام): نعم». وفيه أنّ ظاهرهما كفاية الحجّ النذري عن حجّة الإسلام مع عدم الاستطاعة وهو غير معمول به، ويمكن حملهما على أنّه نذر المشي لا الحجّ ثمّ أراد أن يحجّ فسُئل (عليه السلام) عن أنّه هل يجزيه هذا الحجّ الذي أتى به عقيب هذا المشي أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) بالكفاية. نعم لو نذر أن يحجّ مطلقاً أي حجّ كان كفاه عن نذره حجّة الإسلام، بل الحجّ النيابي وغيره أيضاً؛ لأنّ مقصوده حينئذ حصول الحجّ منه في الخارج بأيّ وجه كان.
إذا نذر الحجّ مطلقاً ولم يقيّده بحجّة الإسلام ولا بحجّة أُخرى غيرها، وكان مستطيعاً أو استطاع بعد ذلك في سنة النذر، فإنّ الكلام في هذه المسألة فيه أربعة أقوال:
القول الأوّل: تتداخل الحجّتان فتكفي حجّة واحدة عنهما، سواء قصدهما أو قصد أحدهما أو لم يقصد أحدهما، وهو قول الشيخ الطوسي (قده) في النهاية.
القول الثاني: لا تتداخل الحجّتان فلا بدّ من التعدّد؛ لأنّ سبب حجّة الإسلام هو الاستطاعة، وسبب الحجّة النذرية هو دليل وجوب الوفاء بالنذر (فِ بالنذر)، وهو ما ذهب إليه صاحب العروة (قده).
القول الثالث: تكفي نيّة الحجّة النذرية عن حجّة الإسلام دون العكس، أي: لا تكفي حجّة الإسلام عن الحجّة النذرية.
القول الرابع: تتداخل الحجّتان إذا قصدهما معاً، وهو قول للسيّد الخميني (قده).
وقد ذهب صاحب العروة (قده) في هذه المسألة إلى أنّ أقوى هذه الأقوال هو الثاني، أي: عدم التداخل، ولذا يجب عليه أداء حجّتين؛ لأنّ تعدّد السبب، أي: الاستطاعة والنذر يوجب تعدّد المسبّب، أو لأنّ تعدّد المسبب يكون بتعدّد السبب.
وقال صاحب الجواهر (قده): «عدم التداخل هو الأشبه بأصول المذهب وقواعده» [2] .
وقد قال المحقّق الخوئي (قده): قد جعل العلماء هذه المسألة مبتنية على مسألة التداخل وعدمه، ولذا ذهب جماعة ومنهم المصنّف (قده) إلى عدم التداخل؛ لأصالة تعدّد المسبّب بتعدّد السبب كما هو الحال في سائر الواجبات، وتوضيح ذلك:
إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء كما في قضيّتي: «إذا تحقّق متعلّق النذر فيجب عليك الحجّ» و«إذا تحقّقت الاستطاعة فيجب عليك الحجّ»، فهل تعدّد الشرط (أي: تحقّق متعلّق النذر وتحقّق الاستطاعة) يقتضي تعدّد الجزاء أو وحدة الجزاء وهو وجوب الحجّ في كلا القضيّتين يقتضي الإتيان بحجّ واحد؟
وبعبارة أُخرى يوجد هنا ظهوران:
الأوّل: ظهور الشرط في التعدّد، ولازمه عدم تداخل الحجّتين.
والثاني: ظهور الجزاء في الوحدة، ولازمه تداخل الحجّتين.
وأيّ الظهورين هنا هو الأقوى؟ فظهور الشرط في التعدّد إذا كان هو الأقوى من ظهور الجزاء في الوحدة، فإنّ هذا الظهور يقتضي تعدّد الجزاء بحسب تعدّد الشرط، ولازمه عدم تداخل الحجّتين، ولذا يجب عليه الإتيان بحجّتين، الأُولى: حجّة الإسلام لتحقّق شرط الاستطاعة، والثانية: حجّة النذر لتحقّق شرط الوفاء به، ولذا ذهب المصنّف (قده) في هذه المسألة إلى عدم التداخل ووجوب إتيان حجّتين، وهكذا حال سائر الواجبات الإلهيّة إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء فيها وكان ظهور الشرط في التعدّد هو الأقوى، كما يقال في عبارتي: «إذا أفطرت في شهر رمضان فأعتق رقبة» و«إذا ظاهرت فأعتق رقبة»، فإنّ ظهور الشرط هنا في التعدّد أقوى من ظهور الجزاء في الوحدة، ولذا يجب عليه كفّارتان للإفطار العمدي في شهر رمضان وللظهار.
وأمّا ظهور الجزاء في الوحدة إذا كان هو الأقوى، فإنّ هذا الظهور يقتضي الإتيان بحجّ واحد لكلا الشرطين الموجودين في هاتين القضيّتين، ولازمه تداخل الحجّتين، ولذا ذهب جماعة منهم الشيخ الطوسي (قده) في النهاية إلى أنّ هذا الظهور يوجب التداخل والاكتفاء بحجّ واحد [3] .
وقد يقال: إنّ هذه المسألة وإن كانت في القول الأوّل والثاني مبتنية على مسألة التداخل وعدمه إلّا أنّها في القول الثالث وهو «كفاية الحجّة النذرية عن حجّة الإسلام دون العكس» غير مبتنية على تلك المسألة، فإنّ مستند القول الثالث هو صحيحة محمّد بن مسلم وصحيحة رفاعة في لسان واحد «عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله فمشى هل يجزيه عن حجّة الإسلام؟ قال (عليه السلام): نعم» [4] .
وظاهر هاتين الصحيحتين كفاية الحجّ النذري عن حجّة الإسلام؛ لأنّ الوفاء بالنذر تعنون بعنوان الوفاء بالنذر وإن لم يقصد فيه القربة، فأداء النذر لا يحتاج إلّا إلى قصد العنوان، ولذا لو قصد أداء النذر ـ حتّى وإن لم يقصد القربة ـ فقد تحقّق موضوع وجوب الوفاء بالنذر، بخلاف حجّة الإسلام، فإنّها تصدق فيما إذا كان المكلّف مستطيعاً فقط ولو لم يقصد حجّة الإسلام.
ولذا لو قصد الإتيان بالحجّة المنذورة وكان مستطيعاً، فإنّ هذه الحجّة تجزي عن حجّة الإسلام وإن لم يقصد خصوص حجّة الإسلام؛ لأنّه قصد الحجّة النذرية وهي حجّة الإسلام، وحجّة الإسلام ليست إلّا هي الأعمال والمناسك التي يأتي المستطيع بها بعد تحقّق الاستطاعة، ولكن وجوب هذه الحجّة أُكّدت بالنذر.
وأمّا لو قصد حجّة الإسلام، فإنّها لا تكفي عن الحجّة النذرية.