46/03/18
إذا كان مستطيعاً ونذر أن يحجّ حجّة الإسلام/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /إذا كان مستطيعاً ونذر أن يحجّ حجّة الإسلام
(مسألة14): إذا كان مستطيعاً ونذر أن يحجّ حجّة الإسلام انعقد على الأقوى، وكفاه حجّ واحد، وإذا ترك حتّى مات وجب القضاء عنه، والكفّارة من تركته، وإذا قيّده بسنة معيّنة فأخّر عنها وجب عليه الكفّارة، وإذا نذره في حال عدم الاستطاعة انعقد أيضاً، ووجب عليه تحصيل الاستطاعة مقدّمة إلّا أن يكون مراده الحجّ بعد الاستطاعة [1] .
في هذه المسألة فروع:
الفرع الأوّل: إذا كان المكلّف مستطيعاً ـ ماليّاً وبدنيّاً وزمانيّاً وسربيّاً ـ ثمّ نذر أن يحجّ حجّة الإسلام، فقد ذهب صاحب العروة (قده) إلى صحّة النذر وانعقاده، فإذا جاء بحجّة الإسلام سقط الأمر الأوّل وهو الأمر بالحجّ الواجب، وسقط الأمر الثاني نتيجة فِ بنذرك، وإذا ترك حتّى مات وجب القضاء عنه، والكفّارة من أصل تركته.
ولكن صاحب الجواهر (قده) ذكر في كتاب النذر[2] أنّ بعض العلماء ذهبوا إلى عدم صحّة النذر وعدم انعقاده لو كان واجباً بالأصل كصوم شهر رمضان، فإنّه إذا نذر أن يصوم أوّل يوم من شهر رمضان لم ينعقد نذره عند السيّد المرتضى والشيخ الطوسي والشيخ أبي الصلاح وابن إدريس (قدّس سرّهم)، وفي الشرائع علّله:
أوّلاً: بأنّ وجوب الصيام في أوّل يوم من شهر رمضان مستحقّ بغير النذر، أي: وجوبه منصوص عليه في الآية الشريفة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، فإيجابه مرّة أُخرى بالنذر تحصيل للحاصل، وهو محال.
وثانياً: وجوب الصيام في أوّل يوم من شهر رمضان قد استحقّ بالأصل، أي: الآية الشريفة، فلا يمكن أن يقع في رمضان صوم غيره، أي: صوم النذر، وعليه لا يصحّ النذر.
وقد ورد هذا الكلام في صوم أوّل يوم من شهر رمضان، ولكنّه يستفاد منه أيضاً قاعدة كليّة في الحجّ؛ لأنّ وجوب الحجّ على المستطيع كذلك، فإنّه:
أوّلاً منصوص عليه في الآية الشريفة: ﴿وَلِله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97]، فإيجابه مرّة أُخرى بالنذر تحصيل للحاصل.
وثانياً: قد استحقّ وجوبه بالأصل، فلا يمكن أن يأتي به في ضمن الحجّ النذري.
ثمّ ناقش صاحب الجواهر (قده) هذا الوجه، فقال:
أوّلاً: إنّ مقتضى التعليل، أي: كونه تحصيلاً للحاصل يستلزم عدم صحّة النذر على فعل كلّ واجب، بل يستلزم عدم صحّة اليمين على فعل الواجب، ولكن قد عرفت تواتر النصوص في صحّة انعقاد اليمين على فعل الواجب.
وثانياً: إنّ عموم أدلّة الوفاء بالنذر (فِ بالنذر) تدلّ على صحّة هذا النذر حتّى لو كان الحجّ واجباً على المكلّف بالأصل.
وثالثاً: إنّ وجوب الصيام في أوّل يوم من شهر رمضان بأصل الشرع لا ينافي مع وجوبه من جهة أُخرى خصوصاً إذا كان للتأكيد، ولذا لو نذر أن يصوم أوّل يوم من شهر رمضان، فإنّ هذا النذر يقتضى تأكيد الوجوب، ولا يقتضي صوم غير رمضان في رمضان بل مقتضاه صوم رمضان في رمضان، وتعدّد سبب الوجوب هنا بالأصل وبالنذر يمكن أن يُراد منه ازدياد انبعاث المكلّف نحو الفعل حذراً من ثبوت الكفّارة عليه بمخالفة النذر، حيث إنّه إذا لم يأت بالحجّ الواجب المنذور مضافاً إلى العصيان تجب عليه الكفّارة.
إذن يصحّ النذر والعهد واليمين على فعل الواجب سواء كان الواجب صوماً أو حجّاً، كما يصحّ النذر والعهد واليمين على ترك الحرام، وهذا يقتضي تأكيد الوجوب أو الحرمة، ولا يستلزم تحصيل الحاصل.
وقد يُشكّك في كون هذا الوجوب تأكيداً، فيقال: التأكيد لا يكون إلّا في وجوب واحد، ولكن هنا يوجد وجوبان، وهما تعلّق أحدهما بالحجّ الواجب (حجّة الإسلام)، وتعلّق الآخر بالحجّ النذري، ولذا لا يكون الوجوب الثاني مؤكّداً للوجوب الأوّل.
