« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

46/03/11

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا نذر الحجّ معلّقاً على أمر كشفاء مريضه ...وإذا نذر الحجّ وهو متمكّن منه فاستقرّ عليه ثمّ صار معضوباً لمرض.../فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /إذا نذر الحجّ معلّقاً على أمر كشفاء مريضه ...وإذا نذر الحجّ وهو متمكّن منه فاستقرّ عليه ثمّ صار معضوباً لمرض...

 

(مسألة10): إذا نذر الحجّ معلّقاً على أمر كشفاء مريضه أو مجيء مسافره فمات قبل حصول المعلّق عليه هل يجب القضاء عنه أم لا؟ المسألة مبنيّة على أنّ التعليق من باب الشرط أو من قبيل الوجوب المعلّق، فعلى الأوّل لا يجب لعدم الوجوب عليه بعد فرض موته قبل حصول الشرط وإن كان متمكّناً من حيث المال وسائر الشرائط، وعلى الثاني يمكن أن يقال بالوجوب لكشف حصول الشرط عن كونه واجباً عليه من الأوّل، إلّا أن يكون نذره منصرفاً إلى بقاء حياته حين حصول الشرط [1] .

إذا نذر الحجّ معلّقاً على أمر كشفاء مريضه من المرض العضال أو مجيء مسافره من ساحات القتال سالماً، ولكن قبل حصول المعلّق عليه، أي: قبل شفاء المريض أو مجيء المسافر مات، فهل يجب القضاء عنه )بعد تحقّق المعلّق عليه( أو لا يجب القضاء؟

قال صاحب العروة (قده): إنّ هذه المسألة مبنيّة على أنّ التعليق (شفاء المريض أو مجيء المسافر) من باب الشرط أو من قبيل الوجوب المعلّق، فإنّ التعليق إذا كان من قبيل الشرط لا يجب القضاء عنه؛ لأنّه مات قبل تحقّق الشرط، وفي الواجب المشروط ما لم يتحقّق الشرط لا يتحقّق الوجوب، وإنّما الوجوب يكون بعد تحقّق الشرط. وهذا نظير دخول الوقت بالنسبة إلى وجوب الصلاة أو الاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ، فإنّ دخول الوقت أو الاستطاعة شرط لتحقّق الوجوب على المكلّف، ولا يتحقّق الوجوب قبل الشرط.

وأمّا التعليق إذا كان من قبيل الواجب المعلّق فيجب القضاء عنه؛ لكشف حصول الشرط عن كون الحجّ واجباً عليه من الأوّل، فإنّ وجوب الحجّ في الواجب المعلّق فعلي والواجب فيه معلّق على مجيء وقته.

والفرق بين الواجب المشروط والواجب المعلّق هو أنّ أصل الالتزام (الوجوب) في الواجب المشروط مقيّد بحصول الشرط، فما لم يتحقّق الشرط لا يتحقّق الوجوب. وهذا بخلاف الواجب المعلّق، فإنّ المُلتزم به (الواجب) مقيّد بحصول الشرط، ولكنّ الوجوب فعلي، كما في وجوب الحجّ على المستطيع حيث إنّ الوجوب فعلي، ولكنّ الواجب استقبالي ومعلّق على مجيء أشهر الحجّ، وكما في وجوب الصوم على المكلّف برؤية الهلال حيث إنّ الوجوب فعلي، ولكنّ الواجب استقبالي ومعلّق على مجيء الوقت (طلوع الفجر).

وبناء على ذلك لو كان التعليق من باب الشرط وقيداً للوجوب، وحصل بعد موت الناذر، فإنّه لا يجب القضاء عنه؛ لعدم تحقّق الوجوب بعدم تحقّق الشرط. وهذا بخلاف ما لو كان التعليق على نحو الواجب المعلّق وقيداً للواجب، فإنّه يجب القضاء عنه؛ لأنّ الوجوب فعلي عليه، وإنّما الواجب معلّق على مجيء وقته.

وقد ناقش صاحب العروة (قده) ما ذكره أوّلاً، فقال: إنّ النذر منصرف إلى بقاء حياته حين حصول المعلّق عليه فلا يجب القضاء عنه في كلا الفرضين؛ لأنّ الواجب المعلّق وإن كان يمتاز عن الواجب المشروط فيما ذكرناه، ولكن تعلّق الوجوب في كليهما مشروط بالقدرة في ظرف العمل، والمفروض أنّه غير قادر على العمل بعد الموت، وهذا يكشف عن عدم الوجوب، ومعه لم يجب القضاء عنه في كلا المبنيين.

