46/03/12
إذا نذر الحجّ وهو متمكّن منه فاستقرّ عليه ثمّ صار معضوباً... ولو نذر أن يحجّ رجلاً في سنة معيّنة فخالف.../فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /إذا نذر الحجّ وهو متمكّن منه فاستقرّ عليه ثمّ صار معضوباً... ولو نذر أن يحجّ رجلاً في سنة معيّنة فخالف...
الفرع الثاني: إذا نذر الحجّ وصار معضوباً أو مصدوداً قبل التمكّن من الحجّة المنذورة أو نذر الحجّ حال كونه معضوباً أو مصدوداً ففي وجوب الاستنابة وعدمه قولان، أقواهما العدم.
وهذا كلام صحيح؛ لأنّه غير متمكّن من الحجّة المنذورة، وعدم التمكّن يكشف عن بطلان النذر وعدم انعقاده، فإنّ النذر إنّما ينعقد ويكون صحيحاً إذا تمكّن المكلّف منه في ظرف العمل وإلّا فلا ينعقد، وأمّا ما ذُكر في مسألة 72 من وجوب الاستنابة في حجّة الإسلام فيما إذا منعه مانع من مباشرة الحجّ وكان متمكّناً مالياً لا بدنياً فإنّه لدلالة الروايات على ذلك، وقد دلّت على أنّه يجهّز رجلاً صرورة لا مال له يحجّ عنه، ولكن لم يرد هنا دليل على وجوب الاستنابة.
(مسألة12): لو نذر أن يُحجّ رجلاً في سنة معيّنة فخالف مع تمكّنه وجب عليه القضاء والكفارة، وإن مات قبل إتيانهما يقضيان من أصل التركة؛ لأنّهما واجبان ماليان بلا إشكال، والصحيحتان المشار إليهما سابقاً الدّالتان على الخروج من الثلث معرض عنهما كما قيل، أو محمولتان على بعض المحامل.
وكذا إذا نذر الإحجاج من غير تقييد بسنة معيّنة مطلقاً أو معلّقاً على شرط وقد حصل وتمكّن منه وترك حتّى مات فإنّه يقضى عنه من أصل التركة.
وأمّا لو نذر الإحجاج بأحد الوجوه ولم يتمكّن منه حتّى مات ففي وجوب قضائه وعدمه وجهان، أوجههما ذلك؛ لأنّه واجب مالي أوجبه على نفسه فصار ديناً، غاية الأمر أنّه ما لم يتمكّن معذور، والفرق بينه وبين نذر الحجّ بنفسه أنّه لا يعدّ ديناً مع عدم التمكّن منه، واعتبار المباشرة، بخلاف الإحجاج فإنّه كنذر بذل المال، كما إذا قال: لله عليّ أن أعطي الفقراء مائة درهم ومات قبل تمكّنه، ودعوى كشف عدم التمكّن عن عدم الانعقاد ممنوعة، ففرق بين إيجاب مال على نفسه أو إيجاب عمل مباشري وإن استلزم صرف المال، فإنّه لا يعدّ ديناً عليه بخلاف الأوّل[1] .
ذكر صاحب العروة (قده) هذه المسألة في نذر الإحجاج، وفيها فروع، فإنّه تارة ينذر أن يُحجّ شخصاً في سنة معيّنة، وأُخرى ينذر أن يُحجّه مطلقاً من دون تقييد بسنة معيّنة، وفي كلا الفرضين قد يكون متمكّناً منه وقد لا يكون متمكّناً من ذلك.
الفرع الأوّل: لو نذر أن يُحجّ رجلاً في سنة معيّنة فخالف مع تمكّنه، فقد عصى ووجب عليه القضاء والكفّارة، وإن مات قبل إتيانهما يقضيان من أصل التركة؛ لأنّ القضاء والكفّارة واجبان ماليان، والواجب المالي يخرج من أصل التركة، ولا تركة إلّا بعد سداد الدّيون و﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:11و12].
وقد ناقش المحقّق الخوئي (قده) ذلك، فقال: لا ريب في العصيان وثبوت الكفّارة؛ لأنّه تمكّن من الإتيان بالحجّة المنذورة ولكن لم يأت بها فتحقّق الحنث بالمخالفة، وأمّا وجوب القضاء فلم يرد أيّ نص في المقام يدلّ على وجوبه.
نعم وردت صحيحتان في باب نذر الإحجاج، وهما:
صحيحة ضريس الكناسي، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل عليه حجّة الإسلام نذر نذراً في شكر ليحجّنّ به رجلاً إلى مكّة، فمات الذي نذر قبل أن يحجّ حجّة الإسلام ومن قبل أن يفي بنذره الذي نذر، قال: إن ترك مالاً يُحجّ عنه حجّة الإسلام من جميع المال، وأُخرج من ثلثه ما يحجّ به رجلاً لنذره وقد وفى بالنذر، وإن لم يكن ترك مالاً إلّا بقدر ما يُحجّ به حجّة الإسلام حُجّ عنه بما ترك، ويحجّ عنه وليّه حجّة النذر، إنّما هو مثل دين عليه» [2] .