وفيه: إنّ الوجوب هنا للتأكيد؛ لأنّ الحجّ فعل واحد، وهذا الفعل الواحد وجب بالآية القرآية، وأُكّد بالنذر.
وقد قال السيّد الحكيم (قده) في المستمسك: لو كان مراد المستشكل في صحّة النذر هو أنّ وجوب الحجّ مستحقّ لله تعالى ومملوك له بالحقّ الوضعي، فإنّ هذا مانع من صحّة النذر؛ لأنّ النذر مفاده الاستحقاق فلا يقع على المستحقّ، وهذا الاستحقاق بالحقّ الوضعي لا يقبل التكرار في اليوم الأوّل؛ لاجتماع المثلين، وكذا لا يقبل التأكيد؛ لأنّه غير صحيح عند العقلاء. وهكذا الحال في أكثر عناوين الإيقاعات ـ كالزوجيّة والرقيّة والحريّة وغيرها ـ فإنّها جميعاً لا تقبل التأكيد، وليست من الماهيّات التشكيكية، والاستحقاق منها، فنذر المستحقّ لله تعالى لا يوجب استحقاقاً له تعالى، فيكون باطلاً.
ثمّ ردّ ذلك وقال بأنّ ثبوت الاستحقاق من أجل الوجوب ممنوع، ولو ثبت لكان مانعاً من صحّة النذر. ولكنّه ذكر إشكالاً آخر على صحّة النذر يختصّ بباب الحجّ وهو أنّ الظاهر من اللام في قوله تعالى: ﴿وَلِله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ هو الملكيّة، فإنّه إذا كان حجّ الإسلام مملوكاً بالأصل لا يكون مملوكاً بالنذر، وقال: ليت المانعين ذكروا ذلك في نذر حجّ الإسلام، واستدلّوا عليه بما ذكر، فإنّه يكون حينئذ في محلّه ومتين جدّاً [3] .
ويردّ عليه: إنّ الآية الشريفة: ﴿وَلِله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ أوجدت وجوباً على المستطيع، وهو حكم تكليفي لا وضعي فقط حتّى يقال: إنّ الحكم الوضعي لا يقبل التأكيد، وإنّما الحكم التكليفي يؤكّد، فاللام في هذه الآية الشريفة ليس للتمليك، ولذا لو نذر المستطيع أن يحجّ فإنّه يمكن تأكيد هذا الوجوب بالنذر.
والحاصل: ما ذهب إليه صاحب العروة (قده) من صحّة النذر وانعقاده على فعل الواجبات هو الصحيح، سواء كان الواجب حجّاً أو صوماً أو غير ذلك. ولذا يصحّ تأكّد الواجبات الأصليّة بتعلّق النذر بها، كما يصحّ اشتراط إتيان الواجب أو ترك الحرام ضمن عقد لازم.
إذن لو نذر أن يحجّ حجّة الإسلام وأتى بها فقد سقط الأمر الأوّل، وهو الأمر بالحجّ الواجب، وسقط الأمر الثاني المستفاد من عموم دليل (فِ بالنذر).
وأمّا مقرّر المحقّق الخوئي (قده) فقد ذكر في هذه المسألة أنّ وجوب القضاء إذا لم يأت بهذا الحجّ الواجب المنذور تقدّم في مسألة 3115، ولكن تقدّم في تلك المسألة الحكم بعدم وجوب القضاء لعدم الدليل عليه، وهذا خطأ منه. مضافاً إلى أنّ ما تقدّم كان في نذر الحجّ مطلقاً، ولكنّ البحث هنا في نذر الحجّ الواجب وهو حجّة الإسلام، فإنّه لو كان مستطيعاً ونذر الحجّ ولم يأت به حتّى مات فإنّه يجب القضاء عنه من أصل التركة بلا كلام؛ لوجوب القضاء عن حجّة الإسلام، ويجب عليه الكفّارة أيضاً لحنث النذر.
ولكن بالنسبة إلى وجوب الكفّارة فلا دليل على وجوب خروجها من الأصل، فإنّه لو تمّ الإجماع على وجوب خروج الكفّارة من الأصل لحكمنا بذلك كما قال صاحب العروة (قده)، وإلّا فلا وجه لإخراج الكفّارة لا من الأصل ولا من الثلث؛ لأنّه لم يوص بها، بل هي من جملة الواجبات التي تسقط بموت صاحبها؛ لأنّ الوجوب فيها ليس ماليّاً بل هو فعل الإطعام وهو ليس مالاً.
ويردّ على إطلاق عبارة المصنّف (قده) بأنّ المفروض في هذه المسألة أن يكون النذر حال تحقّق الاستطاعة، وبما أنّ وجوب الحجّ بعد الاستطاعة فوري ولا يجوز التأخير فيه، فاللازم أن يكون النذر كذلك بحيث لا يكون منافياً مع عدم جواز التأخير، ولذا لا بدّ من نذر الحجّ الواجب وهو حجّ الإسلام فوراً، وأمّا لو نذر الإتيان به على وجه التراخي، فإنّه يكون باطلاً.