(مسألة11): إذا نذر الحجّ وهو متمكّن منه فاستقرّ عليه ثمّ صار معضوباً لمرض أو نحوه أو مصدوداً بعدوّ أو نحوه فالظاهر وجوب استنابته حال حياته لما مرّ من الأخبار سابقاً في وجوبها، ودعوى اختصاصها بحجّة الإسلام ممنوعة كما مرّ سابقاً، وإذا مات وجب القضاء عنه. وإذا صار معضوباً أو مصدوداً قبل تمكّنه واستقرار الحجّ عليه أو نذر وهو معضوب أو مصدود حال النذر مع فرض تمكّنه من حيث المال ففي وجوب الاستنابة وعدمه حال حياته ووجوب القضاء عنه بعد موته قولان، أقواهما العدم، وإن قلنا بالوجوب بالنسبة إلى حجّة الإسلام إلّا أن يكون قصده من قوله: لله علي أن أحجّ، الاستنابة [2] .

ذكر المصنّف (قده) في هذه المسألة فرعين:

الفرع الأوّل: إذا نذر الحجّ وهو متمكّن منه فاستقرّ عليه ثمّ صار معضوباً لمرض أو نحوه أو مصدوداً بعدوّ أو نحوه فالظاهر وجوب الاستنابة عليه في حال حياته؛ لدلالة الروايات على ذلك:

ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «وإن كان موسراً وحال بينه وبين الحجّ مرض أو حصر أو أمر يعذره الله فيه فإنّ عليه أن يحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له» [3] .

ومنها: خبر سلمة بن حفص، عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنّ رجلاً أتى عليّاً (عليه السلام) ولم يحجّ قط، فقال: إنّي كنت كثير المال وفرّطت في الحجّ حتّى كبرت سنّي؟ فقال: فتستطيع الحجّ؟ فقال: لا، فقال له علي (عليه السلام): إن شئت فجهّز رجلاً ثمّ ابعثه يحجّ عنك» [4] ، فإنّ المراد من «إن شئت» هو إن شئت تفريغ ذمّتك فجّهز رجلاً ثم ابعثه يحجّ عنك.

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) يقول: «لو أنّ رجلاً أراد الحجّ فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطيع الخروج فليجهّز رجلاً من ماله ثمّ ليبعثه مكانه» [5] .

فالمستفاد من الروايتين الأُوليّتين وجوب الاستنابة في خصوص الحجّ الواجب (حجّة الإسلام)، ولكن إطلاق قوله (عليه السلام): «رجلاً أراد الحجّ» في الثالثة كما يشمل الحجّ الواجب يشمل الحجّ النذري والاستحبابي، غير أنّ الحجّ الاستحبابي خارج عن الحكم بوجوب الاستنابة، فيبقى الحجّ الواجب والحجّ النذري مشمولاً للحكم بالوجوب.

وعليه يصحّ ما ذهب إليه صاحب العروة (قده) من وجوب الاستنابة لمن نذر الحجّ وتمكّن منه فاستقرّ عليه ثمّ عرض له مانع من الإتيان كالمرض ونحوه؛ لدلالة الأخبار على ذلك، فإنّها تعمّ الحجّ الواجب (حجّة الإسلام) والحجّ النذري، ودعوى اختصاصها بحجّة الإسلام ممنوعة.

ولذا قال العلّامة في التذكرة: «ولو نذر الحجّ أو أفسد حجّاً وهو معضوب، فالأقرب وجوب الاستنابة، كحجّة الإسلام» [6] . وقال المحقّق في الشرائع: وجوب الاستنابة حسن.

وقد يقال: لا خصوصيّة لحجّة الإسلام فإذا ثبت فيها وجوب تجهيز رجلاً للإحجاج عنه فهنا أيضاً كذلك.

فإنّه يقال: يوجد فرق في المقام حيث إنّ حجّة الإسلام بُني عليها الإسلام بخلاف الحجّة المنذورة، فهذا الدليل باطل.


logo