46/03/10
إذا نذر أن يحجّ ولم يقيّده بزمان ... وإذا نذر الحجّ مطلقاً أو مقيّداً بسنة معيّنة ولم يتمكّن من الإتيان به/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /إذا نذر أن يحجّ ولم يقيّده بزمان ... وإذا نذر الحجّ مطلقاً أو مقيّداً بسنة معيّنة ولم يتمكّن من الإتيان به
وقد يقال في تأييد ما استدلّ إليه صاحب الجواهر (قده)، خلافاً لما ناقشه المحقّق الخوئي (قده): إنّ صحيحة مسمع عن أبي عبد الله (عليه السلام) تدلّ على أنّه إذا نذر أن يحجّ بنفسه في سنة معيّنة أو غير معيّنة وتمكّن من ذلك ولم يحجّ حتّى مات، فإنّه يجب عليه القضاء، وبهذه الصحيحة تكون المسألة في المقام من المسائل المنصوصة على وجوب القضاء، وهي قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كانت لي جارية حُبلى فنذرت لله عزّ وجلّ إن ولدت غلاماً أن أُحجّه أو أحجّ عنه، فقال: إنّ رجلاً نذر لله عزّ وجلّ في ابن له، إن هو ادرك أن يَحجّ عنه أو يُحجّه فمات الأب، وأدرك الغلام بعد، فأتى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الغلام، فسأله عن ذلك، فأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يحجّ عنه مما ترك أبوه» [1] .
فهذه الصحيحة كما تشمل نذر الحجّ كذلك تشمل نذر الإحجاج حيث إنّ قوله (عليه السلام): «أن يَحجّ عنه» يدلّ على حجّ الأب عن الولد بعد الادراك والبلوغ، وقوله (عليه السلام): «أن يُحجّه» يدلّ على الإحجاج عن الولد من قِبل شخص آخر بعد ذلك، وفي كلا الفرضين أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يُقضى عن الأب ويُحجّ عنه ممّا ترك، والظاهر أنّه من صلب المال ومن جميع التركة، ولذا لو كان دليل على أنّ القضاء في الحجّ الواجب (حجّة الإسلام) يُخرج من أصل التركة، بينما القضاء في الحجّ المنذور يُخرج من الثلث، فإنّ إطلاق هذه الصحيحة يقيّد بذلك.
إذن هذه الصحيحة تدلّ على وجوب القضاء في نذر الحجّ كما يقول صاحب الجواهر (قده).
ويُلاحظ عليه: إنّ هذه الصحيحة ليست دليلاً على ما ذهب إليه صاحب الجواهر (قده)؛ لأنّ المراد من قوله (عليه السلام) «أن يحجّ عنه» يمكن أن لا يكون «يَحجّ عنه»، أي: يمكن أن لا يكون حجّ الأب عن الولد، بل يكون المراد «أن يُحجّ عنه»، أي: إحجاج عن الولد من قِبل شخص آخر، ولذا تكون الصحيحة دليلاً على نذر الإحجاج فقط من دون دلالة على نذر الحجّ.
إذن الإحتمال الموجود في هذه الصحيحة إمّا أن يكون «يَحجّ عنه»، أي: الأب يحجّ عن الولد، أو يكون «أن يُحجّ عنه»، أي: إحجاج عن الولد من قبل شخص آخر، ومع ذلك تكون الرواية مجملة وغير صريحة في موردنا وهو الحجّ الواجب عن نفسه بالنذر، والقدر المتيقّن من هذه الصحيحة هو وجوب الإحجاج عن الولد لا الحجّ الواجب بالنذر. إذن لا دليل على وجوب القضاء فيما لو نذر أن يحجّ عن نفسه ولكن لم يأت به بعد التمكّن منه.
والحاصل: هذه المسألة «إذا نذر أن يحجّ في سنة معيّنة أو غير معيّنة ولم يأت به بعد التمكّن حتّى مات» لم تكن من المسائل المنصوصة ولم يرد فيه دليل على وجوب القضاء، وبعد إبطال الأقوال الثلاثة المذكورة، يتعيّن القول الرابع وهو عدم وجوب القضاء استناداً إلى أصل البراءة؛ لأنّه شكّ في أصل التكليف، وأنّه هل يجب القضاء على الناذر أو على وليّه بعد الموت أو لا يجب ذلك؟
(مسألة9): إذا نذر الحجّ مطلقاً أو مقيّداً بسنة معيّنة ولم يتمكّن من الإتيان به حتّى مات لم يجب القضاء عنه، لعدم وجوب الأداء عليه حتّى يجب القضاء عنه فيكشف ذلك عن عدم انعقاد نذره.
قال صاحب العروة (قده): إذا نذر الحجّ مطلقاً أو مقيّداً بسنة معيّنة ولم يتمكّن من الإتيان به حتّى مات لم يجب القضاء عنه، لعدم وجوب الأداء عليه حتّى يجب القضاء عنه، فيكشف ذلك عن عدم انعقاد نذره؛ لأنّ النذر مشروط بالقدرة وهو غير قادر على الحجّ المنذور في جميع السنين لو كان مطلقاً أو في سنة النذر لو كان مقيّداً، فإذا لم يجب عليه الأداء في وقت العمل لا يجب عليه القضاء. والنذر إنّما هو التزام لله تعالى بشيء في الأمور المقدورة، والمفروض في المقام عدم التمكّن من الوفاء به، ولذا يسقط وجوبه فضلاً عن وجوب قضائه، فإنّ الأمر بالقضاء متفرّع على الأمر بالأداء.
وبعبارة أُخرى نقول: إنّ وجوب النذر يكون في صورة التمكّن منه، أو نقول: إنّ المتعارف والفهم العرفي المغروس في أذهان المكلّفين هو أنّ النذر إنّما يكون واجباً في صورة التمكّن من الأداء. وهكذا حال جميع الواجبات الإلهيّة من دون فرق بين الواجبات التعبديّة والتوصليّة، فإنّ جميعها مشروطة بالقدرة.
ولكنّ المهم في المقام أن يقال: إنّ عدم وجوب القضاء ليس من جهة تفريع وجوب القضاء على وجوب الأداء، بل من جهة عدم وجود الدليل على القضاء؛ لأنّ صحيحة علي بن مهزيار المتقدّمة [2] دلّت على وجوب قضاء ما فات المكلّف من الصوم المنذور في يوم معيّن إذا صادف يوم عيد أو كان مريضاً أو مسافراً في ذلك اليوم، مع أنّه لم يكن مُلزماً بالأداء والإتيان للصوم المنذور في ذلك اليوم؛ لأنّ القاعدة تقتضي بطلان متعلّق النذر في اليوم المعيّن إذا لم يكن راجحاً حين العمل، والمفروض حرمة الصوم في هذا اليوم المعيّن إذا صادف يوم العيد أو يوم السفر أو يوم المرض.