وصحيحة عبد الله ابن أبي يعفور، قال: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل نذر لله إن عافى الله ابنه من وجعه ليُحجّنّه إلى بيت الله الحرام، فعافى الله الإبن ومات الأب، فقال: الحجّة على الأب يؤدّيها عنه بعض ولده، قلت: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه؟ فقال: هي واجبة على الأب من ثلثه، أو يتطوّع ابنه فيحجّ عن أبيه»[3] .
ولكن مورد هاتين الصحيحتين نذر إحجاج الغير من غير تقييد بسنة معيّنة، ومحلّ الكلام نذر الإحجاج المقيّد بسنة معيّنة فلا يكون مشمولاً للخبرين. فعليه لا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة، ومقتضاها عدم وجوب القضاء لا عليه ولا بعد موته؛ لأنّ الواجب الذي أوجبه على نفسه بالنذر في سنة معيّنة يفوت بفوات وقته، ووجوبه في غير السنة التي نذرها أو بعد الموت يحتاج إلى دليل آخر وأمر جديد [4] .
ويردّ عليه: هاتان الصحيحتان تدلّان على وجوب القضاء مطلقاً فيما لو نذر أن يُحجّ رجلاً (وتمكّن من ذلك ولم يحجّ) فمات بعد ذلك، ومقتضى الإطلاق فيهما يشمل ما نحن فيه من الإحجاج المقيّد بسنة معيّنة، فإنّ الإطلاق يشمل إتيان المنذور في السنة المعيّنة وغيرها. ولذا تدلّ الصحيحتان بمقتضى إطلاقهما على وجوب القضاء في نذر الإحجاج مطلقاً سواء كان النذر مقيّداً بسنة معيّنة أو لم يكن كذلك.
وقد أضاف المحقّق الخوئي (قده) مطلباً آخراً، فقال: على فرض وجوب القضاء لا دليل على خروج الإحجاج المنذور من أصل التركة؛ لأنّ الذي يجب خروجه من الأصل إنّما هو الدّيون الشخصيّة وردّ المظالم إلى أصحابها، أو الديون الشرعيّة كالخمس والزكاة، وأمّا مطلق الواجب المالي كإحجاج الغير فلا دليل على خروجه من الأصل، لأنّه ليس دَيناً وإن كان يحتاج إلى صرف مال. وكذا لا دليل على خروج كفّارة حنيث النذر وسائر الكفّارات من الأصل، فإنّ الواجب في الكفّارات هو إطعام الفقراء أو عتق العبد، وإذا خالف وترك الإطعام لا يكون مديناً لأحد، وإنّما ترك واجباً من الواجبات، فليس حال الكفّارة حال الدّيون والخمس والزكاة وردّ المظالم حتّى تخرج من الأصل [5] .
أقول في ردّ المحقّق الخوئي (قده): إنّ الصحيحتين المذكورتين تدلّان على أنّ الحجّة المنذورة (إحجاج الغير) تخرج من ثلث التركة لا من أصل التركة، ودعوى الإعراض عنهما لا دليل عليه.
الفرع الثاني: إذا نذر أن يُحجّ رجلاً من غير تقييد بسنة معيّنة، أي: مطلقاً أو معلّقاً على شرط وقد حصل وتمكّن من الوفاء بالنذر لكنّه مات اتفاقاً قبل الوفاء، فلا تجب عليه الكفّارة لعدم حصول الحنث؛ لأنّ النذر كان مطلقاً من دون تقييده بسنة معيّنة، ولذا يجوز التأخير في الإتيان به، ومع جواز التأخير لا يكون عاصياً ولم يتحقّق حنث النذر فلا تجب الكفّارة حينئذ.
وأمّا الكلام في وجوب القضاء عنه من أصل التركة وعدم الوجوب فالمعروف بين الفقهاء ومنهم المصنّف (قده) وجوب القضاء من الأصل؛ لأنّه نذر أن يُحجّ الغير وهو واجب مالي، والإجماع قائم على أنّ الواجبات الماليّة تخرج من الأصل. وأمّا الصحيحتان المتقدّمتان الدّالاتان على أنّه يخرج من الثلث فمُعرض عنهما.
وقد ناقش المحقّق الخوئي (قده) ذلك، فقال: «إنّ الإجماع لم يتمّ، نعم قامت الشهرة على الخروج من الأصل وهي ليست بحجّة، فلو قلنا بمقالة المشهور من سقوط الرواية عن الحجّية بالإعراض عنها لا يجب الخروج من الثلث لسقوط الروايتين عن الحجّية بالإعراض، ولا من الأصل لعدم الدليل وعدم تماميّة الإجماع، وإن لم نقل بذلك كما هو الصحيح عندنا، فمقتضى الصحيحتين الخروج من الثلث، وعُدّ ذلك من جملة خيرات الميّت ومبرّاته التي تصرف للميّت كما هو صريح صحيح ابن أبي يعفور المتقدِّم» [6] .
أقول: إنّ ثبوت الإعراض غير مسلّم، إذن الصحيحتان حجّة، وهما يدلّان على إخراج إحجاج الغير من الثلث. نعم، إذا ثبت الإعراض تسقط الصحيحتان عن الحجّية وحينئذ لا دليل على القضاء؛ لأنّ المنذور هو الفعل ولا يكون ديناً.